احتياطي البترول.. مصدر للقوة الاستراتيجية وأحد الثروات العظمي في التاريخ
العراق .. هل يشعل حرب حربا نووية؟
مرفت محسن « أ ش أ»
يقول بول ستريت أستاذ التاريخ الأمريكي بجامعة
ايللينوي إن " قول الحقيقة " يعني بالمعايير الأخلاقية
والقانونية "قول كل الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة " . ومن
هنا يمكن الجزم بأن المحلل السياسي تيد كوبيل لم يقل كل
الحقيقة في مقاله المنشور بصحيفة نيويورك تايمز عدد 25
فبراير الماضي . فقد انتقد بعنف إدارة بوش علي رفضها
الاعتراف بأن " البترول " هو سبب احتلال الولايات المتحدة
للعراق .
ويضيف بول ستريت في تحليله الذي بثه الموقع الإعلامي
الأمريكي " زد - نيت " علي الإنترنيت إن إدارة دابليو بوش
لا تنفي فقط أن البترول له أي علاقة ب " عملية تحرير
العراق " بل تقول أيضا إن الادعاء بأن "أمريكا احتلت
العراق بسبب البترول" هو ادعاء " غير مسئول " و "غير نزيه"
و "مشين " .
ويقول المحلل السياسي الأمريكي تيد كوبيل إن منطق إدارة
بوش السخيف مرفوض من جانب كل من لم يصدقوا أبدا الخط
المذهبي للبيت الأبيض عن امتلاك العراق "لأسلحة دمار شامل
" ورغبة الإدارة في تصدير " الديمقراطية " إلي العراق
والشرق الأوسط .
ويعلن كوبيل أنه ليس هناك ما يدعو إلي الخجل من السبب وراء
وجود أمريكا في العراق .. وأن البترول ليس فقط سببا
للاحتلال الأمريكي للعراق لكنه أيضا السبب وراء ترديد
الإدارة الأمريكية انه " لا يمكنها تعجل سحب قواتها من
العراق الان".
ويري كوبيل أن أمريكا العظمي "مدمنة" للأسف لبترول ما وراء
البحار وتصر منذ زمن طويل علي "تدفق امدادات البترول من
الخليج العربي" بلا عقبات . ولا يمكن للولايات المتحدة
القبول بأن يسيطر علي هذا المصدر الحيوي للطاقة الآخرون
سواء كانوا الشيوعيين الإيرانيين وحلفائهم السوفيت في
الخمسينيات أو آيات الله الإيرانيين في السبعينيات أو
الأصوليين الإسلاميين اليوم .
وخصص كوبيل الجزء الأكبر من مقاله في نيويورك تايمز
لاستعراض المناسبات المتتالية التي تحرك فيها العم سام
لضمان التدفق الأمن للبترول من الخليج العربي .. بما في
ذلك التعاون البريطاني الأمريكي الآثم للإطاحة برئيس
الحكومة الإيرانية المنتخب ديمقراطيا محمد مصدق في عام
1953 ومساندة أمريكا لديكتاتورية الشاه محمد رضا بهلوي بين
عامي 1967 و 1979 .
ومما يستحق الذكر أن كوبيل أبرز " مذهب كارتر " الشهير
الذي أكد أن أي محاولة من جانب قوي خارجية للسيطرة علي
بترول منطقة الخليج العربي سينظر إليها علي إنها اعتداء
علي المصالح الحيوية للولايات المتحدة .. وسيتم التصدي
لمثل هذا الاعتداء بكل الوسائل الضرورية بما في ذلك القوة
العسكرية.
ويعتقد كوبيل أن إقامة قواعد عسكرية أمريكية في السعودية
وعملية عاصفة الصحراء لتحرير الكويت من الغزو العراقي كلها
أمور تعكس عزم أمريكا الواضح علي حماية اقتصادها من خلال
"الدفاع عن تدفق بترول الشرق الأوسط بحرية".
ويعقب الاستاذ الجامعي الأمريكي بول ستريت بأن تيد كوبيل
لم يذكر "الحقيقة كاملة "عن سبب اهتمام صانعي السياسة
الأمريكية إلي هذا الحد ببترول الشرق الأوسط. فقد وصفت
وزارة الخارجية الأمريكية في عام 1945 احتياطي المنطقة من
البترول بأنه " مصدر كبير للقوة الاستراتيجية وأحد الثروات
العظمي في التاريخ ". ولذا اعتبر المخططون الأمريكيون
-مثلما يقول المحلل السياسي الأمريكي ناعوم شومسكي- بترول
الخليج العربي " عاملا يساعد علي الانفراد بالهيمنة علي
العالم .. ولو نجحت الولايات المتحدة في السيطرة علي
العراق فانها تعزز بلا حدود قوتها الاستراتيجية وتعزز -ما
اسماه زبيجنيو بريزينسكي مستشار كارتر للأمن
القومي-"النفوذ الأمريكي علي اوروبا وآسيا".
ومما يجعل فكرة الاستحواذ علي بترول الشرق الأوسط "متسلطة"
علي الساسة الأمريكيين "فقدان" أمريكا علي نحو متزايد
"تفوقها" في مجالات رأسمالية أساسية مثل الانتاج والتجارة
والشئون المالية والعملة ..وبزوغ العملاق الصيني الذي بات
يمثل منافسا عسكريا واقتصاديا جديدا علي الصعيد
الاستراتيجي .. وينقل الاستاذ الجامعي الأمريكي بول ستريت
عن المحلل السياسي الأمريكي ديفيد هارفي قوله إن "افول
نجم" أمريكا علي نحو ينبيء "بتحولات متوقعة" في اتجاهات
الاستثمارات الرأسمالية علي الصعيد الجغرافي يدفع
الامبراطورية الأمريكية إلي تعزيز سيطرتها علي بترول الشرق
الأوسط واستغلاله " كورقة ضغط علي دول أكثر اعتمادا من
الولايات المتحدة علي النفط في توليد الطاقة مثل بلدان
أوروبا الغربية وشرقي آسيا التي تتحدي السلطة الاقتصادية
للولايات المتحدة ".
والأمر الآخر الذي لا يعرفه كوبيل أو لا يريد الافصاح عنه
- في رأي الاستاذ الجامعي الأمريكي بول ستريت -ان الولايات
المتحدة تخشي بنفس الدرجة ان تسيطر "عناصر شرق أوسطية" علي
الذهب الأسود في المنطقة .. فأغلبية العراقيين من الشيعة
وسيلجأون -علي الأرجح- في حالة الاستقلال الوطني الحقيقي
لبلادهم إلي إقامة "شراكة قوية مع إيران الشيعية الغنية
أيضا بالنفط" ليتحقق بذلك "الكابوس الأكبر" الذي يخيف
واشنطن وبخاصة عندما يتعاون هذا التحالف الشيعي العراقي
الإيراني مع شرقي آسيا حيث تتوق الصين وغيرها إلي اقامة
علاقات قوية مع إيران والعراق.
وينقل بول ستريت عن ناعوم شومسكي في الختام قوله إن
الولايات المتحدة يمكن أن تلجأ إلي حرب نووية للحيلولة دون
أن يري مثل هذا التحالف الشيعي النور .