لا جزى الله عنا حكومة مصر الحروسة خيرا، ولا بل لها
ريقا أو يسر لها طريقا، أو حتى غفر لها ذنبا، أو جعلها
ترتاح على جنب - جزاء وفاقا لم تفعله بالذين عملوا أو
يعملون فى خدمتها أو جلسوا على عتبتها - والحكومة التى
نقصدها ليست حكومة الأشخاص فالكل زائل - ولكنها حكومة
الأوامر والنواهى - والبلاوى والدواهى التى تتنامى جيلا
بعد جيل فلا يفلت من مخالبها التى تشبه أم أربعة وأربعين
أحد حتى إذا جد على نية أن يجد.. تسطر فى لوائح وقوانين من
أيام أمحتب - وهى التى دفعت باشكاتب إحدى دوائر الإصلاح
الزراعى كنت أجلس عنده فى مطلع الستينيات وأنا فى مقتبل
العمر وأول أعتاب الوظيفة الميرى بشمال غرب الدلتا أن يرد
على إشارة تليفونية أتته من أحد التفاتيش بأن الرصاص أطلق
على المهندس الزراعى وهو يركب بغلة الحكومة فسأل الرجل فى
فزع - وهل البغلة سليمة؟!!.
البغلة أهم من المهندس الذى أضاع شبابه فى طلب العلم وخدمة
الوطن لأنها تقيد فى الدفاتر ومحاضر الجرد، وتحرر لها
استمارات من كل صنف ولون وتعتمد لها العليقة - أما
الباشمهندس فمن يكون.. واحد من هذه الملايين التى تصدع رأس
الحكومة بمشاكلها فإذا ذهب واحد سيأتى ألف؟!!.
تمخض الجبل حاولت أن أكتب هذه المقدمة على طريقة عيسى بن هشام وهى
مقدمة لا ترقى لحال موظفى الحكومة الذين يبلغ عددهم 5.5
مليون منهم 5.1 مليون تقريبا منظمون فى نقابات عمالية
وثلاث من هذه النقابات لا تضم سواهم هي: البريد -
الاتصالات - السكك الحديدية .
ومن يذهب إلى لجان العجز بصندوق معاشات الحكومة إذ يحمل
العامل أو الموظف لها حملا - أو يأخذه من يره مرافق -
ويبحث الطبيب المشارك عن إجازاته المرضية رغم صعوبة حالته
فلا يجدها لأنه لا يحصل عليها خشية من ضياع الحافز - الذى
لا يكفى ثمن أرغفة العيش لأبنائه - بين الحين والآخر تطلع
علينا الصحف بأخبار عن مشروع جديد لتعديل قانون العاملين
المدنيين بالدولة ويتمخض الجبل فيلد فأرا ويتضح أن التعديل
كان لعلاج ظرف طارئ مثل ذلك الذى صدر فى العام الماضى
لعلاج ظاهرة الأعباء المالية المترتبة عن ضم المساجد
الأهلية لوزارة الأوقاف فألغى الاستثناء الذى كان ممنوحا
للعاملين فيها من شروط اللياقة الطبية والامتحان.
فى أبريل 1996 وجهت مجموعة من النقابيين رسالة لرئيس اتحاد
العمال تطالبه بإدراج قضية تعديل قانون العاملين المدنيين
بالدولة عند إلقائه بيانه فى عيد العمال أمام رئيس
الجمهورية وقد جرى هذا فعلا وبمبادرة من بعض النقابات عقدت
حلقتان لمناقشة الموضوع إحداهما بكلية الحقوق جامعة
القاهرة من 7 إلى 9/5/96، والأخرى من 25 إلى 27 مايو نفس
العام بالجامعة العمالية.. صدر عن الحلقتين عدد من
التوصيات مثل:
-- أعمال مبدئى حق التنظيم والمفاوضة الجماعية تنفيذا
لأحكام الاتفاقية الدولية 151 لسنة 1978 والتوصية الملحقة
بها وكذلك القانون (35) لسنة 1976 للنقابات العمالية
وتعديلاته.
-- إعداد جدول للأجور والعلاوات يتيح الأجر المعقول الذى
يتواءم مع احتياجات المعيشة.
-- مراعاة العدالة فى ترتيب المجموعات الوظيفية بحيث يتيح
فرص التدرج بما يمنح الأمل للعاملين فى تطوير أنفسهم.
-- مراعاة ما يتعلق بالمزايا المادية والعينية والأدبية
التى تحفظ للموظف الكرامة والاستقرار.
-- توحيد نظم التقاضى فى شئون العاملين على مختلف قطاعات
العمل فى البلاد.
-- إعفاء المرتبات والأجور والعلاوات الخاصة بقانون
العاملين المدنيين بالدولة من الضرائب والدمغات.
-- تقليص سلطات الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة فيما
يتعلق بشئون العاملين.
-- مراعاة مبدأ المساواة الذى نصت عليه المادة (40) من
الدستور حرصا على السلام الاجتماعي.
-- مراعاة حالة الأسعار عند تقرير نظم البدلات.
باب العلاوة منذ عام 1996 وحتى الآن مضت عشر سنوات جرت خلالها فى
النهر مياه كثيرة - على المستوى النقابى شمل تشكيل هيئة
مكتب الاتحاد العام بدءا من دورة 1996 وجود نائب رئيس
اتحاد للقطاع الحكومى - وصدرت أكثر من توصية من الجمعيات
العمومية لاتحاد العمال تطالب الحكومة بالتوقيع على
الاتفاقية الدولية 151 لعام 1978 الخاصة بموظفى الخدمة
المدنية ولم تعر الحكومة الأمر انتباها.. إلا أن تراجعات
أخرى انتقصت من حقوق العاملين المدنيين بالدولة منها:
- حذف النص الخاص بتطبيق باب السلامة والصحة المهنية على
موظفى الدولة الوارد بقانون العمل 137 لسنة 981 عند إصدار
قانون العمل 12 لعام 1983.
صدر قانون الضرائب الأخير والذى شمل بتحصيل الضرائب كل ما
يحصل عليه العامل من مرتبات ومزايا وحتى أرصدة إجازات..
ولكن من ناحية أخرى سحبت وزارة التنمية الإدارية كل
الدرجات الخالية والممولة فى وزارات الدولة ومصالحها
واستخدمتها لعلاج حالات الرسوب الوظيفي.
وصدر قرار مجلس الوزراء بإطلاق مدد الإجازات الخاصة
والإعارة.. وكذلك قانون للسماح بالعمل نصف الوقت.. وبقيت
قضايا أساسية ومهمة ظهر منها ما هو جديد على السطح وعبر
عنها العاملون المدنيون بالدولة فى لقاءات مع مستويات
ونوعيات مختلفة.. إدارية ونقابية.. منها على سبيل المثال
نبيل عبدالمجيد رئيس اللجنة النقابية بقطاع التدريب
بالإنتاج الحربى وعدد من العاملين بهيئة البريد حينما
طالبوا بضرورة تعديل جدول الأجور العتيد والعصى على
التعديل.. يحدد هذا الجدول أساسى أجر أول المربوط لعامل
الدرجة السادسة ب 35 جنيها وهو الأجر التأمينى حتى الآن..
تخيلوا يا قوم.. أما أعلى الدرجات وهى الممتازة وكيل
الوزارة بجلالة قدره وهى أول مربوطه 216 جنيها وحتة.
العلاوة الاجتماعية علاوة المسكين ساكن الدرجة السادسة 5.1 جنيه، فى السنة
لا تشترى كيلو برتقال وعلاوة الثانى 6 جنيهات وربع الجنيه
لا تشترى سندوتش من مؤمن وهؤلاء هم المسئولون عن الضرائب
والجمارك والصحة والتعليم والبيئة والمطارات والموانيء
والبريد والسكك الحديدية وعدد لا يحصى من المسئوليات
والوظائف التى تدار بها البلاد من زراعة ورى وتعليم... لم
تفلح العلاوات الاجتماعية التى استمرت تمنح للعاملين فى
علاج هذا الوضع الشائن فالحصيلة النهائية تظهر عند الخروج
إلى المعاش فى هذا الذى يحصل عليه موظف الحكومة من ملاليم
لا تقيم الأود ويصبح حال خيل الحكومة أفضل من موظفيها
فالخيل تضرب بالرصاص عند انتهاء خدمتها أما موظف الحكومة
فيعيش ما تبقى له من عمر معذبا بأجر تقاعدى لا يغنى ولا
يسمن من جوع ولا يحقق كرامة.. وويلا له إذا ما قدر قبل
خروجه من الخدمة استبدال جنيه من معاشه يلف كعب داير على
مكاتب الصحة لفحصه وكأنه سيدخل الخدمة من جديد لقاء بضع
الجنيهات لسترة بنت أو زواج ولد، ثم نطالب بعد هذا بتحسين
الإدارة الحكومية.
مشكلة جديدة ظهرت يطالب الناس بعلاجها خصوصا مع كثرة
المحالين للتقاعد من جيل الستينيات وهى رصيد الإجازات
الاعتيادية والتى صدر حكم المحكمة الدستورية بصرفها فيما
جاوز الأربعة شهور ولكن مع هذا تصر الحكومة رأسها وألف سيف
على أن يرفع كل مستحق قضية بمفرده للحصول على حقه وقد يموت
وتسقط الدعوي، يقترح البعض صرف الرصيد النقدى لهذه
الإجازات سنويا فى حدود 25% منها.
وتأتى مشكلة البدلات والمزايا العينية وهى هنا خيار وفاقوس
موظف يقضى ليلة واثنتين فى مأمورية خارج مقر عمله يحمل ما
قد يكون أوراق امتحانات أسئلة - إجابات أموال أميرية مقابل
بدل مبيت لن أذكر رقمه حتى لا تموتوا من الضحك ويصعب على
العاملين فى أغلب مصالح الدولة الحصول على وجبة غذائية
مهما طالت مدة عملهم ولذلك تحولت المكاتب والورش إلى مطاعم
وكافتيريات.
ولكن الشيء المثير للعجب أن بعض الجهات فى الحكومة احتسبت
لموظفيها مدة الخدمة منذ 1967 إلى 1985 مضاعفة حرمت من هذا
جهات أخرى شملها قرار إعلان حالة الطوارئ فى مايو 1967 وقد
أثر هذا على معاشات المحرومين00 هناك مطلب نسائى بإتاحة
الفرصة للمرأة العاملة بالحكومة للخروج على التقاعد عند سن
ال 55 عاما.
جدول ظالم ولكن يبقى الحوار محتدما حول جدول الأجور الظالم..
وأوضاع العاملين بعقود من صغار الموظفين والذين يزيد عددهم
على مليونين فى الجهاز الإدارى بالدولة، والذين يعملون
بوزارة التربية والتعليم مقابل أجر يومى وقد لا يحصلون على
أجورهم إلى نهاية العام وكيفية صرف مكافأة نهاية خدمة
لموظفى الحكومة تتيح لهم العيش بكرامة بعد التقاعد ونظم
التقارير السرية والترقى التى تخلق الإحساس بالعدل الذى لا
نظن أنه سيتيحه ذلك المقترح الجائر بتحويل نظام التعيين
بالحكومة من الديمومة إلى التعاقد كل خمس سنوات وهو ما
سيفتح الباب أمام الرشوة والمحسوبية وسيزيد من حجم الفساد
الذى لا ينقص جهاز الدولة الآن.. والذى قد يكون من أسبابه
المباشرة عدم توفير الظروف التى تتيح للموظف العيش بكرامة
وبناء أسرة صالحة فضلا عن رعبه من مستقبل ينتظره عند خروجه
إلى المعاش فهل سنجد فى مشروع القانون الجديد للعاملين
المدنيين بالدولة حلولا لهذه المشاكل تقلص من حجم هموم
موظف الحكومة.. أم سنجعله يعيش صابرا على الضيم فى انتظار
رصاصة الرحمة مثل خيل الحكومة؟.