ربما يكون البعض قد فوجيء باستقالة د. أسامة الغزالى حرب
من الحزب الوطنى وبالحديث الذى أدلى به لصحيفة المصرى
اليوم والذى تضمن أسباب الاستقالة ونقده للحزب الوطنى
ولجنة السياسات بعد تجربة داخل الحزب استمرت ثلاث سنوات
ونصف السنة، ولكنى على العكس لم أفاجأ بالاستقالة، وإنما
المفاجأة بالنسبة لى كانت دخوله الحزب الوطنى من باب لجنة
السياسات.
فقد عرفت أسامة فى بداية السبعينيات فى جريدة الجمهورية
عندما بدأ وصديقه عبدالقادر شهيب عملهما بالجريدة، وكان
كلاهما ينتمى فكريا وتنظيميا لليسار المصري، ويدخلان السجن
ثمنا لهذا الانتماء، وعندما رشحه د. على الدين هلال للعمل
فى الأهرام مع د. سامى منصور قمت بدور فى تقديمه لسامي،
وتواصلت علاقتنا حتى بعد انضمامه للجنة السياسات للحزب
الوطني، الذى بدا لى غريبا حتى لو كان قد انتقل فكريا من
اليسار إلى الليبرالية السياسية، فالحزب الوطنى ليس حزبا
ليبراليا، وإنما هو حزب الاستبداد المعبر عن اليمين
والرافض للديمقراطية ويبدو أن د. أسامة كان مازال يؤمن
بفكرة الإصلاح والتغيير من الداخل رغم فشلها فى تجارب
عديدة خضناها جميعا عندما انضممنا فى فترات سابقة للاتحاد
القومى ثم الاتحاد الاشتراكى وتنظيم طليعة الاشتراكيين
داخله، فهو يقول فى حديثه للمصرى اليوم: كان أملى أن يسهم
المجلس الأعلى للسياسات فى إحداث تغيير ديمقراطى حقيقى فى
مصر، وفى الحزب الوطنى !.
ويقدم د. أسامة الغزالى حرب فى حديثه الأسباب التى دفعته
للاستقالة:
- فقد اكتشف بالممارسة أن المجلس الأعلى للسياسات مجرد
مكلمة نجتمع فيها كل شهرين أو 3 أشهر للكلام فقط وقد سمعت
هذا المعنى يتردد كثيرا على لسان أصدقاء أحترمهم دخلوا
الحزب الوطنى من باب لجنة السياسات التى يرأسها جمال مبارك
ليكتشفوا بعد قليل أنه فى الواقع العملى لا يوجد تيار
إصلاحى حقيقى داخل الحزب، بل هناك تكامل بصورة أو أخرى بين
الحرس القديم وهذا التيار الإصلاحي.
- وأن الحزب لا يريد أن يستفيد من كفاءات أعضائه مع أن
الحكمة فى أى نظام مؤسسى حزبى هى الاستفادة من طاقات
أعضائه من أجل تحقيق شيء ما ولكن مصر لا تعرف هذا النوع من
العمل لأن أحزابها أحزاب فردية.. ، وإذا كان هذا صحيحا
بالنسبة للحزب الوطني، فمن الخطأ تعميم هذا على كل الأحزاب
أو اعتباره خاصية مصرية فعلى الأقل تجربتنا فى حزب التجمع
نقيض هذه الصورة، فالديمقراطية الداخلية ووجود مؤسسات
منتخبة تتخذ القرار بالتوافق أو التصويت يجعل لكل رأى ولكل
فرد أيا كان موقعه قيمة حقيقية.
- وأن فى مصر فراغا سياسيا موحشا وحالة من الضعف السياسى
التى تفوق ما كنا نتصوره .
ومن الواضح أن هناك حدثين دفعا أسامة لاتخاذ قرار
الاستقالة.
الأول هو طبيعة تعديل المادة 76 من الدستور والتى عارضها
د. أسامة الغزالى حرب علنا فى مجلس الشوري، وفى مواجهة
الحزب الوطنى الذى أراد استمرار اختيار رئيس الجمهورية
بنظام الاستفتاء ولكن فى صورة انتخابات تنافسية تعددية
شكلا.
الثاني، التغييرات الصحفية والتى أدرك د. أسامة كصحفى أنها
استهدفت إيجاد صحافة قومية مستأنسة تعمل لخدمة التوجهات
المحافظة فى النظام المصري.. فالصحافة القومية التى تشكل
80% من قوة العمل الصحفى صارت أداة دعائية للدولة.
ويراهن د. أسامة الغزالى حرب على تكوين حركة سياسية تكون
مقدمة لإنشاء حزب سياسى جديد للمساهمة فى ملء الفراغ ، وهو
بالطبع حزب ليبرالى كما هو واضح من حديثه ولا يمكن لأحد أن
يصادر على هذا الحلم المشروع، ولكن السؤال الذى يجب على د.
أسامة أن يطرحه على نفسه.. هل سيختلف هذا الحزب إن قدر له
القيام والمرور من لجنة شئون الأحزاب السياسية، عن الأحزاب
الليبرالية القائمة فى ظل القيود المفروضة على الأحزاب
والحياة السياسية، وابتعاد الرأى العام عن ممارسة العمل
السياسي، بل ومقاطعته لها؟!.