يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1270 (15 - 22) مارس 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

هناء عبدالفتاح

 
 

ومسرح دنشواي

 
 

عيد عبدالحليم

 

  فى بداية الستينيات من القرن العشرين قامت مؤسسة المسرح التابعة لوزارة الثقافة المصرية بإنشاء عدد من الفرق المسرحية بالمحافظات المختلفة فى محاولة لتفتيت المركزية الثقافية التى جعلت كل الأنشطة تتركز فى القاهرة - فقط - مما أوجد فجوة معرفية بين الخطاب الثقافى وبين القاعدة الشعبية فى القرى والنجوع.
هنا يجدر بنا أن نشير إلى مقال للكاتب الراحل سعدالدين وهبة نشر فى جريدة الجمهورية بتاريخ 2 ديسمبر 1963، يؤكد فيه أنه من حق الشعب فى المحافظات أن يشارك فى النهضة الفنية، وأن يتفاعل معها وأن ينفعل بها، فسكان عواصم المحافظات وسكان بعض المراكز ليسوا منعزلين تماما عن الحركة الفنية، فبعضهم قد تساعده ظروفه على لقاء الفن فى القاهرة أو الإسكندرية، وبعضهم يتلقى الفن عبر الأثير عن طريق التليفزيون أو الراديو، ولكن النظرة الأعم - على حد تعبير وهبة - لابد أن تكون للملايين الذين لا يعيشون فى العواصم الكبرى ولا فى العواصم الصغري، هؤلاء الذين حرموا من كل شيء حان الأوان لنرد لهم بعض ما فقدوه، إننا نريد من فرق المحافظات أن تكون للقرى والنجوع والكفور .
وقد لفت هذا التوجه نحو المسرح الشعبى مجموعة من الفنانين والمخرجين من خريجى معهد الفنون المسرحية أمثال عادل العليمى الذى أنشأ فرقة مسرحية فى قرية البراجيل واعتمد فيها على إطار فنى يقوم على توظيف آليات مسرح المناقشة ، وإن جاء ذلك فى بداية السبعينيات، إلا أن هناك تجربة رائدة لابد من التوقف عندها، أخذت من الدعوة التى ظهرت فى منتصف الستينيات بضرورة وجود مسرح مصرى يعتمد على خامات مسرحية مصرية خالصة على مستوى الرؤية والأداء، وهى تجربة المخرج محمد هناء عبدالفتاح فى قرية دنشواى بمحافظة المنوفية فى عام 1968، والتى جاءت كمغامرة - من هذا المخرج الشاب وقتها - والذى كان من الممكن أن يركن إلى العمل الأكاديمى الذى تخرج منه عام 1966 بتقدير امتياز وكان الأول على دفعته التى كان من بينها الفنانة سهير المرشدى ود. هانى مطاوع والمخرجة رباب حسين، لكنه رفض العمل الأكاديمى - فى البداية - واتجه إلى تنشيط المسرح الإقليمى باقتراح من الأستاذ سعد كامل الأب الروحى للثقافة فى الأقاليم، والذى عينه أخصائيا للمسرح فى الثقافة الجماهيرية.
ومع تولى الفنان حمدى غيث إدارة المسرح وكان الكاتب الراحل ألفريد فرج مستشارا لها، طلب منه تكوين فرقة مسرحية فى دنشواى كنواة لما يمكن أن يسمى ب مسرح القرية بالإضافة إلى تكوين مركز ثقافى بها.
ولأن الظروف لم تكن تتيح فرصا للتجريب - فى هذه القرية الفقيرة ذات البعد التاريخى والوطنى العميق - فليس هناك خشبة مسرح، وليس هناك فرقة للتمثيل، ولا يوجد سوى عدد قليل من الطلاب الجامعيين الذين لا يملكون مهارات فنية تساعدهم على القيام بنهضة ثقافية فى القرية.
فماذا يقدم هذا الفتى القاهرى الذى ترك أضواء المسرح القومى كمخرج بدأت تعرض له أعمال وبدأ ينال قسطا من الشهرة ماذا يقدم لأهل القرية البسطاء، وهو لا يملك فى جعبته إلا مهارات الفن، والاعتمادات المرصودة للمشروع لا تكفى لإنشاء مسرح بسيط أو استقدام ممثلين من القاهرة - حتى ولو هواة؟!!.

خبرات فنية
وهنا تساءل هناء عبدالفتاح، ترى ماذا يفعل أهل القرية لو قدمت لهم أعمال يونسكو أو بريخت أو إدوارد إلبى أو أربال أو كوكتو؟، إن الضرورة تحتم عليه أن يتعامل مع الوضع القائم بجفافه المادى وفقره الفني، وتحتم أيضا أن يبدأ مشروعه من المكان، لذا جاءت الرؤية الإخراجية - التى حاولها - وليدة العملية الإبداعية للعمل المسرحي، فجاء اختياره لمسرحية ملك القطن ليوسف إدريس، والتى تدور فى واقع ريفى محتشد بالصراعات، وكان اختياره هذا نتيجة لخبرته السابقة فى تقديم هذا العرض، والذى قدمه على خشبة المسرح القومى ببطولة للفنانين شفيق نورالدين وفردوس محمد وعبدالرحمن أبوزهرة.
ولكن العرض الذى قدمه كان يقوم على فكرة التشخيص، لذا أراد أن يقدم رؤية مغايرة تتوافق مع طبيعة المكان فى دنشواى فظل يبحث عن شخوص المسرحية فى إطارها الحياتي، فبدأ يبحث عن السنباطى أفندى وعن أم محمد وعن قمحاوى الفلاح البسيط، بمعنى آخر يبحث عن الشخصية لا عن الدور التمثيلى ، وبالفعل اكتشف - بطريق الصدفة - من خلال احتكاكه المباشر واليومى مع أبناء القرية فلاحين لا يجيدون القراءة ولا الكتابة، مما جعله يدخل تعديلات على النص المسرحى المكتوب، وبدأ يدرب الفلاحين على طريقة الحركة والكلام، لدرجة أنه - أثناء العرض - اندمجت بعض الشخصيات فى الدور الذى تقدمه وكأنها تؤديه بالفعل فى الحياة، حدث هذا مع أم محمد بائعة الفول السودانى - ذات الصوت الأوبرالى - التى بدأت تقيم علاقة فنية مع الجمهور فيما يمكن أن نسميه الإيهام بالواقع ، حيث وصلت درجة انفعالها فى مشهد ضربها لابنها والذى تحول إلى ضرب حقيقي، كنوع من الارتجال المنظم.

لغة المواجهة
ومن ينظر إلى عثمان خبيرى الفلاح المقهور وهو يجلس القرفصاء، ويعلن احتجاجه على رمز الاستغلال فى القرية ومن يتاجرون بقوت الغلابة يرى صورة حقيقية للفلاح المصرى الثائر على الظلم والاستبداد والباحث عن الحرية.
كذلك يأتى صوت صابحة عبدالسميع وهى تغنى للأطفال الذين يجمعون القطن من الحقول فى مشهد يتفوق على مشاهد الريف المصرى فى السينما المصرية على امتداد تاريخها، لما فيه من صدق فني، وبلاغة اللحظة إن صح التعبير.
وليس بمستغرب أن يأتى هذا الأداء المتفرد من أهل دنشواى ، فأحفاد زهران أثبتوا أن لغة الفن تكمن فى عمق عمق الروح، وأنهم كما ضرب أجدادهم مثالا صادقا فى الكفاح الوطنى والدفاع عن الشرف، فقد ضربوا هم - أيضا - مثالا فى المثابرة وإثبات الذات.
وليس أدل على ذلك من أن هذا العرض حضره يوسف إدريس ود. ثروت عكاشة - وزير الثقافة فى ذلك الوقت - والذى شجعته التجربة التى عرضت فى مسرح مكشوف فى أحد أجران القرية على افتتاح مسرح الماى وهى قرية مجاورة لدنشواي، وهو أول مسرح جرن كمعمار مكشوف فى مصر.

الإبداع الجماعي
وقد قدم المخرج د. هناء عبدالفتاح على خشبته - بعد ذلك - عرض ارتجالية عن دنشواى وهى عبارة عن تأليف جماعى قام فيه مخرج العرض بدور الدراماتورج ، ويتناول حادثة دنشواى 1906، وأبطالها، وتم تقديمه عام 1970، وقد شاركته فى إعداد هذه المسرحية الكاتبة المسرحية د. نادية البنهاوي.
وكان لهذه التجربة الثرية أثر واضح - بعد ذلك - فى المنهج الذى اتخذه د. هناء عبدالفتاح فى المسرح حيث بدأ فى تكوين ورشة مسرحية يكتشف من خلالها المشاركون لغتهم وحوارهم، ثم اتجه فى بداية السبعينيات إلى المحاولات الفردية فقدم مع فرقة القليوبية لأول مرة سعدالله ونوس فى مصر عام 1971 من خلال مسرحية الفيل يا ملك الزمان الذى يناقش ثنائية السلطة كقوة قاهرة والشعب المستنزف من جراء أفعال هذه السلطة، وقد تم دمج نص ونوس مع رواية رحلة قطار لتوفيق الحكيم عبر جدلية درامية.
وقد لاقى العرض ترحيبا نقديا من قبل النقاد محمود أمين العالم وأحمد عبدالمعطى حجازى وفريدة النقاش وفاروق عبدالقادر وأحمد عبدالحميد.
وفى فترة عمله بمحافظة البحر الأحمر كمدير لقصر ثقافة الغردقة ظل هاجس التجريب المسرحى يراود هناء عبدالفتاح حيث أكد لى فى لقاء خاص أنه اكتشف أن هناك الآلاف من عمال التراحيل يعملون فى المناجم يموتون بالسل ضائعين، فبدأ يقدم حياتهم كدراما فى إطار مسرح شعبى كان أبطاله من هؤلاء العمال البسطاء.

شهادة فنية
عن تجربته يقول هناء عبدالفتاح فى مقال له تحت عنوان وداعا أيها المسرح نشر فى مجلة فصول فى ربيع 1995:
كانت أهم تجربة لى على الإطلاق تجربة فرقة فلاحى قرية دنشواى ، وأهميتها تأتى من أنها أثرت إمكان صياغة العرض المسرحى المفتوح الجرن - افتراش الأرض - الغيط - فناء سجن داخل قرى مصر ومدنها، واكتشفت آنذاك الإمكانات الهائلة لمسرح يقترب من الظاهرة المسرحية الحديثة التى تضع المسرح فى معيار جديد، ومفهوم تتجدد دماؤه، فيتواصل مع الحاضر، ولا يصبح رهين الأصفاد والأغلال التى تقيد حدود الإبداع وحرية المبدع .
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة