فى صفحات سابقة من تاريخ مصر أوردنا كيف كان القضاة
شوكة فى حلق الحاكم الظالم، وكيف انتهى الأمر بالقاضى
عزالدين بن عبدالسلام بأن أمر ببيع الحكام المماليك فى سوق
العبيد لمن يرغب فى شرائهم ثم يعتقهم كى يصبحوا أحرارا
قادرين على حكم البلاد.. باعهم وقبض ثمنهم وأنفقه فى أوجه
الخير.
وكيف رفض القضاة السماح للحاكم بأن يفرض ضرائب جديدة على
المصريين بدعوى محاربة التتار إلا بعد أن يأخذ من مماليكه
كل ما نهبوه من أموال المصريين ولا يبقى لأى منهم سوى فرسه
ورمحه وسيفه.
ولكن..
ثمة أنواع أخرى من القضاة..
ويروى لنا عين مصر الساهرة ومؤرخها العظيم محمد بن إياس فى
كتابه بدائع الزهور فى وقائع الدهور روايات شتى أخطأ فيها
القضاة فى حق أنفسهم ففتحوا الباب أمام تسلط الحاكم عليهم،
ونقرأ وقع بحث فى مسألة فقهية بين شيخ الإسلام سراج الدين
عمر البلقينى وبين الشيخ بدرالدين محمد بن الصاحب، فآل
الأمر بينهما فى الجدال إلى أن كفَّر الشيخ سراج الدين
البلقينى بدرالدين بن الصاحب، فطلبه إلى مجلس قاضى القضاة
جمال الدين المالكى وأقام رجلا يدعى عليه بأمور ثبتت فى
حقه، وآل الأمر إلى عقد مجلس بينهما، فحضر القضاة الأربعة
ومشايخ العلم وأعيان الفقهاء، وذكر ما يدعى به عليه، فلم
يثبت عليه شيء بوجه شرعي، فحكم بعض القضاة بعدم كفر ابن
الصاحب وبقائه على دين الإسلام (ج1 - القسم الثانى -
ص324).
ولم يقتصر الأمر على خلافات فقهية مزعومة أو حقيقية وإنما
تعداه إلى بعض القضاة اشتروا الدنيا وتعلقوا بها أو كما
قال ابن إياس عنهم أذلوا أنفسهم فى طلب الدنيا وحب المناصب
ولا حول ولا قوة إلا بالله (ص291).
ويواصل ابن إياس رواياته حضر قاضى القضاة الشافعى برهان
الدين بن جماعة مجلس سماع صحيح البخاري، ثم نزل من القلعة
إلى داره، فلما ركب أخذ شخص يُعرب بابن نهار بعنان بغلته
وقال له قد حكمت على بحكم لا يجوز شرعا، وأخذ ابن نهار فى
الإساءة المفرطة على ابن جماعة، فشق ذلك على ابن جماعة،
فلما نزل إلى داره عزل نفسه من القضاء ولزم داره، فلما بلغ
ذلك الأتابكى برقوق طلب ابن نهار ورسم للوالى بأن يضرب ابن
نهار بالمقارع، ثم يشهره على جمل بالقاهرة، ففعل به ذلك
(ص294).
لكن..
الأتابكى برقوق ما لبث أن بدأ بنفسه فى إهانة القضاة، ووصل
الأمر أن محتسب القاهرة جمال الدين محمود العجمى قال لقاضى
القضاة الحنفى صدر الدين محمد بن منصور عن الأتابكى برقوق
إنه قال بالتركية لمن حوله وبحضوره هو إن هؤلاء القضاة
ليسوا بمسلمين ولما بلغ برقوق ذلك أمر بنفى جمال الدين
العجمي.. لكنه لم ينف الواقعة ذاتها.. المهم.. يواصل ابن
إياس روايته المؤلمة فى حق قضاة ذلك الزمان فيقول فشق ذلك
على قاضى القضاة صدر الدين بن منصور الحنفي، فركب وتوجه
إلى بيت قاضى القضاة برهان الدين بن جماعة، واستشاره فى
عزل نفسه عن القضاء وقال له: أنا قطعت عمرى فى الاشتغال
بالعلم فى دمشق ثم فى آخر عمرى أنفى عن الإسلام؟ وحدثه بما
نقله له محمود العجمى المحتسب عن الأتابكى برقوق، فلما سمع
ابن جماعة ذلك تغير خاطره على الأتابكى برقوق وقام على
الفور وطلع إلى برقوق وأخبره بما نقله عنه محمود العجمى
فغضب برقوق على العجمى وعزله من الحسبة وأمر بنفيه إلى
القدس .
ونلاحظ هنا أن برقوق لم ينف واقعة هجومه على القضاة
واتهامهم بأنهم ليسوا مسلمين وإنما غضب لأن أحد رجاله نقل
عنه ما سمعه منه فى مجلسه:
ونواصل مع ابن إياس ونستمع منه ما هو أكثر إيلاما إذ يقول
وكان الأتابكى برقوق فى هذه الأيام صار يقع فى حق القضاة
والفقهاء بما لا يليق، بعدما كان القضاة والفقهاء عند
الأمراء والأكابر يبجلونهم ويعظمونهم للغاية، وقد انحط قدر
القضاة والعلماء فى آخر دولة الظاهر برقوق، وفى دولة ابنه
الناصر فرج وما بعد ذلك، حتى كانوا ينزلون عند أرباب
الدولة منزلة السوء، وحتى صار أقل الناس من الأراذل
يخاطبونهم بكل قبيح، فقد ذلوا أنفسهم فى طلب الدنيا وحب
المناصب فلا حول ولا قوة إلا بالله (ص291).
.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.