منذ ثلاثة عشر عاما كان المواطن «الحسيني عباس
الحسيني» يؤدي شعائر الحج للمرة الأولي، وأثناء طوافه
بالكعبة سمع وشاهد حركة غير عادية، وقيل له إن مسئولا
مصريا رفيعا للغاية يؤدي الفريضة مع سائر الحجيج، وأن
مواطنا مصريا عاديا للغاية قد نصحه جهرا بتقوي الله في شعب
مصر، وأن السادة رجال الأمن المصاحبين للمسئول الرفيع
للغاية قد ألقوا القبض علي المواطن العادي للغاية، وبعد
نهاية موسم الحج في ذلك العام سمع الحسيني أن المسئول
الرفيع هو السيد رئيس الجمهورية المصري، وأن الحاج المعتقل
هو أحد المصريين العاملين بالسعودية، ومنذ ذلك الحين قرر
«الحسيني عباس» أن يعتزل أداء فريضة الحج ويعتذر لأسرته عن
عدم العودة إلي الأراضي المصرية طوال فترة عمله بالمملكة
العربية السعودية.
وفي موسم الحج الماضي قرر المواطن المذكور إنهاء عقده
والعودة إلي الوطن، وقرر أيضا أن يؤدي فريضة الحج للمرة
الثانية والأخيرة، وفي الفترة من ديسمبر الماضي وحتي
فبراير تعرض «الحسيني عباس» لسلسلة من الأحداث التي لم
يشهد نظيرا لها طوال سنوات عمره التي تقارب الستين، ففي
شهر ديسمبر توفي أحد عشر شخصا من زملائه في العمل، ثلاثة
ماتوا تحت أقدام الحجيج أثناء رمي الجمرات، وزميلان توفيا
في أحد سجون المملكة، والستة الآخرون قتلهم الحزن علي
الزملاء الخمسة.
وفي شهر يناير اكتشف الحسيني بعد عودته إلي الوطن أن زوجته
قد قامت بتسجيل كل مدخراته وممتلكاته باسمها بمقتضي
التوكيل العام الذي كان قد حرره لها من قبل سفره للعمل
بالسعودية، واضطر المواطن المسكين لطلاق الزوجة بناء علي
رغبتها ونصائح أسرته وأقاربه، وأثناء إجراءات الطلاق
استعانت الزوجة بأحد أقاربها من رجال الشرطة والذي نجح في
تلفيق قضية إرهاب ديني للحاج الحسيني، وقضي المواطن
المذكور شهرا كاملا رهن الاعتقال والتعذيب إلي أن تنازل
تماما عن كل حقوقه طرف زوجته وأسرتها وتعهد بعدم التعرض
لها في الدنيا أو الآخرة، وبعد إخلاء سبيله في الأسبوع
الأخير من شهر يناير الماضي، تورط الحسيني في حديث مع أحد
أعضاء مجلس الشعب دافع خلاله عن أيمن نور وقال إن الحكومة
المصرية قد لفقت له قضية التوكيلات مثلما زورت الانتخابات
ولفقت القضايا للأبرياء، وفي مساء نفس اليوم تم إلقاء
القبض علي الحاج الحسيني واقتادوه إلي مباحث أمن الدولة
حيث قيل له إن النائب الذي وعده بفرصة عمل قد قام بالإبلاغ
عنه واتهمه بالشروع في عضوية تنظيم إرهابي شيعي محظور،
وبعد أسبوع من الإهانة والتعذيب أطلقوا سراحه بعد تعهده
بالعمل مرشدا للمباحث والإقلاع تماما عن الحديث في الدين
أو السياسة.
وفي بداية الشهر الحالي كان الحاج الحسيني في طريقه إلي
مدينة نصر لزيارة أحد أقاربه حين استوقفه أحد كمائن الشرطة
وألقي القبض عليه للاشتباه في عدم أدائه الخدمة العسكرية،
وفي قسم الشرطة تعاطف الضابط مع المواطن المنكوب وتم تعديل
الاتهام من عدم أداء الخدمة العسكرية إلي بيع تذاكر مباراة
مصر والسنغال في السوق السوداء، وبعد أيام من احتجاز
المواطن الحسيني علي ذمة القضية تدخلت مباحث أمن الدولة
وأطلقت سراحه بوصفه واحدا من رجالها ومرشديها.
وبعد عدة أيام كان الحاج الحسيني يجلس علي أحد المقاهي
يشكو كيف رفع أبناؤه قضية حجر ضده رغم استيلائهم علي كل
ممتلكاته وأمواله، وفي تلك الأثناء كانت مظاهرات الفرح
تجوب المنطقة ابتهاجا بفوز مصر بكأس الأمم الأفريقية،
ولاحظ بعض المتظاهرين أن الحاج الحسيني يبكي فاتهمه أحدهم
بتشجيع ساحل العاج مما أدي للقبض عليه مرة ثالثة بتهمة
تكدير الأمن العام وإحباط مشاعر المنتخب المصري لكرة
القدم.
وأثناء التحقيق مع الحسيني سأله وكيل النيابة عن رأيه في
الرسوم الدنماركية المسيئة للرسول - صلي الله عليه وسلم -
فبكي الرجل بصدق وحرارة وأقسم للمحقق أنه لم يسمع عنها
وأنه سوف يشارك في المظاهرات ومقاطعة البضائع الدنماركية،
واكتفي وكيل النيابة بالتعهد الذي قطعه الحاج الحسيني علي
نفسه وقرر الإفراج عنه بضمان مقاطعة الدانمارك وحب الرسول.
خرج الحاج «الحسيني عباس» هذه المرة أصلب عودا وأكثر ثقة،
وشعر بأنه قادر علي تجاوز جميع الأزمات التي مر بها، وفور
مغادرته قسم الشرطة بدأ في المرور علي كل أصدقائه ومعارفه
وهو يحمل لافتات تدعو إلي مقاطعة الدنمارك وتشجيع المنتخب
المصري وتأييد رفع أسعار السكر ومبايعة الدكتور زكريا عزمي
وشجب تصريحات كونداليزا رايس ودعوة حركة حماس للتهدئة
والاعتراف بإسرائيل، وفي صباح اليوم التالي أرسلت إحدي
الجهات السيادية مندوبا رفيع المستوي إلي محل إقامة الحاج
الحسيني عباس، حيث قام المندوب بتهنئة المواطن علي موقفه
المشرف من قضايا الوطن، و بالتوقيع علي استلام جثث
أربعمائة راكب من ضحايا العبارة المصرية (السلام 98)، وحصل
منه علي تنازل عام عن جميع التعويضات التي تخص هؤلاء
الضحايا بوصفه عائلهم الوحيد، وكتب الحسيني إقرارا رسميا
يؤكد فيه عدم مسئولية النائب ممدوح إسماعيل عن حادث غرق
العبارة المنكوبة، ثم قام المندوب الرفيع المستوي بتسليم
المواطن وثيقة ملكية مزرعة دجاج حيوية خالية من كل العيوب
والأوبئة البشرية والبيطرية وعلي رأسها أنفلونزا الطيور،
واصطحبه إلي الشهر العقاري لتسجيل عقد الملكية وتغيير اسمه
من «الحسيني عباس» إلي «الحسيني أبوفرخة» مع تكليفه بقيادة
الحملة القومية لإنقاذ استثمارات الدواجن من الشائعات،
وبعد مفاوضات قصيرة بين المواطن والجهة السيادية، حصل
«الحسيني أبوفرخة» علي تعهد من الدولة بدفع كل نفقات
جنازته أو جنازة الدجاج، أيهما أسبق!!.