من أدبيات السجون المصرية انه عندما يدخل "إيراد" جديد
إلى السجن يكون هؤلاء النزلاء المستجدون فى حالة نفسية
سيئة. وهذا أمر طبيعى لانهم سيحرمون من الحرية بطول المدة
المحكوم عليهم بها، فضلا عن الرهبة من تجربة السجن لاول
مرة، خاصة ان سمعة سجوننا سيئة تاريخياً، حيث الداخل إليها
مفقود والخارج منها مولود.
فى هذه اللحظة الرهيبة ينبرى أحد المساجين القدامى، وعادة
ما يكون من المحكوم عليهم بالسجن المؤبد، ليسأل النزيل
المستجد باستنكار: ما مدة الحكم الصادر ضدك؟
فإذا جاءه رد الزبون الجديد: سنة أو سنتان أو حتى ثلاث
سنوات، يوبخه النزيل المخضرم قائلاً: هذه الفترة التافهة
ستمر قبل ان تهضم الأكل "الملكى" الموجود فى معدتك.. فلا
داعى للبكاء والعويل !
والمدة المحكوم بها على زميلنا عبد الناصر الزهيرى الصحفى
بجريدة "المصرى اليوم"، هى بهذا المنطق "مقدور عليها".
لكنها إذا كانت " بسيطة" بمنطق العبيد والمحرومين من
الحرية حرماناً "مؤبداً"، فانها بمنطق الأحرار أطول من ليل
المريض.
فلا يوجد فى العالم بأسره سوى أربع عشرة دولة هى التى تجيز
حبس الصحفيين، وغير الصحفيين، فى قضايا النشر. بينما
الأغلبية الساحقة من الدول قد تخلصت من وصمة الزج بخلق
الله إلى غياهب السجون فى مثل هذه القضايا .
ومن العار ان تكون مصر- مهدا لحضارة الإنسانية – واحدة من
هذه الأقلية الخارجة على الإجماع العالمى.
وهذه الأغلبية الساحقة من دول العالم التى لا تحبس
الصحفيين فى قضايا النشر، لا تترك لهم الحبل على الغارب
ليكتبوا ما يشاءون دون حساب، أو ليعيثوا فى الأرض فساداً.
فلا توجد "حصانة" لاى صحفى فى اى مكان على ظهر الكرة
الأرضية . بل العكس هو الصحيح، حيث هناك قوانين اكثر من ان
تعد أو تحصى تعد على الصحفيين أنفاسهم وتحاسبهم على كل
شاردة وواردة . فإذا ما ثبت عليه اى تجاوز فانه يعاقب
ويحاسب حساب الملكين ، وذلك بتوقيع غرامة معتبرة عليه وعلى
جريدته.
وليست السلطة القضائية هى الجهة الوحيدة التى تقف للصحفيين
بالمرصاد، وانما هناك أيضا نقابات الصحفيين التى من واجبها
الدفاع عن مصالح أبناء المهنة وأيضا التصدى لمن يتجاوز
منهم أصولها وتقاليدها. وتصل العقوبات الواردة فى مواثيق
الشرف الصحفية فى بعض نقابات الصحفيين إلى حد الشطب من
جداول المشتغلين إذا ثبت سوء النية.
وإذا لم يكن هذا يتم تطبيقه حاليا من جانب نقابة الصحفيين
المصرية ، فان أحد أسباب ذلك هو استمرار سيف الحبس معلقاً
فوق الرءوس . فليس معقولاً ان يكون الصحفى مهدداً بالحبس
وتقوم نقابته بعقابه مرة ثانية فى الوقت نفسه.
والسبب الثانى لعدم إعمال ميثاق الشرف الصحفى حاليا هو
التلكؤ فى إصدار تشريع يكفل حصول الصحفى على المعلومات دون
عراقيل أو عقبات، كما يكفل تجريم حجب المعلومات عن
الصحفيين، ومادامت المعلومات ليست متاحة للصحفى بصورة
كافية وسلسة وقانونية ، فانه من غير المنطقى لوم الصحفى
إذا نشر أخباراً مجهلة.
وبالتالى .. فانه إذا تم إلغاء عقوبة الحبس فى قضايا
النشر، واستبدال الحبس بالغرامة، وإذا ما تم ضمان وتأمين
تدفق المعلومات.. فانه يمكن – بل يجب – تطبيق ميثاق الشرف
الصحفى بكل حزم ضد اى صحفى يتجاوز الأصول والتقاليد
المهنية، وخاصة فيما يتعلق باحترام خصوصية آحاد الناس. لان
هذا فى صالح الصحفيين وصالح مهنة البحث عن المتاعب قبل ان
يكون فى صالح المجتمع.
والأخطر فى حالة الحكم على زميلنا عبد الناصر الزهيرى، هو
تصورنا أننا قد تجاوزنا مرحلة الجدل حول بقاء الحبس فى
قضايا النشر أو إلغائه.
وتصورنا أن هذه مسألة تم حسمها والانتهاء منها بصدور وعد
من الرئيس حسنى مبارك باتخاذ الإجراءات اللازمة لإلغاء
كافة المواد القانونية التى تجيز حبس الصحفيين، وغير
الصحفيين، فى قضايا النشر (وليس فيما عداها بطبيعة الحال)
لكن هذا الوعد الرئاسى تعرض لمشكلتين :
المشكلة الأولى هى التفاف البيروقراطية العتيدة وترزية
القوانين حوله، وإدخاله متاهات لا تقل تعقيداً عن بيت جحا
تنتهى إلى رفوف التأجيل الذى امتد إلى عامين حتى الآن .
المشكلة الثانية هى تجاهل عدد من المسئولين – ومنهم وزير
الإسكان السابق محمد إبراهيم سليمان – لوعد الرئيس،
وهرولتهم إلى القضاء لمحاولة تطبيق نفس المواد القانونية
التى وعد رئيس الجمهورية بإلغائها. وكأنهم يتعمدون السير
فى طريق غير الطريق الذى اختاره رئيس الدولة ووعد بالمضي
فيه، بما سيتضمنه ذلك من إحراج له وإساءة إلى وعوده التى
قطعها على نفسه علانية، فضلاً عن زعزعة ثقة الناس فى
النظام بأسره.
وتصبح الآثار السلبية لمثل هذا السلوك الذى يقدم عليه بعض
المسئولين – ومنهم وزير الإسكان السابق محمد إبراهيم
سليمان- مضاعفة فى وقت يتحدث فيه الجميع عن الإصلاح
السياسى والدستورى والاقتصادي والاجتماعى والثقافى. فبدلاً
من ان نتحرك خطوة إلى الأمام، يعود بنا هؤلاء خطوات إلى
الوراء.
والمصيبة ان هذا لا يؤدى فقط إلى زرع بذور الشك فى جدية
الخطاب الرسمى عن الإصلاح، وانما يؤدى أيضاً الى إعطاء
ذرائع للقوى الأجنبية للتنطع على شئوننا الداخلية،
وإعطائنا الدروس عن ضرورة الإصلاح وكيفية القيام به.
وربما كان هذا هو ما جعل وزير الإعلام أنس الفقى يسارع إلى
التأكيد على أن وعد الرئيس حسنى مبارك بعدم حبس الصحفيين
فى قضايا النشر قائم. وان مشروع القانون الخاص بهذه
المسألة جاهز للعرض على مجلس الشعب فى الدورة البرلمانية
الحالية .
ولعل محمد إبراهيم سليمان يكون قد قرأ هذا التصريح الصادر
عن وزير كان يجلس إلى جانبه حتى وقت قريب فى نفس مجلس
الوزراء . والمفترض انه كانت تجمعهما مسئولية تضامنية
للحكومة بكل وزرائها. فليس معقولاً ان يؤكد وزير ان سياسة
الحكومة هى عدم حبس الصحفيين، بينما يفعل وزير آخر
المستحيل لكى يضع الكلبشات فى أيدي الصحفيين!
وبهذا المعنى فان محمد إبراهيم سليمان لم يخطئ فقط فى حق
الصحافة والصحفيين، وانما أصر أيضا على إحراج النظام الذى
أستوزره واسبغ عليه أشكالاً شتى من الجاه والسلطان
والتكريم..