لا يمكن ولا يجب ولا يستقيم ألا تتم الإفادة من أغلي
ثروات الوطن المتمثلة في العقول والبشر والإنسان المصري
الذي أثبت علي مر التاريخ مكانته الرفيعة وأهليته الحضارية
من خلال معادلة مصرية قديمة قدم الدهر استطاع من خلالها أن
يستمر في العطاء منذ فجر الضمير الإنساني، عندما يتوافر له
مناخ الاستقرار الاجتماعي النسبي من خلال مشروع حضاري
يتجمع حوله أعضاء المجتمع ويعملون علي تحقيقه في منظومة
غير معلنة وقد لا يتواعدون علي أدائها في تخطيط أو تكتيك
محدد المعالم لكنهم يسعون للبحث عن قيادة.. يتوسمون فيها
الصفات المطلوبة للمرحلة النضالية التي يعيشونها.
ولا يدعي الباحث أن هذه القمة التي يستند إليها في هذه
الدراسة هي القول الفصل بل إنه يقدم بكل التواضع نتاج
خبراته الميدانية وبعض قراءاته لدراسات وبحوث لقادة
ثقافيين أو مؤرخين نابهين.. والأمر متروك للقاريء لكي ينقد
هذا الفكر ويعدله ويطوره ويضيف إليه ويقبله أو يرفضه علي
اعتبار أن الوطنية لا ُتحتكر والفكر الإنساني ملك للجميع
وعلينا أن ننهل منه ونناقشه في ضوء الحوار البناء الذي هو
أفضل من الحوار التصادمي.. والترحيب بالرأي الآخر الذي قد
يختلف معنا وقد يتفق.. وقد يكون الرأي المخالف أكثر فائدة
من الرأي المؤيد.. لكن الواجب أن نتعامل جميعاً بحس إنساني
راق.
وفي ضوء الخبرات الإنسانية والتاريخية نجد أن الإنسان يعيش
في مجتمع.. ولا يمكن أن يحيا بمفرده لذلك عليه أن يشارك
الآخرين في كل الأنشطة الإنسانية وعليه أن يعطي ويأخذ..
وقد يعطي أكثر مما يأخذ.. وقد يأخذ أكثر مما يعطي.. لكن
عليه أن يشارك في ضوء مصالحه الذاتية ويوائم بينها وبين
مصالح الجماعة التي يعيش معها.. ثم المؤسسة التي يعمل بها
ثم المجتمع الذي ينتمي إليه في ضوء نظرية تؤكد أن المصالح
تصنع النوايا والنوايا تحدد المواقف والمواقف تحدد أنماط
السلوك الإنساني، ومن المؤكد أن كلا منا يعتمد علي الخبرات
التي اكتسبها من خلال المؤسسات التي نشأ فيها بدءا من
الأسرة والجيرة التي عاش في رحابها والمؤسسة التعليمية
ودور القيادة وأجهزة الإعلام والثقافة والأصدقاء والجماعة
المرجعية ومؤسسات الترويح وأوقات الفراغ.. فضلا عن
الثقافات الوافدة من خلال وسائل الاتصال الحديثة والإنترنت
والكمبيوتر.. وغيرها.. تلك الوسائل التي تضاعف من خلال
المعارف الإنسانية كل عام وكل شهر وكل أسبوع وكل يوم وكل
ساعة وكل دقيقة وكل ثانية.. بل وكل «فمتوثانية» ويعرض
الكاتب هنا لدراسة حالة حول أخلاقيات المشاركة التي
سجلها.. راجيا أن تتم مناقشتها والإفادة من إيجابياتها ما
أمكن.. والعمل علي تلافي سلبياتها.. والدعوة إلي نشر ثقافة
المشاركة بالإيجابية البناءة التي هي السبيل للتقدم ونبذ
الثقافة الفردية التي تبحث عن الأخذ دون العطاء والتي تؤجل
التقدم وتعوقه وتعطله.
المشاركة في المجال الأسري
يحتاج الآباء والأمهات إلي التدريب علي أداء وظيفتي الأب
والأم.. حيث إن الأطفال يعطون قبل أن يأخذوا.. فهم الذين
يسعدون الزوج والزوجة ويعطون الزوج لقب الأب ويعطون الزوجة
لقب الأم في أول يوم يشرفون به دنيا الأسرة الجديدة لكن
المطلوب أن يرعي الآباء والأمهات الأبناء رعاية صحية
وعاطفية وتربوية.. ويغرسون فيهم القيم الحميدة والمثل
العليا الطيبة من خلال الحب والاحترام دون تفرقة بين الابن
والابنة وأن يبتكروا أنشطة يقوم فيها كل عضو في الأسرة
بدور في المشاركة في مهام أسرية يشعر فيها بذاته ويؤكد أنه
عضو مهم في الأسرة من الطفولة المبكرة.
..وفي المجال الدراسي
من الوسائل التربوية المهمة أن يشارك التلاميذ والطلاب في
التعليم العام والجامعي في عملية التعليم داخل الفصل
وخارجه.. ومن طرق التعليم الرائدة أن يكلف المعلم التلاميذ
أو أستاذ الجامعة الطلاب بمهام يعرضون فيها موضوعات
تعليمية داخل الفصل ومن خلال الأنشطة المدرسية والجامعية
فالعملية التعليمية تتمثل في الدروس داخل الفصل وقاعة
المحاضرات والأنشطة الداخلية في المدرسة والجامعة والأنشطة
الخارجية خارج المؤسسة التعليمية من خلال ورش العمل..
والرحلات.. والزيارات والمتاحف والمكتبات والمسارح
والمسابقات والألعاب الرياضية والترويح والنشاط الكشفي
والجوالة والمعسكرات التي يتعلم ويتدرب فيها المشاركون علي
مهارات عديدة بأساليب مشوقة في زمن وجيز.. وبذلك فإن
المعسكرات مؤسسات تختصر الزمن.. فضلا عن التعاون الوثيق مع
مؤسسات المجتمع المدني وقطاع الأعمال للإعداد لسوق العمل
في الداخل والخارج، أما من خلال الاتحادات الطلابية والحكم
الذاتي للطلاب فمن الواجب تشجيعها.. وإعطاء التلاميذ
والطلاب الفرصة كاملة في اختيار ممثليهم في اللجان
الطلابية التي تكسب التلاميذ والطلاب مهارات قيادية مهمة
تساعدهم في الحاضر والمستقبل.
..وفي مؤسسات الترويح وأوقات الفراغ
في ضوء الميزانية الزمنية التي نملكها جميعا وهي 24 ساعة
يوميا وزعت بالتساوي علي الجميع، لا يمكن أن تدخر أو
تقترض.. ولابد من الإفادة منها قبل فوات الأوان وإن جاز
لنا أن نقسمها إجرائيا إلي ثلاثة أقسام (8 ساعات نوم)
وراحة ضرورية، (8 ساعات عمل منتج)، ثم (8 ساعات للأنشطة
الضرورية للحياة والبرامج الاجتماعية).. التي يلعب فيها كل
فرد أدوارا متعددة كإنسان وكعضو في أسرة وعضو في جماعة
الأصدقاء وعضو في مؤسسات عديدة بصفة مؤقتة أو بصفة دائمة..
لذلك فإن المشاركة الإيجابية في هذه المؤسسات كعضو ومسئول
وقائد.. ضرورية لكي يكتسب فيها كل إنسان مهارات يكتشف فيها
نفسه.. ويتأكد فيها من أنه إنسان مطلوب ومرغوب لأن في ذلك
وقاية له من العديد من المشاكل النفسية والاجتماعية فضلا
عن الكشف عن مواهبه واستعداداته وقدراته حتي يعمل المجتمع
علي تنميتها في الوقت المناسب.
وتلعب الأنشطة الرياضية والثقافية والفنية والاجتماعية
العديد من الأدوار المهمة في اكتساب مهارات المشاركة في
ضوء قواعد وتقاليد تكسب السلوكيات الحميدة لأخلاقيات
المشاركة.. لكن هذا يتطلب قيادات تربوية مدربة.. ونموذجا
أمثل للمشاركة النموذجية التي يرتضيها المجتمع للتأكيد علي
قيم التعاون الإيجابي والحوار البناء.. والاختيار الحر
والتنافس الشريف والعطاء والانتماء والولاء للجماعة
وللمجتمع وللوطن.
..وفي المجتمع المدني
يؤكد المؤرخ المنصف والمراقب الأمين علي أنه يوجد في
المجتمع المصري خبرات رائدة في مجال العمل الجماعي التطوعي
لخدمة المجتمع من خلال القيم الروحية والإنسانية
والاجتماعية.. في تكافل وتعاون وإنكار للذات ومن المهم
التعرف علي هذه النماذج الفريدة ونشرها والتطور بها في ضوء
المتغيرات المتلاحقة وابتكار أساليب مستحدثة للمشاركة
للجميع في ضوء الظروف الشخصية والمؤسسية والمجتمعية.. ومن
المهم إتاحة الفرص للأجيال الجديدة والصفوف الثانية
والثالثة لكي تأخذ فرصتها في التقدم للعمل التطوعي لاكتساب
مهارات تساهم في ترقية خبراتهم المهنية.. فالعمل التطوعي
له مردود علي الفرد وعلي المجتمع.. ويمثل ركيزة أساسية في
رأس المال الاجتماعي والثروة البشرية والعقول المستنيرة
التي إذا ما أحسن توظيفها في ضوء أخلاقيات وتقاليد
المشاركة الإيجابية.. ليعاد ذلك علي الجميع بالفائدة
المباشرة وغير المباشرة.. في ضوء قواعد عادلة، ونقد بناء،
ومحاسبة واعية، وشفافية مؤكدة.. تعلي من المصالح العامة
وفوق المصلحة الشخصية.. وترفع من شأن كل من يعطي قبل أن
يأخذ وكل من يساهم في خدمة الآخرين ويتقدم الصفوف للعمل
التطوعي المتجرد النزيه.. حيث إن أخلاقيات المشاركة تسهم
في تقدير هذه النماذج وتكرمها أدبيا ومعنويا وماديا.
المشاركة السياسية
في ضوء المناخ الاجتماعي الرشيد.. يجب أن تحرص المجتمعات
علي نشر ثقافة المشاركة من المراحل السنية المبكرة للنشء
والشباب حتي يتدربوا علي المشاركة في المنظمات السياسية
بدءا من النقابات والجمعيات والأندية ومراكز الشباب وصولا
إلي الأحزاب السياسية التي تسعي لتقديم برامج التنمية
المتكاملة تحت مظلة المصلحة العليا للوطن. ومن الممكن
الاختلاف المشروع في وسائل تحقيق المصلحة العليا للوطن..
في ضوء أخلاقيات الحوار والمناقشة وروح التسامح والتعاون
والتنافس في تعاون «التنافس التعاوني» والتعاون في تنافس
«التعاون التنافسي» من أجل الوصول إلي معايير الجودة
العالية في الإنتاج بكل صورة الخدمات بكل أنواعها والأداء
المجتمعي والسياسي في نموذج حضاري يثري من الفكر الوطني
ويساهم في صياغة الفكر الإنساني في ندية وكبرياء وطني يؤكد
للعالم دور مصر الرائد في الحاضر كما كان هذا قائما علي مر
التاريخ.
أساليب المشاركة
1- المساواة التامة بين أعضاء المجتمع من الصغار والكبار
من الذكور والإناث.
2- التدريب علي ثقافة المشاركة في كافة مؤسسات المجتمع في
الإدارة ومؤسسات التعليم العام والجامعي ومؤسسات المجتمع
المدني بكل أنواعها.
3- وضع استراتيجية عامة وطنية للمشاركة تسهم فيها كل
المؤسسات التربوية مع توزيع وتكامل وتواصل الأدوار.. من
خلال سياسات محددة وبرامج واضحة وتقويم عادل.. وتكريم
المتميز وتدريب جميع القيادات علي كل المستويات.. لخلق
مناخ مؤيد وتيار رأي عام مستنير يؤكد علي ضرورة المشاركة
للجميع كحق من حقوق الإنسان.
4- يعتبر معيار نجاح كل القيادات في مدي إسهامها في دعوة
الأعضاء للمشاركة البناءة في ضوء رعاية متكاملة.. تسهم في
رفع مستوي الأداء والتأكيد علي معايير الجودة العالمية
والوطنية والمؤسسية.
5- في ضوء دراسة الواقع الراهن في العديد من المؤسسات
وغياب المعايير المحددة للمشاركة وأخلاقيات التعامل
والتفاهم بين أعضاء بعض المؤسسات في الأندية والجمعيات
والنقابات والأحزاب السياسية.. وعدم التدريب علي سلوكيات
التعامل والحوار البناء. وختاما من المهم أن نسعي لوضع
المشروع التالي:
ميثاق
ويتم وضع هذا الميثاق في إطار من مشاركة كل الأفراد من
مختلف الأجيال، والمؤسسات من مختلف التوجهات إيمانا بأن
المشاركة ضرورة من ضرورات التقدم.. علي أن يتم تحديد
معايير الالتزام بتطبيق هذا الميثاق كواجب مجتمعي مهم وكحق
من حقوق المواطنة.
والله ولي التوفيق