هناك بعض من الفنانين لا يجيدون الدعاية والترويج
لأعمالهم، يعملون في صمت ودأب، ولا يتنازلون عن كبريائهم
بعرض أنفسهم علي المنتجين والمخرجين، ليس ترفعا إنما
احتراما لفنهم ولتاريخهم الذي لا يملكون غيره، وهم أشبه
بالطيف الذي يحضر ويمضي دون إحداث أي ضوضاء، بينما يبقي
بريقه فضفاضا ولامعا 00 أعمالهم الجيدة والمتميزة تتحدث
عنهم، وتعبر عن مدي قدرتهم وإمكاناتهم بعيدا عن الأساليب
الرائجة والتي يجيدها الآخرون، ومن هؤلاء الفنان القدير
الراحل أبو بكر عزت0 فعندما كان يتصدي لدور من الأدوار
الصعبة وغير المعتادة كان يبلي بلاء حسنا يلقي التقدير
والاستحسان من الجماهير والنقاد0
شهد المسرح أولي بدايات أبو بكر عزت، ولعب علي خشبته
العديد من الأدوار والشخصيات الفنية من خلال فرقة المسرح
الحر الذي قدم بها العديد من الأعمال، وكانت مسرحية «قصر
الشوق» للأديب الكبير نجيب محفوظ هي أول احتكاك حقيقي له
بعالم الاحتراف، ثم تبعها بأعمال أخري، واشترك في أعمال
كثيرة مع فرقة عبد المنعم مدبولي، وفؤاد المهندس حتي ثقلت
موهبته وتكونت شخصيته الفنية في وقت مبكر، ثم اتجه بعد ذلك
لمسارح الدولة ليبدأ مسيرته الفنية التي استمرت أكثر من
أربعين عاما، ليكون علي موعد مع الشهرة في مسرحية «الدبور»
أمام ليلي طاهر وإبراهيم سعفان، وهو العمل الذي شهد شهرته
واتساع قاعدته الجماهيرية، وتوالت بعد ذلك مسرحيات «المفتش
العام»، و«الدلوعة» وهي مسرحية من تراث نجيب الريحاني التي
شاركه في بطولتها فريد شوقي ونيللي، ثم «سكة السلامة»
و«سنة مع الشغل اللذيذ» و«البيجاما الحمراء» ورائعة عبد
الرحمن الشرقاوي «الأرض»0 كما حازت مسرحية «الدخول
بالملابس الرسمية» مع سهير البابلي وإسعاد يونس علي شهرة
واسعة وكذلك مسرحية «العالمة باشا» مع سهير البابلي أيضا
الذي توجت تاريخه المسرحي الكبير0
ومع انتشاره الفني من خلال أعماله المسرحية، بدأ يتجه إلي
السينما وقدم أعمالا كثيرة في أدوار ثانوية مثل «النظارة
السوداء» مع نادية لطفي وأحمد مظهر، و«هارب من الزواج» مع
فؤاد المهندس وشويكار، و«زوج في إجازة» ثم «معبودة
الجماهير» مع عبد الحليم حافظ وشادية، ثم «ميرامار» مع
شادية ويوسف شعبان وعماد حمدي ، و«إجازة صيف»، ثم شارك
فريد شوقي بطولة فيلم «30 يوم في السجن» بدوره الشهير
(مدحت الشماشيري) في قفزة غير مسبوقة لم تدم كثيرا، ولم
يستغلها 00 فقد كان الفيلم كفيلا بفتح أبواب كثيرة أمامه،
ثم واصل الأعمال السينمائية في «سوق الحريم» و«علي ورق
سوليفان» «الاحتياط واجب» مع أحمد زكي ومديحة كامل،
و«القطار» مع نور الشريف وميرفت أمين والفيلمان الأخيران
من إخراج أحمد فؤاد، و«خائفة من شيء ما» مع عزت العلايلي
ونجوي إبراهيم، و«أفواه وأرانب» مع فاتن حمامة ومحمود
ياسين، «فوزية البرجوازية» قصة الكاتب الكبير أحمد رجب،
و«لصوص خمس نجوم»، و«استقالة عالمة ذرة»، و«الزمن
والكلاب»، لكن المخرجين حاصروه في دور الشرير الذي أجاد
فيه، وأصبح من الصعب الخروج من هذه الدائرة التي برع فيها
وأصبحت أدوارها وشخصياتها محجوزة له نظرا لقدرته الفائقة
علي تقمصها وادائها0 وأيضا استسهال المخرجين، ولم يخرجه من
هذه الدائرة سوي المخرج المتميز عاطف الطيب كما سنورد في
السطور التالية0
وتأتي التسعينيات لتشهد انطلاقة جديدة لأبو بكر عزت، حيث
تم إسناد بعض الأدوار المهمة التي أصبحت علامة في تاريخه
الفني، فخلال هذا العام قدم أفضل أربعة أفلام خلال مشواره
الفني، بداية من فيلم «الإمبراطور» عام 1990 للمخرج طارق
العريان مع أحمد زكي ومحمود حميدة ورغدة وقام بدور تاجر
مخدرات، وفي عام 1991 قدم فيلم «الهروب» مع أحمد زكي وعبد
العزيز مخيون وحسن حسني من إخراج عاطف الطيب، والذي لعب
فيه شخصية ضابط الشرطة الذي يقف أمام ممارسات رؤسائه في
تحريك القضايا لخدمة أغراضهم وتغييب وعي الناس، وفي عام
1992 قدم دورا من أفضل أدواره في فيلم «ضد الحكومة» أمام
أحمد زكي ولبلبة وعفاف شعيب، حيث كان يقوم بدور المحامي
الكبير الذي يدافع عن الحكومة من خلال الوقوف أمام محامي
التعويضات الذين يحاولون إحراج بعض المسئولين الكبار0
ويأتي عام 1997 ودوره العبقري في أول بطولة مطلقة له من
خلال فيلم «المرأة والساطور» أمام النجمة نبيلة عبيد ومن
إخراج سعيد مرزوق في دور نصاب يغرر بامرأة وينجح في السطو
علي كل أملاكها، حتي تضطر في النهاية لقتله، وقد نال جائزة
التمثيل الأولي عن هذا الدور من مهرجان القاهرة السينمائي
الدولي0
أما في التليفزيون فقد استطاع أبو بكر عزت أن يحتفظ بمكانة
مرموقة وسط أبناء جيله من الفنانين وقدم أعمالا متميزة
مازالت محفورة في أذهان الجماهير مسلسل «هو وهي، والزوجة
أول من تعلم، الشاهد الوحيد، عصفور في القفص، وعلي الزيبق،
وزمن عماد الدين، والمسلسل الشهير «لا» للكاتب الكبير
مصطفي أمين، وأرابيسك وزيزينيا لأسامة أنور عكاشة، وبنت
أفندينا وعلي نار هادئة آخر أعماله»0
يعتبر أبو بكر عزت من طليعة الفنانين الذي شهدوا بدايات
الإرسال التليفزيوني المصري في أوائل الستينيات ، وواكب
البدايات الأولي للدراما التليفزيونية وشكل مع أبناء جيله
من الرواد النواة الأساسية للعمل الدرامي في ذلك الوقت
والذي عرف بجيل الأبيض والأسود، حيث كان العمل حينذاك
يتطلب مجهودا وعناء كبيرين، في وقت لم يشهد فيه فن
المونتاج هذا التطور المذهل الذي طرأ عليه، ورغم أنهم
كانوا يعملون في أجواء شديدة الصعوبة، إلا أن عطائه ظل
متواصلا، ولم يقف الأمر عند التليفزيون فقط، بل كان له
إسهامات كبيرة في الإذاعة0
ظل أبو بكر عزت وفيا لفنه مؤمنا بقناعاته غير عابئ بأي
طموح مادي، ولم يلهث وراء الشهرة، وكل ما كان يشغل باله هو
التجديد والتطور وتقديم أعمال متميزة وثيقة الصلة بالناس
وتحترم عقولهم0
إن الكلام عن جيل العمالقة وزمن الفن الجميل ليس معنيا به
ما كان يقدم فقط، ففي كل زمان ومكان هناك فن ردئ وفن جيد،
لكن هؤلاء الأساتذة الكبار العظام وفي الصفوف الأولي أبو
بكر عزت كان الفن بالنسبة لهم هو الشريان الذي تسري فيه
دماؤهم والرئة التي يمر من خلالها الهواء0
كان الفنان الكبير أبو بكر عزت من الفنانين القلائل الذين
لم يتعرضوا للشائعات، بل نستطيع أن نجزم أنه لم تطله أي
إشارات لمز أو غمز طوال مشواره الفني، فقد كان الحاضر
بأعماله، الغائب عن جلسات النميمة والاغتياب، اقتصرت
أخباره علي الأعمال التي يقوم بها0 حتي إنه كان لا يكثر من
أحاديثه الصحفية، ورغم أنه فنان متميز ومبدع، ولا يختلف
عليه أثنان، إلا أنه ظل في منطقة وسطية ومعتدلة، قدم
شخصيات كثيرة ومتنوعة علي مدار تاريخه الفني0
ظل أبو بكر عزت يعمل حتي اللحظات الأخيرة من حياته، فلم
يمهله القدر من تكملة مسلسل «ومضي عمري الأول» الذي أنهي
بالفعل نصف المشاهد المخصصة له، وجاء خبر رحيله صدمة كبيرة
لجماهيره في مصر والوطن العربي، لكن عزاءنا أن أعماله
وسيرته الطيبة ستكون عوضا لنا00 رحم الله أبو بكر عزت ذلك
الفنان المحترم، الذي كان يروج للقيم والأخلاق، ولم يتنازل
عن قناعاته في يوم من الأيام0