يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1267 (22 فبراير - 1 مارس) 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 

 
 

حكومة شفافة .. لا يصدقها أحد!

 
 

محمد فهمي

 

 
إنها أزمة الثقة التي دفعت الحكومة لنقل اجتماعات مجلس الوزراء .. التي يرأسها الرئيس مبارك .. علي التليفزيون
تصرفات الحكومة .. في حادث العبارة .. وإنفلونزا الطيور .. و التعويضات .. وزيارة كونداليزا رايس .. وتعيين العالم الجليل كمال الشاذلي رئيسا للمجالس القومية المتخصصة .. واختيار ممدوح إسماعيل مالك العبارة الغارقة عضوا في مجلس الشوري بقرار جمهوري .. تذكرني بقصه نشرها إحسان عبد القدوس منذ 50 سنة.
القصة بعنوان «نصف الحقيقة»
أيامها كتب إحسان بالحرف الواحد:
كان يعتبر نفسه من أشد الأزواج ذكاء .. وقد دله ذكاؤه علي أن الكذب «خطر» .. وأن الصدق «مستحيل»!!
لم يكن يكذب علي زوجته .. فقد كان يخشي أن تكتشف كذبه في يوم ما .. وهي زوجة عنيدة .. عصبية .. لا تغفر ولا تصفح!
ولم يكن يقول لها الصدق .. مستحيل .. إنه لا يستطيع أن يقول لها إنه زوج خائن .. وأن له عشيقة .. بل عشيقات!
واكتشف أن طريق السلامة .. هو أن يصرح دائما بنصف الحقيقة .. فلا هو صادق .. ولا هو كاذب .. إنما هو دائما نصف صادق .. ونصف كاذب!
عندما يلتقي بإحدي عشيقاته .. يعود إلي زوجته ليقول لها إنه التقي بفلانة في الشارع . وحيته وحملته سلامها إلي العائلة .. والأنجال .. ثم يخفي الباقي..
يخفي أنه صحبها إلي شقته الخاصة .. وعاشا هناك ساعات بين أحضان الخطيئة!
وكان يضمن بذلك ألا تكتشف زوجته أمره .. فلو تصادف .. ولمحه أحد من أصدقاء العائلة مع عشيقته .. وأبلغ زوجته .. فسيبدو أمامها بريئا .. ما دام قد سبق أن اعترف لها بأنه التقي بهذه المرأة..
وهكذا عاش .. زوجا سعيدا .. وعاشقا سعيدا .. معتزا دائما بذكائه .. إلي أن عادت زوجته يوما .. و قالت له ببساطة .. نفس البساطة التي تعود أن يقول بها نصف الحقيقة .. إنها قابلت فلانا في محل «لاباس» وإنه يبلغه سلامه.
وجحظت عيناه .. وكأن حجراً سد زوره وسأل:
.. ماذا قال؟
ورفعت حاجبيها في دهشة .. وقالت في فتور:
.. يبلغك سلامه!
وصاح في صوت أجش:
.. ثم ماذا .. ماذا فعلتما .. أين ذهبتما؟!
وأدارت له ظهرها .. وقالت بلا مبالاة:
.. كان لقاء عابراً!
وسكت ..وأخذ يتفرس في وجه زوجته بعينيه الجاحظتين .. كأنه مجنون ..
كان يبحث في وجهها عن شيء..
عن النصف الآخر من الحقيقة..
ولم يجده!
انتهت قصة إحسان .. ودارت الأيام .. وأصبحت عندنا منذ ربع قرن من الزمان حكومات .. تقول لنا «نصف الحقيقة»!
هي لا تكذب .. ولكنها تقول نصف الحقيقة.
والناس لا تصدقها .. ولاتصدق أي كلمة تنطق بها ..
إنها أزمة ثقة دفعت الحكومة لنقل اجتماعات مجلس الوزراء .. التي يرأسها الرئيس مبارك .. علي التليفزيون.
الرئيس مبارك يتصدر قاعة الاجتماعات .. وعلي يمينه رئيس الوزراء .. وحوله الوزراء .. لإقناع الناس بالصوت والصورة أن الحكومة لا تكذب..
ومع ذلك يصر البعض علي أن لدي الحكومة ما تخفيه .. وأنها تمارس نوعا من الشفافية .. «الانتقائية» علي غرار جملة:
كان لقاء عابرا!
هي تقول نصف الحقيقة..
هي تمارس فلسفة نصف الحقيقة .. التي تمارسها الأغلبية الساحقة من أبناء هذه الأمة .. في حياتها العادية.
لا .. الناس بتكدب .. ولا الحكومة .. ولكن الكل ينطق بنصف الحقيقة.
الذين يشوشون علي الإنجازات التي تحققت علي أرض الواقع خلال ربع القرن الماضي .. يتطاولون علي حكومتنا .. ويتهمونها بعدم الشفافية ..
يقولون إنها حكومة غير شفافة .. ويقول البعض منهم .. إنها ليست شفافة بالقدر المطلوب .. ويقول بعض ثالث إنها تمارس الشفافية «علي مزاجها» .. ساعات تكون شفافة جدا .. وتكشف لنا عن البئر وغطاه .. وساعات تكون مثل السيد رئيس مجلس الشوري الذي لا تخرج من كلامه .. بجملة مفيدة .. شفافة!
علما بأن حكومتنا .. هي أكثر حكومات العالم شفافية .. وهي الحكومة الوحيدة التي تسمح بنقل جلسات مجلس الوزراء .. عبر شاشات التليفزيون .. وقد تتطور بها الأمور إلي حد نقلها علي الهواء مباشرة في المستقبل الآجل.
الآن .. نحن نري الرئيس حسني مبارك يتصدر مائدة الاجتماعات .. وعلي يمينه الدكتور رئيس الوزراء .. وحوله الدكاترة الوزراء .. ونراه يناقش القضايا الحساسة .. وتلك التي تمس الأمن القومي للبلاد كالبترول والغاز الطبيعي .. وما نملكه من طاقة .. إلخ .. بمنتهي الشفافية ..
الرئيس يسأل ليطمئن .. والوزراء يجيبون .. والتليفزيون بكاميراته .. ورجاله يسجلون الحوار بالصوت .. وبالصورة.
والحكومة .. في مثل هذه الحالات .. ليس لديه ما تخفيه .. و يقال باللغة الرسمية التي ينطق بها المتحدث الرسمي بلسان الشفافية: «ليس من مصلحة أحد إخفاء الحقائق عن الشعب»!
في الجلسة التي نقل التليفزيون ما جري فيها من حوار حول مستقبل الطاقة في مصر .. قال الوزير: إن احتياطي الغاز الطبيعي لدينا .. يكفي 34 عاما!
لماذا 34 عاما .. وليس 35 سنة مثلا؟
لا أحد يعرف .. ويبدو أن الوزير أراد أن يتحدث اللغة التي يفهمها المشاهد العادي .. الذي يتابع المسلسلات الهابطة .. فقال إن احتياطي الغاز الطبيعي يكفينا 34 سنة .. وأن مصر حققت هذا العام أعلي معدل للإنتاج في التاريخ من البترول والغاز .. وأصبحت مصر هي الدولة السادسة في تصدير الغاز علي مستوي العالم (!!)
أما المتحدث الرسمي فأعلن أن الرئيس مبارك طالب بضرورة توصيل الغاز الطبيعي إلي الصعيد .. باعتباره مطلبا شعبيا .. وقال إن الرئيس شدد علي ضرورة توصيل التيار الكهربائي وتأمين شبكات النقل «بأسلاك معزولة» .. منعا للحوادث .. وحفاظا علي أرواح المواطنين!
وهو كلام «علمي » ... مر عليه البسطاء مر الكرام .. ولم يصدقوه .. لأنه نفس الكلام الذي جاء في جلسة مجلس الوزراء التي عقدت في 17 سبتمبر سنة 2003 .. وكان يجلس علي يمين الرئيس مبارك .. الدكتور عاطف عبيد باعتباره رئيس الوزراء آنذاك..
وفي يوم الخميس 18 سبتمبر 2003 خرجت صحف الحكومة بالمانشيتات الآتية:
توفير الدقيق والذرة والزيوت والسكر والشاي والفول والعدس لمحدودي الدخل.
زراعة 77 ألف فدان في العوينات وتوشكي بالمحاصيل الزيتية والذرة الصفراء.
توفير الأعلاف وعدم رفع أسعارها حتي لا يلجأ المربون إلي الرغيف والذرة لإطعام المواشي.
احتياطي كميات السكر يزيد 150% عن المطلوب بالأسواق .. إلخ ..
واستمرارا لتطبيق مبدأ الشفافية .. واستخدام المفردات العلمية .. عقد مجلس الوزراء اجتماعا يوم الخميس 23 فبراير 2006 لبحث موضوع إنفلونزا الطيور.
جلس علي يمين الرئيس مبارك الدكتور نظيف رئيس مجلس الوزراء وفي خلفية قاعة الاجتماع لافتة كبيرة عليها جملة «التطهير والتخلص من نفايات كل مزرعة بها إصابات » .. لزوم البث التليفزيوني.
ونقل التليفزيون ما جري في الجلسة .. وكاد كل مشاهد يري أنه أحد الحاضرين .. الأمر الذي ينفي عن الحكومة تهمة عدم الشفافية وإخفاء الحقائق..
الحقائق كلها علي الهواء مباشرة .. ويستطيع المواطن العادي .. المحدود الدخل .. أن يضغط علي الريموت كنترول .. وهو جالس في حجرة «الأنتريه» .. ويري بنفسه اهتمام النظام الحاكم . بمشاكله.
إن الحكومة تمارس الشفافية من أجل «حبايبها» المواطنين الغلابة .. الذين يعيشون وسط الطبيعة الخلابة .. علي ضفاف البحيرات التي كونتها مياه المجاري.
وظل تليفزيون الحكومة يكرر عرض البث التليفزيوني للاجتماع الحاسم لمواجهة الخطر القائم .. في تطبيق رائع للشفافية التي ينكرها الذين لا يعجبهم العجب .. ولا الصيام في كل الشهور العربية.
وفي صباح اليوم التالي .. الموافق الجمعة 24 فبراير خرجت صحف الحكومة بمزيد من الشفافية وقال المانشيت الرئيسي..
مبارك يطلب تعويض المضارين من إنفلونزا الطيور وصناعة الدواجن.
نظيف يعلن قواعد صرف التعويضات لمنتجي الدواجن سواء تلك التي تم إعدامها أو لشراء الطيور المصابة.
وهو كلام علمي .. لا يصدر إلا عن علماء .. أمثال العالم الجليل كمال الشاذلي .. وحكام الأزمان السالفة..
واكتشف الناس بعد ذلك أن هذه التعويضات ستصرف للأغنياء .. وأصحاب المزارع الداجنة الكبيرة .. الذين يكتسبون المال من الجاه .. وأن التعويضات لن تشمل جمهور «البلاوي المسيحة» الذي يعيش مع الدواجن في عشش مشتركة.
وهو منطق عجيب أشبهه بصرف التعويضات لأصحاب العبارات بدلا من ضحايا العبارات.
ولذلك يخشي الناس .. أن تذهب العطايا والتبرعات والتعويضات لأصحاب مزارع تربية النعام .. بدلا من الجماهير الغفيرة التي تسكن مع الدجاج في عشش مشتركة..
وتري كل دجاجة .. داخل هذه العشش .. ما يجعلها غير آمنة علي نفسها .. من الفتنة!
السخيف في الموضوع أنه كلما تمادت الحكومة في إبداء الشفافية .. وتجاوزت المألوف في نقل الجلسات بعدسات التليفزيون .. جري علي ألسنة العامة .. أن الحكومة تفعل ذلك للتغطية علي حادث غرق العبارة..
وأن الحكومة هي التي نفخت في نيران إنفلونزا الطيور لتشعلها .. وتغطي بها علي غرق العبارة .. وصاحب العبارة ..
وقالوا إن أول إعلان عن ظهور حالات إنفلونزا الطيور جاء في «بيان» لرئاسة الجمهورية .. ولم يصدر عن وزارة الصحة .. وذلك لإثارة الانطباع لدي الناس بأن كارثة العبارة «ولا حاجة» إلي جانب الخطر الداهم .. مما جعل الشعب يتضرع إلي المولي عز وجل .. مناديا «وارحمتاه»!
واستمر النفخ في نار إنفلونزا الطيور .. حتي تتضاءل إلي جانبها حكاية العبارة .. والألف ضحية (!!).
ولا نعرف ما هي المصلحة في ممارسة الحكومة لسياسة الشفافية «الانتقائية» .. ولكن هذه الممارسة أدت لاتساع هوة الثقة بين الناس والحكومة.
الناس لا تصدق الحكومة وتشكك في كل كلمة تجري علي لسانها ..
وأنا هنا لا أعني التصريحات الرسمية التي نسمعها منذ 25 سنة عن ملايين الوظائف الجديدة .. وملايين الشقق لمحدودي الدخل .. وآلاف المصانع والمدارس والمستشفيات .. وزيادة الرقعة الزراعية والاستثمارات .. وارتفاع معدلات النمو .. عندنا .. عن مثيلاتها في الصين وبلدان شرق آسيا والباسيفيكي إلخ ..
ولا أتحدث عن تحويل مقالب القمامة إلي حدائق دولية..
ولا أتحدث عن الريادة .. والمحورية .. وأزهي العصور ..
فهذه أمور لا يصدقها أحد .. لأن كل مواطن يشعر .. في كل ساعة .. أنها كاذبة .. وأن الأمور في تدهور مستمر .. وأن الذي يقدم الزكاة اليوم سوف يستحقها غدا ..
إنني أعني الشفافية في تناول المصائب العادية ..
مثلا ..
قالوا إن عضوية السيد ممدوح إسماعيل صاحب العبارة الغارقة .. تمت بقرار جمهوري بمجلس الشوري ..
واتضح .. أن المعلومة صحيحة .. وأن الرجل قد دخل المجلس بما له من فنادق وعبارات وأموال..
واعترفت الحكومة بنصف الحقيقة .. وهزت كتفيها علي طريقة «كان لقاء عابرا» .. ولم تقل لنا .. ما هي الكفاءات النادرة التي علي أساسها تم اختياره عضوا في المجلس الذي لا يزال يرأسه السيد صفوت الشريف .. حتي كتابة هذه السطور!
لم تشرح للناس .. الأسس التي تحكم توقيع السيد رئيس الجمهورية .. علي قرارات تعيين النواب في مجلس الشوري!
الناس تريد أن تعرف من الذي اختار السيد ممدوح إسماعيل ورشحه .. وتريد أن تعرف أسباب هذا الاختيار.
هل لأنه أدي الخدمة العسكرية؟!
هل لأنه أحد أبطال حرب 56؟!
هل هناك علاقة بين ملكيته لفندق السلام بشرم الشيخ وفندق آخر (خمس نجوم) .. وبين تعيينه في مجلس الشوري؟!
أسئلة كثيرة لا تجد الإجابات الواضحة وتثير عواصف الشائعات..
وفي ظل هذه الأجواء .. يتفرس كل مواطن في وجه الحكومة بعينين جاحظتين .. كأنه مجنون.
يبحث في وجه الحكومة عن شيء!
عن النصف الآخر من الحقيقة!
ولا يجده!
وحتي عندما نقلت جلسات مجلس الوزراء علي شاشات التليفزيون .. لم يصدقها أحد..
الناس لم تعد تصدق ما تراه عيونها .. عندما تحاول الحكومة إقناعهم بالصوت والصورة .. بأنها لا تكذب.
إنها تكذب .. ولو أقسمت علي رغيف «البردقوش»!
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة