يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1268 (8 - 15) مارس 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

المفكر والمؤرخ الإسلامي د. محمود إسماعيل:

 
 

نصوص القرآن بريئة من الدعوة إلي الدولة الدينية

 
 

عيد عبد الحليم

 

  للمؤرخ الإسلامي د. محمود إسماعيل - أستاذ التاريخ الإسلامي بكلية الآداب جامعة عين شمس - إسهامات فكرية بارزة كشفت - كثيرا - عن المسكوت عنه في التراث ، من خلال مجموعة من الكتب التي حركت المياه الراكدة وأثارت الكثير من القضايا الخلافية نذكر منها «الحركات السرية في الإسلام» و«الفكر الإسلامي الحديث بين السلفيين والمجددين» و«في نقد حوار المشرق والمغرب» و«إشكالية المنهج في دراسة التراث»، و«سيكولوجيا التاريخ الإسلامي».
وفي هذا الحوار يفتح د. محمود إسماعيل النار علي من يروجون لفكرة الدولة الدينية من خلال عرض متأن لأخطارها بالأدلة والبراهين التاريخية.
- تثار في اللحظة الراهنة مجموعة من التساؤلات الشائكة حول فكرة الدولة الدينية ومدي خطورتها علي الواقع المصري، كيف تري هذه اللحظة من وجهة نظر مؤرخ إسلامي؟
-أولاً: إثارة موضوع الدولة الدينية ليست وليدة اللحظة وإنما هي تشكل حجر الزاوية في التصور السلفي عن الدولة، إذ يجمع السلفيون ابتداء بالوهابيين والسنوسيين والمهديين، وانتهاءً بجماعات الإسلام السياسي علي أنموذج الدولة الثيوقراطية - الدينية - وإن اختلفوا حول أنموذجها.
.. فالحركات السلفية التقليدية السابقة تجد المثال في حكومة الرسول صلي الله عليه وسلم وعصر الراشدين باعتبار هذا العصر يمثل التأسيس الذي قدم الأنموذج والمثال، بينما تلح تيارات الإسلام المعاصرة علي الأنموذج الإسلامي الذي يجمع بين الخلافة والسلطة تحت تأثير نجاحات العثمانيين في إسقاط القسطنطينية أولا، ثم التوغل في البلقان والوصول حتي أسوار فيينا، وعندنا أن التاريخ العياني يؤكد خرافة مفهوم الدولة الدينية أو بالأحري وجود أنموذج إسلامي خاص له خصائصه التي تميزه عن النظم السابقة واللاحقة.
فبالرجوع إلي التاريخ نجد أنه في عصر الرسول صلي الله عليه وسلم لم تكتمل صورة الدولة بالمعني المفهوم للدولة من حيث وجود نظم قارة ومؤسسات وحدود ثابتة.
ولم يتحقق ذلك في عصر الرسول صلي الله عليه و سلم لا لشيء إلا لأن أنموذج دولة المدينة شهد تغييرات كثيرة بل لم تستمر هذه الحكومة إلا نحو سنوات عشر.
كان الرسول صلي الله عليه وسلم يعتمد في تشريعه علي الوحي، وكان الوحي بطبيعته متجدداً ناسخا لبعض الأحكام فمثلا كان موقف الرسول صلي الله عليه وسلم من يهود المدينة لا يتسم بالثبات.
ولم يتخذ سياسة موحدة في التعامل مع هذه القبائل اليهودية «بني قينقاع» و«بني النضير»، و«بني قريظة» كما انتفي بالمرة وجود أية مؤسسات أو دواوين إذ كانت الأمور من البساطة بحيث كان يعالجها الرسول صلي الله عليه وسلم مباشرة، أو يعهد إلي بعض الصحابة بتنفيذ بعض المهام.
كما كانت حدود الدولة متغيرة، فاقتصرت في البداية علي المدينة ثم مكة والطائف والحجاز، ثم بقية شبة الجزيرة العربية.
- هل يمكن تحديد ذلك في نقاط رئيسية؟
- إذا حاولنا استخلاص بعض القواعد العامة فتتلخص فيما يلي: أولا: تغير الأحكام بتغير المعطيات والظروف.
ثانيا: كان الرسول صلي الله عليه وسلم بحكمته يتصرف في تصريف بعض الأمور.
ثالثا: كان نظام الحكم بوجه عام أشبه ما يكون بالنظام «الكونفيدرالي» إذ أتاح الرسول لرؤساء القبائل بعد إسلامهم في شبه الجزيرة العربية ممارسة الحكم شريطة أن يقوموا بدفع الالتزامات المالية، كما ننبه إلي أن الرسول صلي الله عليه وسلم كان قد اعتمد كثيرا من التشريعات التي كانت موجودة في الجاهلية، بما يعني عدم وجود نظام إسلامي ثابت وخاص ومميز.
في العصر الراشدي كان الصراع حول «الخلافة» في اجتماع السقيفة» بين المهاجرين والأنصار صراعا دنيويا صرفا لا علاقة له بالإسلام بقليل أو كثير لا لشيء إلا لأن القرآن الكريم، فيما يتعلق بالحكم طرح مبدأ ولم يطرح نظاماً، المبدأ هو مبدأ الشوري.
بل إن النصوص التي ورد فيها هذا المبدأ أنه أمر المسلمين «وأمرهم شوري بينهم».
ولم يوجد نظام بعينه ثابت أيضا في تولي الخلفاء الأربعة.
وفي كل الأحوال كانت الغلبة هي العامل الفاعل في حسم الصراع.
فتحت تأثير قوة «قريش» احتكرت الخلافة وهو أمر في حد ذاته لا يقره الإسلام وتولي أبو بكر لغلبة المهاجرين علي الأنصار.
وخلال الصراع الذي دار حول المسألة جرت مناورات دنيوية قحة ومساومات إلي أن انتهت بحسم الحكم لصالح قريش.
كما نعلم أن أبا بكر اختار عمر وأن عمر اتبع أسلوبا جديداً في مجلس مصغر للشوري شهد أيضا مناورات سياسية تمت لصالح الأرستقراطية الثيوقراطية، وبعد بيعة «علي» تنازل بنفسه عنها عندما تفجر الصراع بينه وبين معاوية.
نستخلص من ذلك أن الخلفاء الأربعة كانوا من قريش وأنهم تولوا بطرق مختلفة.
وحين وضع عمر المؤسسات الأولي للدولة لم يفعل أكثر من نقل النظم التي كانت موجودة عند الروم أو الفرس.
فالسؤال هو: أين تلك الخصوصية المزعومة لنظام إسلامي في الحكم؟
منذ العصر الأموي وحتي العصر المملوكي كانت الحكومة الإسلامية، إما مدعية الطابع الديني، وإما حكومات للعسكر المتغلب بمعني أن قانون الغلبة يشكل العامل الحاسم في صياغة نظام الحكم.
أخيرا: إن اكتمال مؤسسات الدولة منذ العصر العباسي الأول قد جري نقلا عن النظم الفارسية، كما أصبح نظام الوراثة بمثابة الأمر الثابت في كل النظم التي توالت علي دار الإسلام منذ العصر الأموي فأين ذلك كله من مفهوم «الشوري الإسلامي».
أحاديث موضوعة
- هناك حديث يستدل به الكثير حول فكرة الخلافة بعد الرسول صلي الله عليه وسلم وهو «الخلافة بعدي ثلاثون عاما ثم تكون ملكا عضوضا» ولكن الحال كان غير ذلك فقبل اكتمال هذه الثلاثين وجدنا مع بداية حكم عثمان وأثناءه نشأ ما يمكن أن يسمي بالصراع السياسي الذي يمتد خيطه السميك والقاتل حتي الآن، فما تفسيرك لذلك؟
-أري أولا: أن نبوءة الرسول صلي الله عليه وسلم لم تتحقق فهذا يعني بداهة أن الحديث موضوع فهو يتنافي مع حرص الرسول صلي الله عليه وسلم علي ألا يعين خليفة له، وألا يحدد نظاما ثابتا بعينه لحكمته.
قضية الحكم قضية دنيوية بحتة وتخضع للمتغيرات فالإسلام قد أقر المبدأ وهو «الشوري» أما كيف تتحقق فالأساليب كثيرة وتخضع لمعطيات الزمان والمكان، أما ما جري إبان حكومة عثمان بن عفان رضي الله عنه فكان حربا أهلية اختلف فيها الصحابة بل تسابوا وتلاعنوا، ونقض بعضهم العهود كطلحة والزبير بعد مبايعة علي لا لشيء إلا لطمعهم في الحكم.
ويكشف كتاب «الإمامة والسياسة» للإمام ابن قتيبة عن حقيقة ما جري بما يثبت أنه صراع دموي من أجل السلطة ليس إلا، ولا علاقة له بالإسلام من قريب أو بعيد، فإذا كان الصراع دينيا حقا لما جري.
وكانت الثورة علي عثمان رد فعل لسياسة غير إسلامية خصوصا بعد تقدمه في العمر وإناطة «مروان بن الحكم» بالسلطة الحقيقية فكان «أول من حمي الحمي» وعين معظم الولاة من بني جلدته، واعتبر الحكم «قميصاً ألبسه الله إياه» بما يتعارض شرعيا مع مبدأ الشوري الإسلامي.
فهل هذا هو الأنموذج المثالي لنظام إسلامي له خصوصيته؟
الواقع السياسي
- إذا كان هذا هو الواقع ا لسياسي بالفعل فماذا عن الفكر السياسي بعد ذلك والذي تجلي من خلال مجموعة حاولت التقعيد لنظام الحكم؟
- هذا السؤال علي جانب كبير من الأهمية، لأنه يؤكد حقيقة تعدد وتنوع الصيغ السياسية التي طرحت إلي حد التناقض فالشيعة مثلا لا يقرون مبدأ الاختيار البتة، لذلك عرفوا بأنهم «أهل النص والتعيين» وفي ذلك - فيما نري - تعارض مع مبدأ الشوري.
وعندي أن «الخوارج» في مفهومهم عن الحكم كانوا أكثر الفرق التزاما لمبدأ الشوري كمبدأ طرحه القرآن، إذ يرون أن الخلافة ليست حكرا علي قريش وآل البيت وإنما هي متاحة لأي مسلم بغض النظر عن انتمائه أو عرقه.
أما المعتزلة فقد اكتفوا بشرط واحد وهو أن يكون الإمام عادلا.
أما المرجئة في بداية أمرهم فكانوا مبررين للنظام القائم، حيث اعترفوا به وأرجأوا تقديره إلي الله سبحانه وتعالي، أما بعد تحولهم إلي حزب ثوري فقد تأثروا بالمعتزلة والخوارج في فكرهم السياسي فألحوا علي مبدأي الشوري والعدل.
فكر الخوارج
- ولكن كان للخوارج شطحات فكرية - أشبه ما تكون بفكر الجماعات المتطرفة - خاصة فكرة التخلص من أطراف النزاع السياسي بعد عملية التحكيم بين علي ومعاوية ألست معي في ذلك؟
-الحديث عن الخوارج كحزب واحد تصور خاطئ فقد انقسموا إلي عشرين فرقة أهما «الأزارقة» و«النجدات» و «الأباضية» و« الصفرية» كانت الفرقتان الأوليان متطرفتين إذ طرحوا مبدأ الاستعراض وهو مبدأ إفناء الخصوم بالسيف ولكننا نعلم اختفاءهما تماما وبقيت فرقتا «الصفرية» و«الإباضية» المعتدلتان، واللتان عبرت مبادئهما عن نزعة عملية سياسية فضلا عن مثل عليا في مناقشة الخصوم.
ومنه علي سبل المثال «إعلام الخصم قبل حربه» و«التعفف عن الغنائم» و«عدم قتل الأطفال والنساء»، «وعدم تتبع المدبر بضربه في الظهر» و«رفض أسر الخصوم» ... إلخ من المبادئ المثالية.
ولعل ذلك كان من أسباب نجاحهم في تأسيس دول طبقوا فيها كثيرا من هذه المبادئ.
منها أن مؤسس الدولة «المدرارية الصفرية» كان عبدا أسود، وأن مؤسس الدولة «الإباضية» ومعظم سكانها من البربر في المغرب الأوسط - الجزائر حاليا - كان زعيمها من أصل فارسي،
- ولكن كيف تعامل الخوارج مع فكرة الدولة هل كان هناك التزام بتطبيق نظرية الدولة المدنية مثلا أم كانت دولهم ذات طابع ديني؟
-في عهدي المؤسسين للدولتين الأولي والثانية جري الالتزام بتعليم المذهب في سياسة ا لدولة مع التأثر بالمعطيات العملية الوضعانية ولكن نظرا لتعاظم العصبية القبلية بين البربر فقد غلبت علي المبادئ المثالية للمذهب، نستخلص من ذلك أن معطيات الواقع هي العامل الأول والأخير في النظام السياسي وإن تنوعت صوره وأشكاله.
الأحكام السلطانية
- فماذا عن كتب «الأحكام السلطانية» التي اعتبرها البعض مثل د. ضياء الدين الريس قعدت لنظام الحكم في الإسلام؟
-في جملة واحدة أقول إن هذه الكتب كانت تقعد للوضع الراهن إلي حد تجويزها حكم «المتغلب» الذي سيتولي السلطة غصبا وقسرا مبررة ذلك بأن الضرورات تبيح المحظورات أو لتحاشي الفتنة.
وعلي العكس من ذلك كانت تصورات الفلاسفة خصوصا الفارابي في كتابه «آراء المدينة الفاضلة» تقعد لنظم مثالية يوتوبية لا يمكن تحقيقها بل إن الفارابي نفسه تأثر في مدينته الفاضلة بجمهورية أفلاطون إلي حد كبير.
- فماذا عن أدب السياسة؟
-الكتابة عن هذا الموضوع كانت نادرة وما كتب في العصور الإسلامية الأولي جري إحراقه، وفي العصور الإسلامية المتأخرة شاعت الكتابة في هذا الموضوع في المشرق والمغرب علي السواء فيما يمكن أن يعرف ب «تدبير الملك» أو «سياسة الراعي والرعية».
مثل كتابات «ابن الأزرق» و«ابن خلدون» و«ابن رضوان» و«الطرطوشي» و«يحيي بن خلدون»، وكل هذه الكتابات كانت في الغالب الأعم أشبه بالنصائح التي توجه للملوك لا لتوخي العدل بل لكيفية الحفاظ علي السلطة، شأنها في ذلك شأن كتاب «الأمير» لمكيافيللي، وإن شذ علي هذا الأمر «ابن تيمية» في كتابه «السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية» الذي يعد الكتاب اليتيم في مجال السياسة الذي وضع الرعية في الاعتبار خاصة في عنوانه.
ابن تيمية والإمامة
- هل يمكن اعتبار ابن تيمية مجددا رغم أن معظم التيارات المحافظة وغيرها من التيارات السلفية قد نهلت من أفكاره واعتمدت عليها في صياغة مفاهيمها عن الحكم والسياسة؟
-يعد مجددا بحق بالقياس إلي ما كان موجودا في عصره وفي العصور السابقة من حيث معارضته لمفهوم الغزالي عن الحكم الذي يحكم السلطان في «أعناق الرعية» إلي حد قوله «بجواز إمامة صاحب الشوكة حتي لو كان ظالما فما علي الرعية إلا الطاعة» وليس لها حتي مجرد إسداء النصح.
من هنا كان ابن تيمية الحنبلي إمام السلفية التي تروم إصلاح المفاسد المتراكمة منذ العصر الأموي لكنه لا يمكن أن يكون مجددا وهو الذي حرم مبدأ الاجتهاد اللهم إلا اجتهاده الخاص.
- إذن الذاتية التي نراها في خطاب مثل هذه الجماعات الآن نابعة من هذا الفكر النرجسي لابن تيمية بحيث لا صوت يعلو فوق الاجتهاد الخاص له ومن ثم لمن اتبعه؟
-الحركات التي نهلت من ابن تيمية مباشرة هي الحركة الوهابية والحركتان المهدية في السودان والسنوسية في ليبيا وامتدت إلي المغرب وإن كانتا تعتمدان علي التصوف بعد تطويره وإصلاحه علي عكس الوهابيين الذين حاربوه تماما.
استمر التيار السلفي فيما بعد ينهل من «ابن تيمية» - أيضا - مع مراعاة المتغيرات الجديدة كما هو الحال بالنسبة ل «رشيد رضا» الذي ولدت من عباءته «جماعة الإخوان المسلمين»، والتي تقول ب «حلم إحياء وحدة دار الإسلام» وفق أنموذج «عصر الرسول، والخلفاء الراشدين» وإن كنا نلاحظ دون أدني إضافات جديدة.
أما الجماعات الأصولية المتطرفة المعاصرة، فهي استمرار في مزيد من التطرف لفكر جماعة الإخوان المسلمين، وهي تنهل - مباشرة - من فكر سيد قطب القائل ب «الحاكمية» و«التكفير» متأثرا بأبي الأعلي المودودي، وفي نشأتهما في السجون ما يفسر تطرفهم.
وتلك قاعدة عامة، فالفكر حتي وإن كان دينيا يتحجر ويتطرف حين يحاصر.
تحالفات الإخوان
- كيف تري في ظل تصاعد الإخوان المسلمين ما يمكن أن يتم من تحول سياسي قادم - لا محالة - هم يراهنون علي إيجاد حالة وسط بين الدولة الدينية والدولة المدنية ومع ذلك هناك تاريخ طويل يجعل الكثيرين في حالة ترقب.
-أولا: أقول إنه لم يحدث تحوّل ولو بدرجة محدودة في فكر الجماعة وفي تصوراتها فكر الدولة الدينية وما تصرح به قياداتهم - حاليا - إنما هو نوع من التكتيك الساذج ويشهد تاريخهم - منذ البداية وإلي الآن وربما مستقبلا - علي أنهم يتحالفون مع الشيطان بهدف الوصول إلي الحكم بطريقة أو بأخري.
ولماذا نذهب بعيدا، وعبارة «ضرورة الأخذ بالتكتيك» كتبها «أحمد كمال أبوالمجد» في كتابه «حوار لا مواجهة»، وتاريخهم يشهد أنهم تحالفوا مع القصر ومع بعض حكومات الأقلية.
وفي علاقتهم مع بعض الأحزاب الحالية مثل العمل والوفد تارة والوطني أحيانا كل ذلك تكتيك فلم نجد في تراثهم ما يشير إلي أدني تغيير في فكرهم السياسي إن كان لهم فكر حقا.
نقطة مهمة
أن نجاحاتهم المهمة في مجلس الشعب لا تعزي - كما يتصور البعض - إلي تخليهم عن بعض أفكارهم المتطرفة بقدر ما تعزي إلي الحكم القائم في مصر كما تعزي - أيضا - إلي ما يقومون به من أعمال خيرية من التخفيف من وطأة الأزمة الاقتصادية الراهنة وخصوصا مشكلة البطالة فيوظفون بعض أموالهم التي ادخروها إبان وجودهم بالخليج في شراء الشباب اليائس.
كما تبدو مسئولية النظام الحاكم أيضا في إيجاد حالة من الفراغ السياسي بعد تدجين بعض الأحزاب التي لم نعرف اسمها وأسماء مؤسسيها إلا في انتخابات الرئاسة ومحاصرة الأحزاب خاصة التجمع والوفد والناصري، وتحريم الاشتغال بالسياسة في المؤسسات التعليمية، هذا فضلا عن حالة اليأس العام، والفساد والتردي، والتي تجعل الشباب المستقيم - علي الأقل - يلجأ إلي الدين طلبا للآخرة بعد اليأس من الدنيا.
تلك وغيرها هي العوامل التي أفضت إلي ظهور الإخوان بالصورة الأخيرة في الانتخابات التشريعية.
الاستثناء والقاعدة
- من خلال قراءتك لأحداث التاريخ العربي كانت هناك أحداث مشابهة لما نمر به الآن، وكان دائما هناك تبدل وتحول، كيف تري الخروج من هذا المأزق التاريخي الذي نمر به الآن؟
-تثبت وقائع التاريخ الإسلامي علي مدار زمانه الطويل واتساع نطاقه المكاني، أن حركة التاريخ تسير صعودا، قد تحدث انتكاسات، أو ما يشبه التوقف لكن ذلك هو الاستثناء وليس القاعدة.
في عصور الأزمات تظهر النزاعات الطائفية والعرقية لكنها في التحليل الأخير مجرد بثور يمكن أن تختفي بعد تصحيح المسار.
أما عن إمكانية حدوث التغيير علي المدي القريب أو المتوسط في المجتمعات العربية، فأستطيع أن أتصور استنادا إلي الواقع ما يلي:
أولا: إن النظام القائم والمهيمن والذي تسبب في الفساد والإفساد لا يمكن أن يأتي الإصلاح عن طريقه بوجوهه واتجاهاته وسياساته بما يعني تعاظم تراكمات الأزمة بما يفضي بالضرورة إلي انفجار.
ثانيا: إن القوي الوطنية عليها أن تراجع مواقفها خصوصا من النظام القائم الذي نجح، فضلا عن حصارها داخل مقارها المتهدمة، في إغراء بعض زعاماتها، الوقت أحوج الآن إلي عمل جبهوي بين القوي الوطنية التقدمية حيث إن الأزمة تمس الجميع فلا وقت ولا مجال لخلافات أيديولوجية حول بعض التصورات المختلفة.
وعليها أن تستفيد من تجارب التاريخ في إطار العمل الجبهوي في الإنفاق علي القواسم المشتركة لمواجهة النظام القائم.
ثالثا: إن المواجهة قد لا تحسم علي المدي القريب لا لشيء إلا لأن الظروف الموضوعية الداخلية، لم تعد داخلية فقط، بل أسهم في صناعتها وصياغتها عامل خارجي بما يجعل المواجهة مزدوجة.
نظام طاغ في الداخل وخطر خارجي يتمثل في الولايات المتحدة التي هي غير مؤهلة لقيادة العالم.
والتي حاولت عبثا إرجاع عجلة التاريخ إلي الوراء بالعودة إلي الاستعمار الاستيطاني وهذا - في حد ذاته - يشكل عبئا جديدا لكن مواجهته غير مستحيلة، خصوصا أن غطرسة القوة عجزت عن مواجهة المقاومة العراقية التي أزعم أنها أوقفت علي الأقل المخطط الأمريكي بما ينبيء بإمكانية الفعل بهدف المواجهة.
وأدهش لبعض الكتابات الصفراء التي تحاول أن تنال من هذه المقاومة التي أربكت السياسة الأمريكية وأراهن علي تداعيات هذا الإخفاق في الشارع الأمريكي نفسه.
باختصار:
أقول إن الدرس الأول الذي تعلمناه من التاريخ يثبت نجاح المواجهة المسلحة بالحق والحقيقة.
الدعاة الجدد
- بالنسبة للمؤسسة الدينية تواري دورها في الوقت الراهن في ظل تصاعد تيارات أخري، تنسب لنفسها حق التأويل، فأين المرجعية - إذن - وسط هذا التخبط؟
-بالنسبة للمؤسسة الدينية أشهرت إفلاسها حتي علي مستوي الشارع إذ أسفرت عن أنها مجرد كهنوت مبرر ومسوغ للسلطة.
فشيخ الأزهر علي سبيل المثال مشغول بأحاديث تليفزيونية وكتابات صحفية حول «نساء الإسلام» أو تقديم نصائح أشبه بتلك التي كانت تكتب علي غلاف كراريس الأطفال في المدارس متعاميا بالكلية عما يجري علي الساحة.
والظهور المبهر لجماعة الإخوان أري أنه غير مخيف، فهو مجرد فقاعات كنتيجة لوضع ظرفي أشرنا إليه سابقا.
و«الدعاة الجدد» يلحون علي ما يسمي ب «أدب الرقائق» وإثارة الانفعالات والمشاعر والعواطف بينما هم يتاجرون بالدين.
لكن مع ذلك ثمة علماء للدين مستنيرون ومهمومون بقضايا الوطن وقضايا الأمة ويقدمون الإسلام علي حقيقته.
أذكر في هذا الصدد أسماء وزير الأوقاف السوداني والشيخ خالد الجندي ود. آمنة نصير.
خصوصا أن تجديدهم للفكر الديني ينبع من داخل المؤسسة الدينية نفسها بما يمكن أن نشبههم ب «البروتستانت» بالنسبة للكنيسة الكاثوليكية، والأمل معقود علي هؤلاء في إصلاح الفكر الديني وتجديد الشريعة بما يتسق مع الإسلام روحا ومبادئ.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة