يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1268 (8 - 15) مارس 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

صفحة من تاريخ مصر

 
 

التدين الشعبي .. وصداه السياسي (2)

 
 

د.رفعت السعيد

 

 
ونواصل رحلتنا مع د. عبد الله شلبي في دراسته الممتعة «التدين الشعبي لفقراء الحضر في مصر - بحث في آليات المصالحة والقبول والرضا والتحايل» فبعد تحليله العلمي الرصين لطبيعة التدين في مصر والذي تحدثنا عنه في الكتابة السابقة يقتادنا د. شلبي إلي بحث ميداني أجراه في محافظة الفيوم «التي أشار تقرير التنمية البشرية لعام 2003 إلي انتمائها لأفقر مناطق العالم» ثم اختار أفقر أحياء مدينة الفيوم وهو «درب الطباخين» وهذا الحي «يشهد تمركزا عاليا للفقراء، وهو حي فقير بكل ما تحمله الكلمة من معني ويضم بين جنباته حزمة متضافرة من العوامل القاهرة التي تشكل في مجموعها مصيدة فقر محكمة» ولا يتجاوز «طموح الكثير من أهالي الحي قدر توفير الحد الأدني من الغذاء اليومي البسيط لأبنائهم .. وحياة الأطفال في هذا الحي تعتبر معيارا للآثار الوحشية والقاسية للفقر .. أجسام شاحبة، أسمال بالية، ويتسرب معظمهم من التعليم .. ومعدل البطالة مرتفع جدا».
وينعكس ذلك كله في حالة تتسم «بالاستسلام والإذعان لهذه الوضعية والرضاء بها وقبولها إلي حد انعدام أي بارقة أمل للاحتجاج والمقاومة .. ويبدو أن قسوة الفقر قد داست في غلظة كل أمل للإنفلات من قبضته القاسية» أما موقفهم تجاه السلطة فهو «العجز شبه المطلق حيال الدولة بكل مؤسساتها الجبارة والتي اعتبروها مسئولة عما آلت إليه أحوالهم» ثم «لقد أدركوا بالفعل أنهم مسحوقون عاجزون ولا خيار أمامهم سوي الاستسلام والتكيف مع الواقع» ثم ..«وفي سياق مناخ مفعم باليأس وفقدان الأمل تحول الفقراء إلي ربهم المتعالي وإلي أوليائه الصالحين وإلي دينهم وحملوا ربهم المسئولية، وتركوا له مهمة تغيير أحوالهم والقصاص من ظالميهم» ووجدوا في فهمهم المبسط للدين «ما يمكنهم من تشكيل قناعات تتصالح مع واقع حياتهم وتسوغ الفقر والطبقية والتفاوت .. وتمنحهم في الوقت ذاته عزاء ربانيا إلهيا عن فقرهم إلي حد اعتبار هذه الأوضاع ظواهر إلهية وأقدارا محتومة وتعبير عن مشيئة الله وأقداره النافذة في خلقه ... وهكذا لجأوا إلي الله وإلي وسطائه من الأولياء الصالحين وإلي تدينهم وتراثهم، وابتدعوا حزمة من الرؤي والتصورات والممارسات التي تنهض كآليات دفاعية تمكنهم من المصالحة وتحقيق القبول والرضا بالواقع والظروف المعاشة».
لكنه مع ذلك يكن حقدا وكراهية لهذا الواقع وللسلطة التي تفرضه فالإجابات التي تلقاها الباحث تقول «ياواكل قوتي يا ناوي علي موتي، وياروح ما بعدك روح، وبعد الروح فيه إيه الواحد يمكن يخسره» تقول الإجابات أيضا «الدولة لازم تحكم بالعدل ولازم الفلوس تدخل جيوب إللي محتاجينها» والحكومة «لازم تلاقي شغل للشباب وتراقب الأسعار وتدبح الحرامية الكبار واللي سرقوا فلوس البنوك» ويجيب أحدهم إجابة بالغة الأهمية «الزكاة وحدها لا تحل المشكلة، إذا كان ثلاثة أرباع الناس فقراء فهي لا تكفي والحل هو العدل والمساواة» ويقول آخرون إن طريق الخلاص من الفقر مستحيل ولا خلاص منه إلا أمام من يمارس السرقة والنهب وتجارة الممنوع والمخدرات والمشي البطال والحرام» ويري بعضهم أن الفقر عندما يحاصر الإنسان فإنه يدفعه «إلي المشي البطال والدعارة وحتي يمكن أن يدفع الشباب للاغتصاب لأنه مش لاقي يتجوز» ويتعجب أكثرهم من أن «الفقير لما يسرق أو يكون موظف صغير وياخد رشوة صغيرة تنقلب الدنيا عليه ويتفضح، إنما لما الوزراء والمحافظين وكبارات البلد ينهبوا الملايين محدش بيعمل لهم حاجة في حين أنهم مش محتاجين، ودول ولاد كلب ويستحقوا قطع اليد وقطع الرقبة كمان» لكنهم مع ذلك كله لا يتحركون ولا يثورون «لأن محدش يقدر يعمل حاجة وإلا يروح وراء الشمس .. الناس بقت زي الفراخ والخرفان والدولة إيدها طايلة واحنا مش قدها» والأمل عندهم مفقود «المتعوس متعوس ولو علقوا علي راسه فانوس» ولأن الفقر مكتوب «وإن الله سبحانه وتعالي له حكمة في كده .. يعني الفقر والغني بأمر الله، وهو يرزق الطير في السماء .. واحنا ما نقدرش نتدخل في حكمة ربنا» فإن اللجوء إليه سبحانه وتعالي هو المخرج الوحيد .. ولأن الأولياء الصالحين لم يستطيعوا بوساطاتهم أن يرفعوا الغمة وأن يزيلوا هذا الفقر .. فلابد من البحث عن مخرج آخر ..
ونعود إلي ما نحن فيه، وما استجد علي ساحة السياسة .. فالأحزاب السياسية تدعو هؤلاء الفقراء «هذا إن كانت قد وصلت إليهم هذه الأحزاب وتلك الدعوة» تدعوهم إلي التمرد أو إلي التظاهر أو إلي الثورة لكن هؤلاء الفقراء قد يئسوا من أي قدرة علي التمرد المباشر، وتركوا كل أمورهم إليه سبحانه وتعالي.
وهنا يمكننا أن نستند إلي هذه الدراسة الجادة في محاولة لفهم ما جري في الإنتخابات.
- الشعب فقير - محبط .. كاره للسلطة ولأفعالها .. ويعتبرها العدو .. ومن ثم فهو يكره حزبها.
- لكن السلطة إيدها طايلة ويمكن أن يذهب من يتمرد ضدها وراء الشمس.
- الحل دوما بيده سبحانه وتعالي.
فإذا أتي من يقول له إن «الإسلام هو الحل» ولعب دور الوسيط بين الأرض المليئة بالتعاسة وبين السماء حيث السبيل الوحيد للخلاص .. ويبدو الأمر أكثر إغراء إذا جاءت هذه «البركة» الدينية مصحوبة بثمن ما للصوت الانتخابي .. وينسي الجميع الفقراء والأغنياء معا، السياسيين وغير السياسيين أن ثمة مخرج آخر ووحيد وهو تحقيق نهوض شعبي واسع يستند إلي العقل والعلم، والديمقراطية والتسامح الديني واحترام الآخر والنظرة الليبرالية .. نهوض يشمل القوي الوطنية والديمقراطية والتقدمية ليفتح أمام مصر طريقا ثالثا .. ومستقبلا زاهراً وعادلاً .. وختام لعل - أقول لعل - في بحث كهذا الذي أعده د. عبد الله شلبي سبيلا أو بعض سبيل لفهم ما جري في ساحة الانتخابات.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة