للعام الثالث على التوالى لا يقوم الرئيس محمد حسنى
مبارك بزيارة الولايات المتحدة وذلك فيما يقوم بزيارة إلى
عدة دول أوروبية.
ما لم يجد جديد يعيد الزيارة السنوية التقليدية للرئيس
مبارك والتى كانت تتم فى مارس وظلت تقليدا ثابتا لمراجعة
العلاقات المصرية الأمريكية والأوضاع العربية والإقليمية.
وبدلا من تلك الزيارة التقليدية تم فكها بعدة لقاءات فقامت
وزيرة الخارجية كونداليز رايس بزيارة القاهرة منذ أسبوعين،
تبعها وزير التجارة كارلوس بوتييرز الأسبوع الماضي.
أما من جانبنا فقد قام وزير الدفاع المشير محمد حسين
طنطاوى على رأس وفد عسكرى بزيارة واشنطن والالتقاء مع وزير
الدفاع دونالد رامسفيلد ولجنة الشئون الدفاعية فى الكونجرس
فى زيارة تركزت بالطبع على الملف العسكرى حيث لا تزال
المساعدات العسكرية لمصر عند نفس المستوى لم تشهد التخفيض
الذى لحق بالمعونات الاقتصادية حيث تصل إلى 815 مليون
دولار أسلحة ودورات تدريبية وطبقا لتقرير من واشنطن
للصحفية لميس الحديدى نشرته صحيفة العالم اليوم فإن السفير
المصرى فى الولايات المتحدة نبيل فهمى كشف عن وجود نقاش
مصرى أمريكى حول مستقبل المساعدات الأمريكية حيث تطالب مصر
بإعادة النظر فى برنامج المساعدات لتوظيفه بشكل أفضل يخدم
الأولويات المصرية.
وأشار فهمى فى تصريحاته إلى وجود بعض الآراء داخل الكونجرس
تطالب بخفض المساعدات العسكرية، إلا أن تلك الأصوات لم تجد
طريقها للنجاح حتى الآن.
حرب أهلية فى العراق وإذا كانت المساعدات العسكرية قائمة فإن الخلافات
العسكرية قائمة أيضا خاصة فيما يتعلق بتقييم مصر للأوضاع
فى العراق ولم تخف القاهرة عدم رضاها عن التطورات الأمنية
هناك وفشل القوات الأمريكية والقوات المشاركة معها فى
إعادة الاستقرار للعراق الذى أصبح مهددا بالدخول فى
سيناريو الحرب الأهلية.
إضافة إلى ذلك؛ حذر الرئيس مبارك من الآثار المدمرة التى
سوف تنجم عن عملية حربية أمريكية جديدة ضد إيران ومؤكدا أن
تلك العملية سوف تؤدى إلى انفجار مواجهات مسلحة أشد فى
المنطقة تزيد من العمليات الإرهابية وتدمر اقتصاديات
المنطقة بالكامل.
دارفور وظهر ملف الخلاف الجديد حول تقييم الأوضاع فى دارفور
فى ظل اتجاه الإدارة الأمريكية لدعم تدخل دولى هناك،
ومحاولة استباق القمة العربية القادمة بعمل عسكرى يؤدى إلى
تعقيد الأوضاع وإنهاء إمكانية أى دور عربى أو إفريقى فاعل
فى ظل تواصل الجهود التى تبذل لاحتواء الموقف دون العمل
على تفجيره حيث تسعى قوى داخلية فى دارفور وفى السودان
والدول الإفريقية المجاورة إلى اجتذاب التدخل الدولى
وإفشال الجهود العربية والإفريقية.
الهدف مصر الخلافات الواضحة فى الملفات الاستراتيجية ذات الطبيعة
العسكرية ترافقت أيضا مع خلافات شملت الملفات الاقتصادية
وخرجت تلك الخلافات إلى العلن أثناء زيارة وزير التجارة
كارلوس بوتييرز للقاهرة وأعلن بشكل واضح أنه لا يستطيع
تحديد موعد لعودة مفاوضات إقامة منطقة تجارة حرة بين مصر
والولايات المتحدة لأن ذلك يتوقف على الوقت الذى تستغرقه
فى إجراء الإصلاحات السياسية والاقتصادية المطلوبة.
وبدون مواربة انهال وزير التجارة على السياسة الاقتصادية
المصرية بالانتقاد فقال: إن الروتين الحكومى المصرى لايزال
عائقا حيث توجد العديد من اللوائح المعوقة والتأخير فى
إجراءات الجمارك والتكاليف المرتفعة للدخول فى السوق،
ونظام قضائى تجارى بطئ الاستجابة، وهو كلام قد يبدو صحيحا
من ناحية الشكل، ولكن من ناحية الواقع فإنه يتجاهل الخطوات
الإصلاحية الكبيرة التى اتخذتها مصر فى هذا الشأن وهو ما
حاول وزير التجارة المصرى د. رشيد محمد رشيد الإشارة إليه
تعليقا على كلام نظيره الأمريكي.
لا شيء غير الكويز والواضح أن الاتفاق الوحيد الذى تم على الصعيد
الاقتصادى هو دعم اتفاق الكويز الذى يجعل من إسرائيل شريكا
تجاريا لمصر والولايات المتحدة بنسبة 3،11%، وقد أتاح هذا
الاتفاق زيادة الصادرات النسيجية المصرية للولايات المتحدة
بعد إلغاء نظام الحصص العام الماضى والذى كان يمكن مصر من
تصدير حصة سنويا من المنسوجات، أما اتفاق التجارة الحرة
الذى حظيت به دول مثل الأردن والمغرب والبحرين فقد أصبح
بعيد المنال فى الوقت الحالى خاصة أن مصر لا تستجيب
للطلبات الأمريكية على معظم الأصعدة.
طرق الأبواب النتائج الاقتصادية لبعثة طرق الأبواب فى واشنطن والتى
شملت ولايات أخرى للالتقاء مع وزراء ورجال أعمال ونواب فى
الكونجرس لم تكن هى الأخرى مرضية، ففيما حرص أعضاء البعثة
برئاسة رئيس الغرفة التجارية الأمريكية طاهر حلمى على
الحديث عن أهمية زيادة فرص الاستثمار الأمريكى فى مصر،
والترويج للإمكانيات والتطورات الجديدة، فإنهم سمعوا
انتقادات سياسية للأوضاع فى مصر، من عينة بطء عملية
الإصلاح السياسي، وحبس المعارضين مثل أيمن نور، واستمرار
اضطهاد الأقباط، وعدم التعاون مع السياسة الأمريكية تجاه
الوضع فى العراق وفلسطين ودارفور وغيرها.
وأدى هذا الطرح إلى دخول بعثة طرق الأبواب فى مواجهات
سياسية، فانتقدوا بدورهم السياسة الأمريكية ذات المعايير
المزدوجة غير العادلة، وإلى فشل تلك السياسة فى دعم
الديمقراطية فى المنطقة فلم تؤد إلا إلى إدخال العراق فى
نفق مظلم وتفجير حرب أهلية طائفية، وإلى فوز الإخوان
المسلمين فى فلسطين بالأغلبية البرلمانية وتشكيل حماس
للحكومة وإضعاف التيار السياسى المعتدل لحركة فتح والرئيس
محمود عباس، إضافة إلى دعم فوز الإخوان ب 88 مقعدا فى
الانتخابات المصرية.
الهدف مصر وهكذا عاد الوفد دون أن يحصل على اتفاق التجارة الحرة،
فيما يتوجه د. محمود محيى الدين غدا إلى واشنطن للترويج
للاستثمار فى مصر تحت شعار الهدف مصر وسط أجواء غير مواتية
ويدعو للتساؤل لماذا يزور محمود محيى الدين الولايات
المتحدة فى تلك الظروف غير المواتية، وفى ظل إصرار الإدارة
الأمريكية على تسييس العلاقات الاقتصادية وحيث يسود
الولايات المتحدة مناخ غير ودى على أقل تقدير ويترافق ذلك
عمليا مع استمرار تخفيض المعونات الاقتصادية لمصر بنسبة 5%
سنويا منذ عام 1998 وستصل تلك المعونات إلى 415 مليون
دولار سنويا فى 2008، فيما تظل المساعدات الأمريكية
لإسرائيل عند نفس مستوياتها، علاوة على أنها مساعدات نقدية
كاش تعطى لإسرائيل ميزة الشراء من الأسواق الأمريكية
احتياجاتها العسكرية والاقتصادية مباشرة.
أما محاولة تصوير الموقف على أساس أن هناك خلافات فى وجهات
النظر فى إطار علاقة استراتيجية بين الولايات المتحدة ومصر
فلا يشكل ذلك إجابة مقنعة وشافية، خاصة أن الرئيس مبارك
يقوم هذه الأيام بزيارة ناجحة إلى إيطاليا والنمسا
وألمانيا، فيما اختفت من جدوله الظاهر أى مواعيد للزيارة
التقليدية للعاصمة الأمريكية للعام الثالث على التوالي،
وحتى الزيارة التى قام بها العام الماضى رئيس الوزراء د.
أحمد نظيف للولايات المتحدة لم تتكرر هذا العام خاصة أنها
أثارت الكثير من الانتقادات بأكثر مما نجحت فى تحقيق
إيجابيات، وربما يأتى تخفيض مستوى الزيارات دليلا على مدى
انخفاض مستوى العلاقات المصرية الأمريكية وعلى أنها تعيش
فى أزمة حقيقية على جميع المستويات.