تواترت الأنباء أخيرا عن اتجاه الحكومة نحو إلغاء
الدعم لمحدودي الدخل قبل البدء بالعمل بالموازنة العامة
الجديدة للدولة 2006/2007، مقابل تعويضهم بصرف بدل نقدي
يقصر عن الوفاء باحتياجاتهم من السلع الضرورية.
إن اتخاذ هذا القرار غير المسئول من جانب الحكومة الحالية
يرجع إلي عدة دوافع، من أهمها فشل الدولة في اتخاذ
السياسات الصحيحة لمواجهة العجز المستمر في الموازنة
العامة للدولة والذي يبلغ حاليا حوالي 10% من الناتج
المحلي الإجمالي، كذلك الفشل في مواجهة أعباء الدين العام
المحلي الذي يزيد حجمه حاليا علي 100% من الناتج المحلي
الإجمالي، أيضا من دوافع التفكير في هذا القرار محاولة
الدولة استكمال سريان أسعار السوق بالنسبة لجميع السلع
والخدمات والقضاء علي الأسعار «الإدارية» لإتمام عملية
قيام اقتصاد سوق يتكامل مع السوق العالمية وفقا لمتطلبات
آليات العولمة الرأسمالية التي تمارسها الدولة الرأسمالية
الكبري لبسط سيطرتها بالكامل علي الاقتصاد العالمية.
وأيا كانت الدوافع وراء اتجاه الحكومة الحالية لاتخاذ هذا
القرار فإن ذلك إنما يعكس عدم الإحساس وعدم المبالاة
بمعاناة الجماهير التي تتزايد وطأتها يوما بعد يوم، في ظل
قرارات الحكومة بخصخصة الكثير من الخدمات وبالتالي ارتفاع
أسعار مثل الكهرباء والمياه والغاز والبنزين والنقل وأيضا
في ظل التفكير الحالي في الانقضاض علي خدمات التأمين الصحي
وحيث لا تبالي الحكومة بحقيقة أن المستشفيات الحكومية تقتل
أبناء الطبقة الفقيرة وأن المستشفيات الاستثمارية تقتل
أبناء الطبقة الوسطي، كذلك في ظل البطالة المتزايدة، والتي
يقدر حجمها بحوالي 15% من حجم قوة العمل، إن لم يكن أكثر
من ذلك، خاصة في ضوء عجز القطاع الخاص عن تحقيق معدلات
استثمار وتوظيف عالية لملء الفراغ في الكثير من الأنشطة
الإنتاجية، هذا الفراغ الناجم عن انسحاب الدولة من الكثير
من الأنشطة الإنتاجية وفقا لما اقتضته سياسة «الإصلاح
الاقتصادي» التي أعلنتها الدولة في أوائل تسعينيات القرن
الماضي.
وإن المرء ليتساءل ألم يفكر المسئولون وهم بصدد اتخاذ قرار
إلغاء الدعم لمحدودي الدخل أن يقارنوا رقم حجم الدعم في
الموازنة العامة للدولة بحجم النقص في حصيلة الضرائب
المباشرة - والتي هي في الأصل لا تعبر عن حقيقة حجم
الضرائب الواجب تحصيلها من رجال الأعمال بسبب التهرب
الضريبي - هذا النقص المترتب علي ما اتخذته الدولة من
إجراءات في الفترة الماضية يتعلق بتخفيض معدلات الضرائب
المباشرة محاباة منها لرجال الأعمال وأرباب المهن الحرة
والذين يتهربون أصلا من ذكر حقيقة دخولهم في إقراراتهم
الضريبية، وهذا في الوقت الذي تتزايد فيه أعباء الضرائب
غير المباشرة التي يتحملها أساسا غير القادرين وذوو الدخل
المحدود، وحيث يزداد الاختلال في هيكل الحصيلة الضريبية
بسبب تناقص نسبة حصيلة الضرائب المباشرة بالمقارنة بنسبة
حصيلة الضرائب غير المباشرة في إجمالي الإيرادات الضريبية.
أيضا ألم يفكر المسئولون في مقارنة حجم الدعم لمحدودي
الدخل بحجم بعض بنود الاتفاق الاستهلاكي في الموازنة
العامة للدولة وخاصة فيما يتعلق بشراء سيارات الركوب
الفاخرة وتأثيث المكاتب بالأثاث الفاخر والإفراط في
المرتبات والبدلات الخيالية التي يحصل العاملون عليها في
بعض الأجهزة الحكومية السيادية.
ولماذا يحمل المسئولون الفئات المحدودة الدخل آثار
السياسات الاقتصادية غير المسئولة التي اتبعتها الدولة منذ
أوائل تسعينيات القرن الماضي والتي تمثلت أهمها في التصفية
التدريجية لشركات القطاع العام وخاصة الناجحة منها، والأمر
الذي أضاع علي الخزانة العامة للدولة موردا مهما كان يتمثل
في الفائض الذي كانت تحققه شركات القطاع العام ويئول جزء
أساسي منه إلي إيرادات الدولة، والأمر الذي ساهم في
النهاية في زيادة العجز في الموازنة العامة للدولة، وبدلا
من ذلك تحول الفائض الذي تحققه الشركات التي تخصخصت إلي
جيوب القطاع الخاص، فهل هناك إشادة اقتصادية أكثر من ذلك
أو عدالة اجتماعية أكثر من ذلك؟!.
وأيضا لابد وأن نتساءل عن فعالية وقيمة البدل النقدي الذي
تزمع الحكومة صرفه لمحدودي الدخل مقابل إلغاء الدعم
السلعي، هذا البدل سوف تتلاشي قيمته الحقيقية في ضوء
الارتفاع المستمر في الأسعار.
ثم أين ستأتي الدولة بالاعتمادات اللازمة لصرف البدل
النقدي في الموازنة العامة للدولة والتي تعاني حاليا من
عجز كبير، وخاصة في وقت تتعهد الدولة حاليا بصرف تعويضات
مالية لأسر ضحايا العبارة المنكوبة، وصرف تعويضات لأصحاب
مزارع الدواجن والعاملين في هذا النشاط، كذلك في ضوء ما
تعهدت به الدولة أخيرا من زيادة مرتبات العاملين في مختلف
أجهزتها من أين ستأتي الدولة بكل هذه الاعتمادات الإضافية
حتي لو أسرعت في «الاعتداء» علي التأمينات الاجتماعية، إن
الأمر سيقتضي حتما التجاء الدولة إلي الطريق السهل وهو
التمويل التضخمي، أي الالتجاء إلي البنك المركزي لضخ
المزيد من البنكنوت، والأمر الذي سيشعل حتما معدلات
التضخم، وبالتالي الدخول في دوامة طبع المزيد من البنكنوت،
ومن ثم الدخول في الدائرة الشريرة للتضخم النقدي الجامح
والذي سيطاحن الفئات الشعبية وذوي الدخل الحدود أكثر
وأكثر، مما يؤدي إلي زيادة مخاطر عدم الاستقرار الاجتماعي
والسياسي.
الواقع أن الدولة نتيجة سياساتها الاقتصادية الخاطئة وغير
المسئولة التي انتهجتها في فترة الخمس عشرة سنة الماضية
والتي بدأت منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي مع بداية
الأخذ بما أسمته «الحكومات المتعاقبة» تضليلا بسياسة
«الإصلاح الاقتصادي» التي أوصت بها المنظمات الاقتصادية
الدولية والتي تعمل أساسا في خدمة الرأسمالية العالمية وفي
مقدمتها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، نقول إن الدولة
نتيجة انتهاجها تلك السياسات الخاطئة مسئولة كل المسئولية
عن تدهور أوضاعنا الاقتصادية سواء فيما يتعلق باستشراء
البطالة أو العجز المزمن في ميزان المدفوعات أو زيادة حجم
الدين العام المحلي أو التدهور في سعر صرف الجنيه المصري
إزاء العملات الأجنبية أو انفلات معدلات التضخم أو زيادة
نسبة عدد السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر.. الأمر الذي
يستدعي ضرورة التخلي عن الأفكار اللامسئولة مثل التفكير في
إلغاء الدعم السلعي والانقضاض علي التأمينات الاجتماعية
والتأمين الصحي، وضرورة إعادة النظر في أسلوب إدارة
الاقتصاد القومي لتحجيم آليات السوق وما يصاحبها من فوضي
وافتقار الرشادة الاقتصادية، والعودة إلي أسلوب إدارة
الاقتصاد القومي علي أساس التخطيط للتنمية الشاملة لمختلف
القطاعات والأنشطة ومختلف المتغيرات الاقتصادية ومراعاة
تشابهاتها مع بعضها البعض وتأثيراتها التبادلية بين بعضها
البعض، والابتعاد عن النظرة الجزئية القاصرة ومواجهة
مشكلاتنا الاقتصادية والاجتماعية بمعزل عن بعضها البعض،
والابتعاد عن الأسلوب «الترقيعي»، وذلك ليس فقط لتحقيق
الرشادة الاقتصادية في إدارة مواردنا الاقتصادية، وإنما
أيضا لتوفير الحماية الاجتماعية لملايين الناس من البسطاء
والفقراء.
إن الأمر يتطلب في النهاية، ألا يتولي الإدارة الاقتصادية
للمجتمع إلا من يحسون بآلام الجماهير ومعاناتها، وأن يبتعد
عن هذه الإدارة ليس فقط رجال الأعمال، وإنما أيضا من هم في
خدمة رجال الأعمال، ويتفرغون لإدارة وحداتهم الإنتاجية
فهذا أجدي لهم وللمجتمع ككل.