غيب الموت الفنان الكبير حمدى غيث عن عمر يناهز 82
عاما، بعد صراع طويل من المرض، قضى الفقيد أكثر من ثلثى
عمره فى العمل الفنى من طالب بالمعهد العالى للفنون
المسرحية الذى تخرج فيه، وكان أول دفعته، وحتى اشتغاله
بمهنة التدريس ثم مخرج بمسرح التليفزيون والمسرح القومي،
ونائب لفرق التليفزيون، ومشرف على المسرح العالمي، ثم على
المسرح الحديث، ومدير للمسرح القومى ثلاث مرات متتالية
ومدير للإدارات الثقافية ووكيل وزارة للشئون الثقافية0
رحلة طويلة ومثمرة من الاحتكاك والممارسة فى جميع المناحى
الثقافية والإدارية، جعلته على دراية تامة بكل ما يحدث
حوله، لذا كانت رؤاه الثاقبة وبعيدة المدى موضع ثقة، لما
تميز به من خبرة طويلة0
فى فيلم الناصر صلاح الدين للمخرج يوسف شاهين، تجمع كوكبة
من الممثلين العظام، لم تتكرر فى عمل آخر، ودعونا نستعرضهم
أولا، زكى طليمات، محمود المليجي، نادية لطفي، ليلى فوزي،
حسين رياض، صلاح ذوالفقار، عمر الحريري، توفيق الدقن، ليلى
طاهر، أحمد مظهر، صلاح نظمي، أحمد حمدي، أحمد لوكسر، ومعهم
حمدى غيث، الذى أدى دور ريتشارد قلب الأسد ملك انجلترا،
ومع الاحترام الشديد لكل هؤلاء العباقرة، يظل ريتشارد هو
الحالة الصاخبة المتلألئة فى هذا الحشد الكبير، رغم أن
الفيلم يحكى عن بطل عظيم هو صلاح الدين الأيوبي، لكن قدرات
غيث التمثيلية الرهيبة والمزعجة جعلت المشاهدين ينصتون لكل
حركاته وايماءاته، وجاءت النتيجة بالنهاية لصالح غيث -
ريتشارد فى سحب الأضواء من مظهر - صلاح الدين سينمائيا
فقط، وظلت الشخصية عالقة بالأذهان حتى وقتنا الحاضر، فقد
استخدم غيث بكفاءة عالية وفهم لأبعاد الشخصية طبقات صوته
وتنويعاته فى التعبير عن ردود أفعال الشخصية، عندما يغضب
أو يهدأ أو يعبر بعينيه فى نظرات مقتضبة عن عدم رضائه00
فلم يعد يتبقى من الفيلم سوى هذا الدور العبقرى لحمدى غيث
الذى صال وجال فيه0
ملامح وأدوار تميز الراحل حمدى غيث بأنه من القلائل الذين كانوا
يفرضون أنفسهم على الأدوار التى يؤدونها، فملامحه الناشقة
الصارمة جعلته يؤدى باقتدار أدوارا بعينها تحتاج لممثل ذات
قدرات خاصة، فمنذ طلته الأولى فى صراع فى الوادى الذى
أخرجه يوسف شاهين، كان سليم أو غيث ذلك الفتى الجنوبى
الغاضب من قتل ابيه ظلما، يتأنى فى إصدار الحكم على من
تشير إليه التهمة، شيئ ما جعله يتمهل رغم ثورة القرية
المطالبة بالثأر والقصاص، وكان يصدر عبر اشاراته المعبرة
ما يفيد ذلك الإحساس دون كلام، حتى وهو فى شدة غضبه
العارم، كان يشعر المتفرج بأنه لن يصدر الحكم بالثأر، ربما
لأنه كان يعلم من الجانى الحقيقي0
برحيل شيخ هواره الكفيف فى ذئاب الجبل وكبير العائلة لم
يدفن السر فى الثري، واكتشفت الحقيقة مع مرور الأيام، ربما
عجز هو عن إيجاد مبررات منطقية لعشيرته؛ تفسر هروب وردة
واختفاء البدرى ، غابت حكمته عن القرية الظالمة، وظل الناس
يتداولون الوهم الذى راق لطموحاتهم وأطماعهم، وكان جزاؤهم
الأكبر ألا يعلمون0
فى مسلسل خالتى صفية والدير يعانى الشيخ إبراهيم من وحدة
صفية بعد قتل زوجها القنصل ويحاول جاهدا اثناءها عن فكرة
الانتقام من حربى العاشق والخصم فى الوقت ذاته، أما فى
الحكم آخر الجلسة تنتصر العصبية وسطوة الأب ورغبته فى
إنجاب أحفاد يحملون اسمه لإرغام ابنه على طلاق زوجته التى
تخلصت من جنينها المحكوم عليه بالتعاسة، ليتزوج بأخرى تحقق
له أمنيته مهما كان الثمن0 وفى حارة برجوان لم يكف صاحب
المصبغة عن حلم الأبوة ويتزوج من أخري، لكن القدر لا
يعاند، فيقيم علاقة ظللها الشيطان وتثمر عن طفل كان
يتمناه، لكن أمه ترفض نسبه له0
وفى المال والبنون ذلك الدور الذى لم يمهل القدر أخوه
عبدالله من تكملته، يمسك عباس الضو بخيوط الصبر الضعيفة فى
مقاومة إغراء المال الذى قدمه له سلامة فراويله ويتشبث
بالإيمان حتى يتجنب المال الحرام، مؤمنا بالستر حتى لا
يطعم أولاده من مال ليس له فيه شيئ00 ورغم إلحاح الحاجة
إلا أنه يظل عند موقفه يعانى شظف العيش حتى يصل بأولاده
إلى بر الأمان0
أدوار كثيرة ومتنوعة أداها الراحل حمدى غيث، لكنها تميزت
سواء كانت تليفزيونية أو سينمائية أو بالمسرح بجديتها
وتفردها وتميزها، وكان يمثل إضافة جديدة لأى دور يقوم به،
ولم يجنح إلى الأداء المفتعل والمبالغ فيه، لأنه كأستاذ
أدرى بأمور مهنته وتفاصيلها وكواليسها0 ويعرف جيدا أصول
وقواعد مهنة التمثيل الذى كان يدرسها لتلامذته طيلة سنوات
طويلة، إنه واحد من رواد المسرح المصري، وأحد مؤسسيه ،
والذى تتلمذ على يديه أجيال كثيرة من الفنانين الذين ملأوا
الأعمال الفنية بإبداعاتهم، ومعلم كبير ظلت بصماته واضحة،
فهو من أوائل من أسسوا قواعد أكاديمية لم يسمح لأحد
باختراقها أو تجاوزها، إن ما قدمه للمسرح المصرى يصعب رصده
وتحديده فقد كان عطاؤه سخيا0
أعمال مسرحية من أعماله المسرحية : كسبنا البريمو، طبيب رغم أنفه،
دنشواى الحمراء، ليلة بنت هلال، انتيجون، فيدرا، هاملت،
ماكبث، عطيل، مأساة جميلة، كفاح الشعب، سقوط فرعون، تحت
الرماد، ثورة الموتي، مقالب سكايان، الشوارع الخلفية، شيء
فى صدرى ، بلدى يا بلدي، يا سلام سلم، الجنس الثالث، زهرة
النرجس، كليوباترا، حبيبتى شامينة، الشيطان فى بيتنا،،
زوربا المصري، الزير سالم، نفوسة، المومس الفاضلة، تحت
الرماد0 كما قدم ثلاثين فيلما منها : الدخيل، فجر يوم
جديد، صراع فى الوادي، آثار على الرمال، أرض الخوف، حياة
خطرة، الحكم آخر الجلسة، حارة برجوان، التوت والنبوت، بنات
الليل، اغتيال مدرسة، اسماعيلية رايح جاي0 ولديه رصيد كبير
من الأعمال الإذاعية والتليفزيونية0
مثلما يؤرخ الفن للمجتمع، فأن الأعمال الفنية تؤرخ للفنان
أيضا، وتظل أعماله على اختلافها شهادة منه على عصره وعلى
تنوعه وإجادته وتفوقه0
فى الوقت الذى نشكو فيه من قلة الإبداع والمبدعين، يغيب
الموت كل يوم واحدا من هؤلاء العمالقة الذين آثروا حياتنا
الفنية، وكان الأمل معقودا عليهم أن يضطلعوا بأدوارهم
لتشهد البلد نهضة ثقافية، وتأخذ مكانا تستحقه بين الأمم،
والحقيقة أن اداءهم الفنى والأكاديمى كان على أرقى مستوي،
واستطاع حمدى غيث أن يرعى جيلا كاملا من الفنانين
والموهوبين هم الآن فى الطليعة0 رحم الله حمدى غيث وعوضنا
عنه خيرا0