بعد شهر كامل .. من غرق كل ركاب عّبارة الموت في مياه
البحر الأحمر .. تحرك الحزب الوطني .. وفتح خزائنه .. ودفع
ثمن صفحة إعلانية كاملة نشرتها الصحف اليومية .. استهلها
بديباجة تقليدية لا تطفئ غليل أو تروي ظمأ الباحثين عن
تعويضات ضحايا هذه الكارثة ..والصفحة الإعلانية لا تقدم
إجابة واحدة عن حجم هذه التعويضات .. ولا كيفية صرفها ..
وإنما أحالت الموضوع علي أسر الضحايا أنفسهم بأن يتولوا
الاتصال بأعضاء مجلسي الشعب والشوري في محافظاتهم للمساعدة
في استكمال المستندات المطلوبة والحصول علي التعويضات
المستحقة.
وتم نشر تليفونات أعضاء الهيئة البرلمانية بكل محافظة ..
وهكذا ببساطة مذهلة .. تخلت قيادة الحزب الوطني عن
مسئولياتها في توضيح سبب هذه الكارثة الشعبية التي فجعت
الرأي العام .. وأغفلت عن عمد رفع الحصانة عن عضو مجلس
الشوري صاحب هذه القوافل من العبارات البحرية المنتهية
الصلاحية والتي تكررت حوادثها .. وظل هذا العضو الهمام في
حماية «الحصانة» .. وحماية المساندين له والمستفيدين منه
.. ينأي بنفسه عن مواجهة المطالبين بالتحقيق معه .. حتي
ولو كانوا من زملائه في مجلس الشوري .. كما حدث في
الاجتماع العاصف الذي شهدته لجنة الصناعة بالمجلس والذي لم
يحضره هذا العضو الهمام .. وحتي لم يعتذر!
ولتغطية هذا الفعل الإجرامي الفادح .. لعب الحزب الوطني
نفس اللعبة المقيتة بالتكتم علي الرءوس الكبيرة للفساد ..
وإلهاء الجمهور في الجري داخل سراديب الألغاز حتي تخور
قواهم ويستسلموا للأمر الواقع .. ومنطق ما فيش فايدة!!
واللعبة الجديدة للحزب الوطني .. أن يجري الجمهور وأسر
الضحايا وراء نواب مجلس الشعب والشوري .. يطاردونهم بأرقام
التليفونات المنشورة لكل منهم ليسألوا: ما الحل؟!
وبالطبع .. لا أحد من نواب مجلسي الشعب والشوري يملك
الإجابة الحقيقية!
وأراهن أن أغلبهم سيغلقون تليفوناتهم .. وسيختفون من أماكن
وجودهم!
أما الباقون .. فسيرددون الاسطوانة المشروخة .. سنسأل ..
سنحاول.!
وهي كلها إجابات لامتصاص الغضب .. حتي تهدأ النفوس ..
وينسي الجميع.
ولكن .. هل يستطيع أهل الضحايا أن ينسوا..
إنه الموت .. وخراب الديار .. بالمعني الحرفي للكلمة..
ولنا أن نتصور فداحة ما حدث .. عائلات بأكملها طحنها الفقر
والاحتياج .. وظلت علي أمل أن يأتي الغائب بحصيلة ما جمع
في سنوات الغربة والشقاء .. ثم يتبدد كل شيء في لحظات عبث
دبرها أباطرة الفساد والإهمال .. ليبتلع البحر أكثر من ألف
شخص .. ويتكوم الأهل علي شاطئ ميناء سفاجا .. ينتظرون أي
أمل في النجاة .. أو أي أمل في العثور علي جثة .. أو أي
أمل في صرف تعويضات!
وتمر الأيام والأسابيع .. والجميع يتخبطون ما بين الحزن
ولوعة الفراق .. وما بين انتظار التعويضات وتضارب
التصريحات..
فالإجابة الحقيقية عن مصير هذه التعويضات وحجمها .. غير
معروفة بدقة.
أو بمعني أدق .. غير محسوبة بدقة..
فهناك محاولات للانقضاض عليها من الحكومة!
ورغم أن حكومة الحزب الوطني تدعي أنها حكومة إليكترونية
تتعامل بالكمبيوتر والحاسبات الآلية .. إلا أنها تتعمد
تزوير الأرقام والبيانات .. وتتعمد التضليل.
فإجمالي تبرعات الأفراد والهيئات والمؤسسات العامة والخاصة
لمنكوبي هذا الحادث الأليم وصل إلي 56 مليون جنيه .. علي
حد تصريح وزير التضامن الاجتماعي علي المصيلحي في جلسة
لجنة الصناعة بمجلس الشوري .. وهذا الرقم بخلاف التبرع
الذي أعلنه الرئيس مبارك بمقدار 30 ألف جنيه لكل أسرة فقدت
عائلها و15 ألف جنيه لكل ناج من الغرق.
ولكن هذه التعويضات التي أعلنها الرئيس مبارك تحايلت عليها
الحكومة الإليكترونية لكي تصرف من فلوس التعويضات الأهلية
.. مع إنها المفروض تصرف من ميزانية الدولة.
أي أنها تضاف إلي فلوس التعويضات الأهلية .. ولا تخصم
منها.
وجاء تبرير وزير التضامن الاجتماعي في الحكومة
الإليكترونية .. أن التعويضات التي أعلنها رئيس الجمهورية
لم يصدر بها مرسوم بآلية التنفيذ . وبالتالي تصرف رئيس
الوزراء بأن قرر خصم هذه التعويضات من حصيلة التبرعات
الأهلية.
وهنا ثار أعضاء لجنة الصناعة بمجلس الشوري .. وأعلن رئيس
اللجنة - محمد فريد خميس - أنه تبرع بنصف مليون جنيه
لأهالي الضحايا .. ولكنه بعد الإجراءات الحكومية فإنه
يطالب باسترداد أمواله .. احتجاجا علي هذا الالتفاف علي
قرار رئيس الجمهورية.
واشترك عدد كبير من لجنة الصناعة في هذا الاحتجاج مطالبين
بتنفيذ قرار الرئيس مبارك من أموال الدولة.
وتأزم الموقف!
ولكن بعد ثلاثة أيام .. وقف وزير التضامن أمام لجنة تقصي
الحقائق بمجلس الشعب ليعلن أرقاما مختلفة عن حجم
التعويضات!!
في هذه الحالة من الارتباك .. ما الذي يمكن أن يجيب عنه
أعضاء مجلسي الشعب والشوري الذين حملهم الحزب الوطني
مسئولية مساعدة أهالي الضحايا في الرد علي تساؤلاتهم بخصوص
التعويضات .. وهل للحزب الوطني رؤية مختلفة عن رؤية
الحكومة؟! وهل هناك تعويضات سرية .. وتعويضات علنية؟
يحدث هذا .. بعد شهر كامل من وقوع الكارثة..
ومازالت الألغاز مستمرة .. تفتك بأهالي كل الضحايا..
كيف يمكن إثبات وفاة الضحايا؟
الشركة المالكة للعبارة المشئومة .. كانت قد أعلنت في بيان
منشور بالصحف .. إنه علي كل أسرة فقدت أحد الضحايا أن تذهب
من جديد إلي سفاجا للحصول علي مستندات الوفاة من الإدارة
الحكومية بسفاجا .. أي أن المطلوب إعادة الأحزان والمرمطة
علي رصيف ميناء سفاجا والبحث عن الأسماء في كشوف ركاب
الباخرة الغارقة..
في نفس الوقت الذي تواردت فيه الأخبار .. أن كشوف الركاب
مازالت في ميناء «ضبا» بالسعودية!
وخبر آخر سربته الشركة المالكة للعبارة المشئومة .. بأن
التحقيق عن سبب الغرق سيتواصل بعد الكشف عن بيانات الصندوق
الأسود للباخرة.
أي أن المسألة لم تحسم بعد..
وعلي كل متوفي أن يعلن بنفسه عن وفاته .. أن يخرج جثة
متحللة منهوشة من أسماك القرش ليتأكد موظفي الحكومة
الإليكترونية .. أنه قد مات فعلا ..
وهذا يعيد إلينا قصة العذاب مع الإجراءات الحكومية في صرف
المعاشات لأرامل الموظفين التابعين لهيئة التأمينات ..
والإقرار المطلوب لإثبات أن الأرملة مازالت علي قيد الحياة
.. والإثبات يتم من خلال شهادة من اثنين من موظفي الحكومة
مرتباتهم لا تقل عن كذا .. والشهادة مختومة بختم النسر ..
وعلي كل أرملة أن تحمل هذه الشهادة .. ولا يكفي أن تعلن عن
نفسها بشحمها ولحمها!
أي أن الحي يثبت أنه مازال حيا ..
والميت يثبت أنه خلاص مات!!
إنها لعبة الأوراق الحكومية والأختام .. ووجع القلب مع
الروتين القاتل!
وكلها إجراءات تمتهن كرامة الإنسان .. وضد العقل والمنطق.
ولكنها ضريبة العذاب في التعامل مع الحكومة..
ومهزلة التعويضات .. تكررت مع ضحايا قطار الصعيد .. ولم
يصرفوا حتي الآن التبرعات الأهلية التي سارعت لتخفيف
الآلام .. وتكررت مع ضحايا حريق قصر الثقافة في بني سويف!
وفي الطريق .. تتجمع الآن .. آلام وعذابات أصحاب مزارع
الدواجن .. والعاملين فيها بعد انفجار مرض إنفلونزا الطيور
.. خسائرهم بالملايين .. وعمال فقدوا وظائفهم .. وبيوت
شملها الخراب والفقر .. وعلي الجانب الآخر اجتماعات لا
تنتهي ... وقرارات متصادمة .. ولا أحد يعرف ما هي حقيقة
التعويضات التي أعلنتها الحكومة .. ولا كيف سيتم صرفها ..
ولا من المسئول عنها .. ولا متي تسترد مزارع الدواجن ثقتها
وأمنها وتواصل الإنتاج!
ويبدو أنه مكتوب علينا .. أن نسأل .. ولا مجيب..
وأن نستسلم في النهاية .. ونضرب رءوسنا في الحائط!