وتحولت وزارة الزراعة إلي مقصد لذبح المتفوقين
وكلما سقط عالم.. تحول الخبر إلي مانشيت
يشيد بنجاح الحملة ضد «رجال والي»!.
ذهب الدكتور والي.. وذهب المهندس الليثي.. إلا أن الحرب
التي أعلنها الليثي علي والي.. لم تتوقف.
لاتزال مستمرة.. وتجد من يحركها.. ومن يمولها.. ومن ينفخ
فيها ويؤججها.
ويبدو أن إقصاء والي عن مواقعه التنفيذية لم يكن هدف
الحرب.. وأن للحرب.. أهدافا أخري لم تتحقق.. بدليل استمرار
القتال رغم خروج أطراف الصراع المعلن من ميدان المعركة.
وخطورة الحالة التي نحن بصددها.. أنها موجهة لإخلاء وزارة
الزراعة من العلماء الذين يتمتعون بمكانة دولية.. والقضاء
علي النخبة المتميزة في مراكز البحوث الزراعية الوطنية.
نحن أمام حالة خاصة في تاريخنا المعاصر.. وهي ضرب علماء
الزراعة علي وجه التحديد.
فمن الملاحظ.. أننا لم نشهد هجوما علي علماء مصر.. في أي
من المجالات النادرة خلال السنوات العشر الأخيرة.. بما
فيها الطاقة الذرية.. ولكننا نشهد مطاردة منظمة لعلماء
الزراعة.
لم تشهد الحملات الصحفية المنظمة.. والمزودة بالمعلومات
التي لا تتوافر إلا لأجهزة متخصصة.. سوي في السنوات
القليلة الماضية.. والتي بلغت ذروتها بدخول المهندس الليثي
وزارة الزراعة.
لم يكن الليثي يحمل سياسة زراعية، ولا رؤية علمية لمشاكلنا
الزراعية.. ولكنه كان يحمل ما أسماه «تطهير الوزارة من
رجال.. سابقه يوسف والي».
وأعلن فور حلفه اليمين الدستورية في مصر الجديدة.. أنه جاء
لتطهير وزارة الزراعة من الفساد.
وعلي الرغم من أن المهندس الليثي لم يصل لموقعه الوزاري في
إطار انقلاب عسكري أطاح بنظام الحكم السابق.. ولا بعد ثورة
شعبية سقطت خلالها التماثيل والقصور.. ولا في إطار
مؤامرة.. كمذبحة القلعة.. إلا أنه أخذ علي عاتقه مهمة
اتهام النظام السياسي.. الذي ينتمي إليه.. باستيراد مبيدات
مسرطنة.. وبالتعاون مع إسرائيل لاستيراد بذور سامة إلي مصر
(!!).
وهي اتهامات لم تكن في حقيقتها موجهة للوزير والي.. بقدر
ما كانت موجهة للنظام السياسي ذاته.
وكانت كفيلة في ظل ثقافة ديمقراطية حقيقية.. إسقاط النظام
السياسي برمته.. وتقديم جميع رموزه للمحاكمة.. لأن القضية
لا تتعلق بتجاوزات شخصية.. وإنما تتعلق باستيراد مواد
مسرطنة.. تؤدي إلي ما يشبه الإبادة الجماعية.
وهذا يعني أن الوزير الليثي اتهم النظام السياسي القائم في
مصر.. بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية.. وهو ما يعيد إلي
الأذهان قضية الألبان الملوثة بالإشعاع التي كانت وزارة
التموين المصرية قد تعاقدت عليها في ألمانيا في منتصف
الثمانينيات.
وكان المشهد يعكس الصراع بين قيادات الحزب السرمدي.. لأن
وزير الزراعة.. يتهم الحزب الذي ينتمي إليه بالخيانة
العظمي.. ويشير بإصبع الاتهام إلي.. أحد من أهم قياداته..
وهو يوسف والي.
الصراع.. إذن كان صراعا بين أجنحة الحزب السرمدي.. ويعكس
التناقض بين القيادات التي تشتعل بينها الحروب بصرف النظر
عن سياسات الحزب والتزام الأعضاء في لجانه العليا بالحد
الأدني من آداب الممارسة السياسية.. والانضباط الحزبي.
وفي ظل غياب الشفافية.. وتجاهل حق الشعب في معرفة ما يجري
في الأدوار العليا.. لم نعرف لماذا خرج يوسف والي.. ولا سر
اختيار أحمد الليثي.. وفق مذهب «لا عرفوا إيه وداك.. ولا
عرفوا إيه جابك»!.
كما لم يبين لنا الوزير الجديد «الليثي» السياسات التي
أعدها للنهوض بالزراعة أثناء شغله منصب المحافظ في
البحيرة.
لم نعرف ما سياسة الوزير الجديد.. ولا سياسة الحكومة
الجديدة؟.. علي أساس أن ذلك كله يتوقف علي «التوجيهات»
التي يتلقاها الوزراء من الرئيس حسني مبارك.
والمثير في الموضوع أن أحدا لم يربط بين سياسة «التوجيهات»
العليا.. وبين استيراد وزير ما لمبيدات مسرطنة.. وهل كانت
صفقات الاستيراد.. تتم بلا توجيهات.. أم أنها كانت تخضع
للتوجيهات؟!.
وعلي أي حال فقد استمرت الحرب التي شنها الليثي علي والي..
واستخدمت فيها جميع الأسلحة.. في الوقت الذي لاذ فيه الحزب
السرمدي بالصمت.
لم نسمع رأي زعيم الحزب ولا قادة الأمانات العامة فيه..
ولم يتدخل الذين يخلعون علي أنفسهم صفة «الحكمة».. لوضع حد
للمهاترات التي شحنت الشارع السياسي بالشائعات.. وأثارت
مخاوف الناس علي صحتها.. وصحة أولادها.
كل ما عرفناه أن محافظ البحيرة.. الذي انقطعت علاقاته
بالأبحاث العالمية في مجال الزراعة منذ عشرات السنين..
أصبح وزيرا للزراعة واستصلاح الأراضي.. وبات المسئول عن
مواكبة التقدم العالمي في التكنولوجيا الزراعية.. وإعداد
قاعدة بيانات للزراعات وعناصر الإنتاج الزراعي.. وابتكار
أساليب حديثة لزيادة الغلة الإنتاجية للفدان.. والتوسع في
الهندسة الوراثية.. إلخ.
لم تكن للرجل.. الذي نكن له كل الاحترام.. صلة ما..
بالجهات العالمية العاملة في مجال الأبحاث الزراعية.. ولا
يتحدث اللغات الأجنبية!.
وتركزت اهتماماته في إدخال أكبر عدد من علماء وزارة
الزراعة في الحرب التي شنها علي سلفه.. بحيث تشمل الحرب كل
مراكز البحوث التابعة للوزارة.. وتصيبها بالشلل.
وحتي يتفرغ علماء كل مركز.. للحرب.. ومتابعة أنباء المعارك
وما تنشره الصحف.. إلخ بحيث تتساوي الرءوس.. ويصل رجال
الوزير الليثي.. بمصوغات الولاء.. للمواقع القيادية في
وزارة الزراعة.
وأصبحت من المشاهد المألوفة في صحفنا المصرية.. ظهور عدد
من كبار موظفي وزارة الزراعة.. يحملون أوراقا.. ومذكرات..
ودسائس.. ويسعون لنشرها.. لتشويه سمعة ألمع علماء
الزراعة.. باعتبارهم من «رجال والي».
كان كل موظف أشبه بالزوج الذي يصور زوجته بجهاز الفيديو..
وهي عارية.. ليعرض الفيلم علي أصدقائه بعد ذلك.
باتت أسرار كل مراكز البحوث الزراعية في متناول جميع الصحف
الخاصة.. بلا استثناء.
اختفت فضائل الولاء.. والانتماء.. وإثراء البحث العلمي..
وحلت محلها خناجر الانتقام.. والنذالة.. والصعود علي جثث
الآخرين.
ووصلت المأساة ذروتها عندما أصدر المهندس الليثي قراره..
بتعيين أحد رجاله مندوبا لمصر بمنظمة الأغذية والزراعة..
واتضح بعد ذلك أنه لا يجيد أي لغة أجنبية.. وأعادته وزارة
الخارجية المصرية إلي أحضان الوطن بعد سلسلة من السلوكيات
المزرية.
المهم.. أن محاولات إخلاء وزارة الزراعة.. ومراكز
أبحاثها.. من ألمع العلماء الذين يتمتعون بمكانة دولية..
استمرت طوال الحقبة التي تولي فيها المهندس الليثي منصب
وزير الزراعة.
جماعة من بعض كبار صغار الموظفين تحمل الملفات.. وتكتب
المذكرات والدسائس.. وتتجول بها بين أروقة الصحف سعيا وراء
النشر.
والوزير يوقع القرارات بناء علي ما تنشره الصحف.
وتحولت وزارة الزراعة إلي مقصلة لذبح المتفوقين.
وكلما سقط عالم.. تحول الخبر إلي مانشيت.. يشيد بنجاح
الحملة ضد رجال والي (!!).
وتحول تعبير «رجال والي» في وزارة الزراعة إلي «رجال
الزرقاوي».. في العراق.
والمثير في الموضوع.. أن أحدا في مصر لم يتنبه إلي أن
الحملة علي والي كانت الجزء الرئيسي في مشروع «سيجفريد»
الإسرائيلي.. الخاص بمحاربة العلوم الزراعية في مصر.. وفي
مقدمتها مركز بحوث الصحراء.
وأشار الدكتور محمود عبدالمنعم القيسوني في مقاله الذي
نشره بجريدة الأخبار في 12 فبراير الماضي إلي ما يواجهه
مركز بحوث الصحراء فقال إنه (منذ سنة 1990.. تبادل 13
شخصية رئاسة هذا المركز واليوم أسندت رئاسته إلي لجنة
ثلاثية منذ عامين.. مما يشكل وضعا شاذا للغاية.. وإضافة
لتجاهل خبرات وعلم هذا المركز العريق.. ولم تعط الفرصة
الكاملة لنجاح واستكمال أي مشروع صحراوي.. وأزيح مركز بحوث
الصحراء ليتفرج فقط).
وكان من الطبيعي.. أن تكون أولي مهام الوزير الجديد أمين
أباظة.. هي تصحيح الأوضاع في مراكز البحوث الزراعية بحيث
تقوم أنشطة هذا المركز علي أساليب العلم.. وليس علي أساليب
«الهمبكة» وتزويد الصحف بأفلام الفيديو للزوجات العاريات
في المضاجع.
لم يكن أمين أباظة من أبناء مدرسة الشيخ زكي سند.. مدرس
اللغة العربية بمدرسة الآباء اليسوعيين.. والذي كان يسكن
في حارة السقايين في حي الحنفي.. وأخذ علي عاتقه تحطيم
أمير الشعراء أحمد شوقي.. وكان يدعي أنه يكتب الشعر لأمير
الشعراء.
لم يكن أمين أباظة من مدرسة الأعداء الألداء.. لكل نجاح.
وبالتالي فقد بدأ عمليات التصحيح.. والعودة إلي خبرة علماء
الزراعة.. وقال في أحاديثه الصحفية.. إن أولويات الوزارة
في المرحلة القادمة.. التركيز علي أهمية البحث العلمي..
وحفظ الأصول الوراثية من خلال البنك القومي للجينات..
وإنتاج أصناف وسلالات محاصيل مبكرة النضج.. عالية الجودة..
ومقاومة للأمراض وذات احتياجات مائية أقل.
وبينما كان المهندس أحمد الليثي يحاول الوقوف علي جثث أكبر
عدد من علماء مصر خبرة.. ليبدو أطول قامة.. جاء الوزير
الجديد أمين أباظة.. ليعلن اعتماد وزارته علي العلم
والعلماء.. ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب.
وأسند المواقع القيادية للصفوة من علماء الزراعة.. الذين
يتحدثون اللغات الأجنبية ويتابعون الأبحاث العلمية التي
تنشر في الخارج.. أولا بأول.
وعكست تصريحات الوزير أباظة التي أدلي بها فور حلف
اليمين.. توجهات الوزارة في المرحلة القادمة.. وأهمها
استكمال المنظومة التي بدأها الدكتور يوسف والي بالتركيز
علي الأبحاث الزراعية لرفع الإنتاجية وزيادة دخول
الفلاحين.
وهي التصريحات التي كشفت الفرق الشاسع بين وزير أعلن أنه
جاء لمكافحة الفساد في وزارة الزراعة.. وبين وزير أكد منذ
اللحظة الأولي أن لديه رؤية سياسية لحل مشاكل الزراعة في
مصر.. ودعم التعاون الزراعي.. ونقل التكنولوجيا الحديثة.
وكان المتوقع.. بعد أن كشف الوزير أباظة عن موضوعيته..
وإنهاء الحرب التي أشعلها المهندس الليثي.. ورفضه للدخول
في معارك التصفيات والانتقام من العناصر الناجحة.. أن
تتوقف الحرب الأهلية داخل وزارة الزراعة.. وأن يكف أنصار
مدرسة الشيخ زكي سند عن تزويد الصحف بالأكاذيب.. التي تشوه
وزارة الزراعة.. في الداخل والخارج.
ولكن ذلك للأسف.. لم يتحقق.. واستمرت الحرب واستمر أنصار
مدرسة زكي سند في الاتصال بالصحف.. التي لا تحظي
بالمصداقية بين الناس.. لإشعال نار الفتنة.
وبحيث تترك جميع أجهزة الوزارة مهامها.. في توفير لقمة
العيش وتتفرغ للشتائم ونشر الغسيل القذر.
ويبقي السؤال:
هل لمشروع «سيجفريد» خلايا سرية.. تعمل في مصر؟!.
---
علي صفحة كاملة نشرت إحدي الصحف الخاصة في عددها بتاريخ 28
فبراير سنة 2006.. مقالا للهجوم علي وزير الزراعة أمين
أباظة.
وبالمناسبة.. فإنني لست بصدد الدفاع عن وزير الزراعة..
ولست طرفا في الحرب التي أشعلها المهندس الليثي.. وإنما
أسجل هذه السطور من خلال متابعتي الصحفية لمجريات أمور
مؤسفة.. تستهدف ضرب علماء الزراعة في مصر.
في المقال الذي أشرت إليه قال كاتبه.. إن الوزير أباظة قفز
فوق حقوق 200 ألف مهندس زراعي و15 ألفا من الحاصلين علي
درجة الدكتوراة في أن يدير واحد منهم شئون الوزارة التي
تربي في أحضانها (!!).
وهو منطق عجيب.. ساد ثقافة الحكم طوال ربع القرن الماضي..
ويعتمد علي أن تولي الوزارة.. هو جزء من حركة «الترقيات»
داخلها.. وأن وزير الطيران.. لابد أن يكون طيارا.. ووزير
الداخلية ضابطا في الشرطة.. وبأن وزير التربية والتعليم..
لابد أن يكون أستاذا بالجامعة.. إلخ.
وهي الثقافة التي أدت.. لوصول وزراء لسدة الحكم.. لا علاقة
لهم بالسياسة.. وليس لأي منهم رؤية سياسية للقطاع الذي
سيدير شئونه.. وأدت بالتالي إلي التخبط والعشوائية التي
نعانيها.. في كل مجالات حياتنا.. حتي اليوم.
نحن لم نعرف الوزير السياسي.
نحن نعرف «الموظف» الذي ترقي في سلم الوظيفة.. وأصبح
وزيرا.
وتلك هي قمة المأساة.
وأتصور أنه إذا كان للتشكيل الوزاري الأخير إيجابيات.. ففي
مقدمتها أنها جاءت بوزراء يتمتعون برؤية سياسية.
نتفق معها أو نختلف.. تلك قضية أخري.
في نفس المقال الذي نشر علي صفحة كاملة قال كاتبه.. إن
الوزير أمين أباظة من أصل «تركماني».. وأنه خليفة «قريبه»
المهندس ماهر أباظة.. وأن القبيلة التي ينتمي إليها تحمل
اسم «الإبغازية»!.
وهو كلام لا يسيء للوزير بقدر.. ما يعكس الأحوال المتردية
التي وصلها بلاط صاحبة الجلالة السنوات الأخيرة.. للأسف
الشديد.
المهم.. أن سطور المقال الذي نشر علي صفحة كاملة.. يحمل
نفس رائحة حملة الهجوم علي يوسف والي.. واتهامه بأنه ينتمي
إلي قبائل عربية جاءت من ليبيا.. وأن هذه القبيلة من
اليهود (!!).
فهل الكاتب واحد؟!.
أم أن جهة واحدة.. هي التي تدير الحرب ضد قطاع الزراعة في
مصر.. لشل حركته وترهيب العلماء فيه.. من منطلق مشروع
سيجفريد؟!.
ويؤكد هذه الشكوك.. أن حملات التشويه تركزت علي وزراء
الزراعة الذين أعلنوا اعتمادهم علي الكفاءات العلمية..
ونقل التكنولوجيا.. في الوقت الذي لم يتعرض فيه المهندس
أحمد الليثي.. لأي هجوم.. ولا نعرف حتي كتابة هذه السطور
اسم القبيلة التي ينتمي إليها.
كم أتمني أن يأتي اليوم الذي نستطيع أن نناقش فيه..
سياساتنا.. بموضوعية.. وبأمانة.. وبإحساس عميق بالوطنية..
وأن نحمي علماء مصر من البلطجية.. والفتوات وقطاع الطرق.