الفنان العربي الكبير دريد لحام يتحدث إلي «الأهالي»:
الضغوط الأمريكية أدت إلي تماسك المجتمع السوري وفتح نوافذ الإبداع
سهام العقاد
لم يتنازل عن مبادئه يوما، وأعاد جواز سفره الدبلوماسي
للأمم المتحدة حينما كان سفيرا للنوايا الحسنة، لم ينتم
لتيار سياسي بعينه واختار الفن وسيلة للتعبير عن أفكاره
وطموحاته الجريئة إنه الفنان السوري الكبير دريد لحام
المولود في دمشق، والذي امتلك روح الفكاهة والبساطة في
الأداء ورهافة الحس رغم أنه لم يدرس فنون التمثيل في
المعاهد الأكاديمية بل درس الفيزياء والكيمياء وعمل في
التدريس حتي عام 1959 إلي أن توجه إلي التمثيل.
لمع دريد لحام في السبعينات واشتهر بأداء شخصية «غوار
الطوشة» التي أداها في مسلسل «حمام الهنا» و«مقالب غوار»،
ثم اتجه إلي السينما في الثمانينات وقدم باقة من الأفلام
السينمائية الناجحة التي تميزت بالجرأة في التناول ومن
بينها «الحدود»، «التقرير»، «خياط السيدات»، «كفرون»،
«اللص الظريف».
كما حقق نجاحا باهرا في المسرح خاصة في تجاربه التي قدمها
مع الشاعر الكبير محمد الماغوط ومنها: «كاسك يا وطن»،
«غربة»، «شقائق النعمان»، «ضيعة تشرين».
كما اختير عام 1999 وحتي عام 2004 سفيرا للنوايا الحسنة
لمنظمة اليونيسيف في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
وحصل علي العديد من الأوسمة والنياشين منها: وسام الكوكب
الأردني عام 1956، ووسام الاستحقاق السوري، والوشاح الليبي
عام 1991، ووسام الأرز اللبناني برتبة فارس عام 1999 ونال
شهادة تقدير حاكم مدينة لوس أنجلوس.
ومؤخرا عرض فيلمه الجديد «الآباء الصغار» في نقابة
الصحفيين ثم في قصر السينما - ودور السينما - حيث منحته
هيئة قصور الثقافة درع الثقافة تقديرا لدوره في مساندة
قضايا الأطفال عبر أعماله الفنية المتنوعة.
حول مسيرته الفنية وتجربته وفيلمه الأخير كان هذا الحوار:
- كيف كانت تجربتك مع الإخراج والتأليف والتمثيل في فيلم
«الآباء الصغار»؟
-- قال الفنان دريد لحام: الأصعب بالنسبة لي هو اللجوء
لمخرج آخر، ربما لا يعرف تفاصيل الفكرة كما أريدها، وهنا
في فيلم «الآباء الصغار»، فالموضوع شائك وحساس ويتعلق
بالأسرة، وأتصور أنني أكثر قدرة علي إظهار فكرتي أكثر من
غيري كما أن كثيرا من الكوميديانات في العالم قاموا بإخراج
أعمالهم، وبدأ ذلك مع شارلي شابلن، كما أن ودي آلن كان
يؤلف أعماله ويخرجها ويمثلها بنفسه.
- ولماذا توجهت لإنتاج فيلمك في القاهرة؟ وهل يعني ذلك أن
هناك أزمة إنتاج سينمائي في سوريا؟
-- الحقيقة أن عملية الإنتاج بين مصر وسوريا كانت قائمة
منذ فترة طويلة، ترجع إلي الستينيات لكنها انقطعت للأسف،
وفيما يخص فيلم «الآباء الصغار» فهو من إنتاج شركة «تخيل»
المصرية، ورئيس مجلس إدارتها صديقي وكان يود أن يكون بيننا
تعاون، وبالفعل عندما عرضت عليه السيناريو رحب بأن يكون
هذا الفيلم هو باكورة إنتاجه السينمائي.
محاولات متواضعة
وفيما يخص صناعة السينما في سوريا يقول دريد لحام: لا
أعتقد أن لدينا في سوريا صناعة سينما، بل لدينا مجرد
محاولات سينمائية متواضعة للغاية، لدرجة أنه لا يتجاوز
الإنتاج أكثر من فيلم أو فيلمين في العام.
- ألم ينعكس الصعود الملحوظ للدراما السورية علي السينما؟
-- قال: لا.. لأن المسألة تختلف كثيرا، خاصة أن انطلاق
الدراما السورية جاء بعد أن تقلص دور الدولة ورفعت وزارة
الإعلام يدها عنها تماما وباتت تحت رعاية القطاع الخاص
وبالتالي أصبح لدينا أكثر من مائة شركة إنتاج تليفزيونية،
وهذا تحديدا ما ساهم في صعود الدراما السورية وانطلاقها.
الغرور القاتل
- هل توافق وجهة النظر التي تقول إن الدراما المصرية
تراجعت لحساب الدراما السورية؟
-- أقول صراحة إن هذا الكلام يحمل الكثير من الغرور
القاتل، خاصة عندما يوجه إلي بلد عريق مثل مصر التي هي
معقل للثقافة والفنون في العالم العربي.
- العالم الآن يربط بين المقاومة والإرهاب.. فما أثر ذلك
علي علاقتك بمنظمة الطفل الدولية «اليونيسيف»؟
-- بالفعل لقد حدث معي ذلك وقدمت استقالتي بل وتنازلت عن
جواز سفري الدبلوماسي للأمم المتحدة، بعدما أثيرت زوبعة
ضدي أحدثت غضبا واسعا لمجرد أنني أعلنت أكثر من مرة ومن
جنوب لبنان وعلي حدود الإسرائيليين بأنني فخور بصداقتي
للمقاومة، ولأن المقاومة تعني لهم الإرهاب فاعتبروني أدعم
وأؤيد الإرهاب.
أنا لم أكن سفيرا للنوايا الحسنة لأنني أحمل جواز سفر
دبلوماسيا، بل لأنني بالفعل أمارس هذه النوايا علي أرض
الواقع، علما بأن تجربتي كانت ثرية وإيجابية وكنت أسعي
لمساعدة الأطفال قدر استطاعتي خاصة في مجال تلقيح الأطفال
ضد الأمراض المزمنة وفي مقدمتها شلل الأطفال.
- وكيف تنظر لأبعاد الضغوط الأمريكية علي سوريا؟ وإلي أي
مدي انعكست هذه التهديدات علي العملية الإبداعية؟
-- هذه الضغوط في نظري تحرض علي الإبداع وتقوية لذلك أنا
من أنصار زيادة الضغوط الاقتصادية حتي نصير شعبا أكثر
تماسكا، وتحضرني الآن كلمات جبران خليل جبران: «يا ويل
الأمة التي لا تأكل مما لا تزرع.. وتلبس مما لا تصنع».
فالاعتماد علي الذات دون الاستيراد وبعيدا استهلاك ما
ينتجه الآخرون سيجعلنا بالتأكيد أقوي، وأؤكد أن هذه
التهديدات لم تنل أبدا من الإرادة السورية بل تحفزنا علي
الخلاص.
أدب الاحتجاج
- كيف تري تداعيات الأزمة التي فجرتها الرسوم المسيئة
للرسول - صلي الله عليه وسلم؟
-- أنا أؤيد استمرار المظاهرات السلمية حتي لا تتكرر هذه
الإساءات، وأتفق مع مختلف ألوان الاحتجاج التي تبعد عن
العنف وحرق السفارات أو تدميرها لأن الشعب الاسكندنافي ليس
مسئولا عما حدث.
وهج الفنان
- قدمت من قبل إعلانات للشوتايم للترويج للقيم التربوية..
فكيف تنظر للفنانين الذين يروجون للسلع الاستهلاكية؟
-- في الواقع أنا لا أقدم إعلانات إلا إذا ارتبطت بقيم
ثقافية وتعليمية، وبالتالي لا يمكن أن أقدم إعلانات
للكوكاكولا، رغم انتشار ذلك في العالم كله، وكبار الفنانين
يقومون بذلك، لذا لا أعتقد أن الأمر يحمل كوارث، لكن الأهم
ألا تنال تلك الإعلانات من وهج الفنان وألا تضعه في مكانة
أقل في عيون جمهوره.
ضد الحكومة
- هل تعرضت للاعتقال من قبل؟
-- قال ضاحكا: نعم لعدة ساعات فقط وكان ذلك في الخمسينيات،
عندما كنت طالبا وشاركت في مظاهرة ضد الحكومة.
- هل يعني ذلك أن لك انتماءات سياسية أو علاقة ما
بالأحزاب؟
-- أنا حزبي هو الوطن الذي يحتضن كل التيارات التقدمية
واليسارية والاشتراكية وحتي اليمينية، إنه الوعاء الذي يضم
الجميع، لذا اخترت الفن لأمارس فيه أفكاري وآرائي، وأفلامي
إنسانية لكنها تطرح مختلف القضايا السياسية.
الإحساس بالغبن
- تعاونت مع الشاعر الكبير محمد الماغوط في معظم أعمالك
المسرحية.. فلماذا حدثت الفرقة؟
-- لقد حدث بيننا سوء تفاهم لكنه لم يصل إلي حد الخلاف،
ويحدث ذلك أحيانا بين الثنائيات خاصة عندما يحدث إحساس
بالغبن لدي أحد الطرفين، فقد شعر الماغوط أنه لا ينال حقه
إعلاميا مثلي، وبطبيعة الحال أدي ذلك لنشوء بعض الحساسيات.
لكن الآن الأمور استقرت بيننا، والآن يعكف علي كتابة فيلم
سينمائي بعنوان «المسافر» وسوف أقوم ببطولته، وفي كل
الأحوال إنه الشاعر الأكثر أهمية في العالم العربي، وكاتب
مقال سياسي من الطراز الرفيع.
- وماذا عن مشروعاتك المقبلة؟
-- لدي رغبة كبيرة في التعاون السينمائي مع الفنان الكبير
عادل إمام، وبالفعل بدأت في كتابة سيناريو يجمعنا، وأيضا
لدي رغبة في العمل المسرحي مع النجم محمد صبحي وتحدثت معه
بالفعل لكننا لم نتخذ إجراءات عملية، لذا فلايزال الأمر في
مرحلة الأفكار والأمنيات.