اتهامات موجهة للحكومة بالتسبب في تدمير الثروة
الداجنة00 أصحاب المزارع يقولون إنها أصابت مستهلكي الدجاج
والبط والحمام بالهلع00 والحكومة تقول إنها اتخذت
الإجراءات اللازمة لمنع انتشار فيروس إنفلونزا الطيور00
وما بين مظاهرات العاملين في صناعة الدواجن، وبيروقراطية
الأجهزة الإدارية، تتزايد المخاوف من انهيار أحد مصادر
البروتين الحيواني لمحدودي الدخل0
رمضان عبد الفتاح حسين لديه مزرعة دواجن بالجيزة بها نحو
13ألف دجاجة بلدي عمر الواحدة منها 45 يوماً، ولم يتمكن من
الحصول علي الأعلاف اللازمة لتغذية كل تلك الكمية من
الطيور، والسبب هو أن أصحاب محال الأعلاف يخافون من عدم
قدرته علي السداد بعد الكارثة علي حلت علي أسواق الدواجن
خلال الأسبوعين الآخرين. وهو يقول: شركات الأعلاف تريد
الحصول علي مستحقاتها المتأخرة لدي، والتي تصل قيمتها إلي
مائة ألف جنيه، وأنا لا أستطيع تصريف الإنتاج.. إنها
معادلة صعبة!".
ولم يقتنع العاملون في صناعة الدواجن في العديد من
المحافظات بما أعلنته مصلحة الضرائب بإسقاط الضرائب
والديون المستحقة علي تجار الدواجن. إن المأساة علي ما
يبدو أكبر من كلمات الترضية التي أطلقها حسني جاد، رئيس
المصلحة، خاصة أن "جاد" طلب من كل تاجر متضرر "مستندات
فعلية" لإثبات تعرض التاجر للخسارة بسبب إنفلونزا الطيور،
وكان العديد من المتظاهرين أمام مجلس الشعب يريدون إجابة
من أي مسئول في الحكومة عن الفرق بين "المستندات الفعلية"
و"المستندات العادية" التي يتعامل بها التجار فيما بينهم.
وحاول محمود عبود التخلص من كل الدجاج الذي كان يربيه في
مزرعته بأطفيح في محافظة الجيزة، واتبع تعليمات المحافظة
بإرسال الآلاف من الدجاج إلي المجازر المخصصة لذبح الطيور،
لكن تلك المجازر طلبت منه أن يسدد 175قرشاً عن كل دجاجة،
وذلك مقابل ذبحها وحفظها لديهم. ويتساءل قائلاً:"كيف أسدد
عشرات الألوف من الجنيهات مقابل التخلص من الدجاج بينما
ديوني وصلت إلي أكثر من مائة وعشرين ألف جنيه بسبب كارثة
إنفلونزا الطيور وما سببته من إغلاق كامل لأسواق
الدواجن؟".
ويتهم قطاع كبير من التجار والعاملين في صناعة الدواجن
الحكومة بأنها كانت هي السبب في حالة الهلع والخوف المبالغ
فيها، وأن هذه الحالة هي التي ضربت صناعة الدواجن في مقتل،
وأدت إلي مقاطعة شبه كاملة بين المواطنين وأكل الطيور،
لدرجة أن الديك الرومي الذي كان يصل ثمنه إلي 150 جنيهاً،
انخفض إلي 10 جنيهات. وكان المتظاهرون في القاهرة وعدد من
المحافظات يهتفون أمام الدواوين الرسمية قائلين:"الفراخ
حلوة.. المجمد لأ". في دفاع مستميت عن حقهم في العودة إلي
الاتجار في الطيور الحية في الأسواق وفتح محالهم، كما كان
عليه الأمر قبل ظهور الإنفلونزا المشئومة في مصر.. قائلين
إنهم علي استعداد لتحمل نفقات الكشف البيطري علي الطيور.
وطالب محمد عبد العزيز شعبان ومحمد تليمة، بالهيئة
البرلمانية لحزب التجمع في مجلس الشعب، بضرورة الإسراع في
اتخاذ الإجراءات لإنقاذ نحو 1,5 مليون من العاملين في
صناعة الدواجن.. بينما رفض مجلس الشعب بأغلبيته المزعومة
من الحزب الوطني مناقشة استجواب تقدم به أحد الأعضاء
المستقلين عن خطورة إهدار الثروة القومية من الدجاج
والحمام والبط والأوز والديوك الرومي..
وقال وزير الزراعة المهندس أمين أباظة في بيان له في مجلس
الشعب إن حجم الاستثمارات في صناعة الطيور في مصر يبلغ
حوالي 17 مليار جنيه، ويعتبر إنتاجها مصدراً رئيسياً
للبروتين الحيواني، خاصة للفئات المحدودة الدخل. إلا أن
الوزير وحكومته ارتكبوا عدة أخطاء أساسية، علي رأسها عدم
وضع ضخامة الثروة الداجنة في الاعتبار عند التعامل مع
الأزمة، فلم تبادر الحكومة بتوفير المجازر وثلاجات حفظ
الطيور المذبوحة.. كما أنها، أصدرت قرار منع نقل الطيور
بين المحافظات، علي الرغم من أن هناك محافظات كان بها
مزارع طيور كبيرة، ولا يقع في حدودها أي مجزر للذبح
والتجميد، ويقول أحد المتظاهرين أمام مجلس الشعب إنه لم
يجد من يخلصه من آلاف الديوك الرومي في مزرعته بعد أن
انقطعت عنها الأعلاف وتم حظر نقلها إلي أي محافظة أخري، لم
يتوفر مع ذلك أي طريق لإنقاذ ديوكه من الموت البطيء جوعاً
أمام عينيه!
وكان المئات من العاملين في صناعة الطيور، خاصة من أصحاب
المزارع وأصحاب محال بيع الدجاج قد نظموا عدة مظاهرات في
الشارع الفاصل بين مبني مجلس الشعب ومبني مجلس الوزراء،
مطالبين بتدخل الحكومة لإنقاذهم من الإفلاس والديون. لكن
الحكومة قالت إنها تحاول بقدر الإمكان التقليل من حجم
الكارثة، بينما لم يقتنع المتظاهرون الغاضبون الذين جاءوا
من محافظات القليوبية والجيزة والدقهلية والشرقية وضواحي
القاهرة، وكانوا يرفعون اللافتات ويصرخون:"يا نظيف قول
الحق.. هي خربت ولا لأ". إلا أن أحداً من الوزراء الذين
كانوا يعبرون الطريق من مبني مجلس الوزراء لمبني مجلس
الشعب لم يعطهم جواباً!
واضطر أصحاب المزارع إلي تسريح الغالبية العظمي من
العاملين لديهم في تربية الدواجن ورعايتها، لسبب بسيط، هو
عدم القدرة علي سداد المرتبات والأجور، مثلما فعل عادل
الغمري، وهو صاحب مزرعة بها 300 ألف دجاجة من النوع
البلدي(الشمورت)، في مركز أبو كبير بمحافظة الشرقية، حيث
قام بتسريح 75 عاملا من مزرعته، أو كما قال:"ديوني ترتفع..
قد تزيد علي مليوني جنيه، فكيف أبقي علي العمال.. من أين
أعطيهم مرتبات؟".
واتهم نواب في مجلس الشعب الحكومة ب"الإهمال في الاستعداد
لكارثة أنفلونزا الطيور.. ثم عجزها عن مواجهة هذا المرض،
وتسببت في إثارة ذعر المواطنين مما نتج عنه انهيار أحد
أنجح الصناعات المصرية، وهي صناعة الدواجن، وإعدام وإتلاف
الثروة القومية من الطيور الداجنة"، حسب نص الاستجواب
المقدم لمجلس الشعب.
وكانت محافظة الجيزة من أكثر المحافظات التي تضررت من
أنفلونزا الطيور، حيث وصل عدد المواقع الموبوءة خلال أسبوع
واحد إلي 32 حالة. وقال تقرير لوزارة الصحة إن 90% من تلك
الإصابات كانت في الطيور التي تتم تربيتها في العشش (فوق
أسطح المنازل) في مناطق وراق العرب وحي إمبابة وفيصل
والهرم والعمرانية ونزلة السمان وغيرها، ومع هذا فإن إصابة
واحدة في مزرعة في المنيا علي سبيل المثال كانت تساوي
مجموع ما يتم تربيته في حي سكني واحد بالقاهرة أو الجيزة،
ففي المنيا قضي المرض علي جميع الطيور التي كانت في مزرعة
للدجاج الرومي يملكها عادل منير يونان، وعددها ألف دجاجة،
وماتت جميعها في يوم واحد، حسب تقرير لوزارة الصحة، إلا أن
الحملة التي أعلنت الأجهزة الحكومة شنها علي العشش وأسطح
المنازل كانت هي الأهم لأن ظهور فيروس الأنفلونزا علي
الطيور الداجنة في أي من هذه المناطق يمثل خطورة علي
المواطنين المخالطين لها، أكثر من الطيور المصابة في
المزارع لأن الأخيرة يمكن عزلها أو علي الأقل الإبقاء
عليها بعيداً عن التجمعات السكنية.
ويحاول معظم العاملين في صناعة الدواجن الذين تحدثت معهم
الأهالي تفهم مثل هذه الأولويات في العمل الحكومي الذي
يتهمونه أيضاً ب"سوء تقدير الأمور والهلع في مواجهة
الأزمة". وحين اكتشفت الأجهزة المختصة وجود فيروس أنفلونزا
الطيور في منزل به "عشة فراخ" بمركز دشنا في محافظة قنا
اضطرت للكشف عن باقي العشش الموجودة في باقي المنازل
المجاورة فوجدت أن 13 منزلاً منها قد وصله الفيروس،
وبالتالي تركزت الجهود في الكشف بالتبعية علي سكان تلك
البيوت للتأكد من عدم إصابة أي مواطن بالفيروس، وهذا يأخذ
الكثير من الجهد والوقت، ولا يسترسل التجار في مثل هذه
الأمور كثيراً، بل هم يذكرونها من باب أنهم لا ينكرون أن
هناك أعمالاً يقوم بها موظفون في الدولة(مديرو الإدارات
الطبية البيطرية علي وجه الخصوص) لإنقاذ ما يمكن إنقاذه،
كما يردد وزراء الحكومة، لكن التجار والعاملين في صناعة
الدواجن يسترسلون قليلاً في مسايرة الكلام الرسمي، ثم
يبدأون في التأكيد علي أنه كان يمكن العمل بصور أفضل
لتدارك الكارثة التي أخذت تضرب الثروة الداجنة في مقتل،
وتخرب معها بيوت مئات الآلاف من الأسر الفقيرة.
وتشمل المعاناة المربين وأصحاب المزارع الصغيرة والكبيرة،
بالإضافة إلي الآلاف من أصحاب المحال التي تبيع الطيور في
المناطق الغنية والفقيرة بأحياء القاهرة وباقي المحافظات،
لكن هناك طوائف أخري تعمل في ذات صناعة الطيور بشكل غير
مباشر، مثل أصحاب سيارات نقل الدجاج والبيض المتعاقدين مع
عدد من المزارع، وتم فسخ عقودهم بل وتأخير سداد مستحقاتهم
بسبب التوقف المفاجئ لنشاط صناعة الدواجن من الأساس، مثل
السائق ناجي رمزي عوض، الذي يمتلك سيارتين لنقل الدجاج،
ويتخوف من عدم قدرته علي المواظبة في سداد الأقساط الشهرية
لمالك السيارة الأصلي، بل المشكلة أن مالك السيارة أدرك أن
"ناجي" لن يتمكن في ظروف أنفلونزا الدجاج من سداد ما عليه،
فسارع بتحرير محضر يطالبه فيه بالدفع أو الحبس واسترداد
السيارتين!
وأصبح سوق الثلاثاء في القاهرة خاويا بدون دجاج ولا حمام
ولا بط وزبائن00 لا يوجد هناك غير أصحاب المحال والتجار
الذين يشكون لبعضهم البعض من المستقبل المظلم0 وقام بعضهم
بتحطيم أقفاص خشبية كانت تستخدم لعرض الطيور، ودقوا عليها
أمتارا من القماش الأبيض. وكتبوا عليها: انقذونا من
الإفلاس إنقذونا من شبح البطالة» وحملوا تلك اللافتات،
وانطلقوا متجهين من شارع القصر عيني نحو مباني الوزارات
الحكومية وهم يهتفون مطالبين بصرف إعانات عاجلة لهم0
حتي العاملين في نقل وتجارة البيض لم يسلموا من الأزمة،
فقد تكدست كميات كبيرة من البيض خاصة البلدي، وأصابه
العطب، وانخفضت أسعاره في الأسواق، بل وأصبحت معظم محال
السوبر ماركت تتجنب التعامل مع البيض. ويجلس السعيد محمد
السعيد عامر من دكرنس بمحافظة الدقهلية، أمام كراتين
وأقفاص من البيض الذي فشل في توزيعه في الأسواق،
قائلاً:"إنه يفسد.. إن كل هذا البيض يتعفن في مكانه.. ثمنه
يتبدد، ولا أحد يريد الاقتراب منه!".
وحصل عدد كبير من أصحاب المزارع علي شهادات بيطرية تفيد
خلو الطيور التي يربونها من فيروس أنفلونزا الطيور، إلا
أنهم لم يتمكنوا من بيعها في الأسواق بسبب قرار حظر بيع
الطيور في الأسواق من جانب، وبسبب مقاطعة المواطنين أنفسهم
لأكل الطيور من جانب آخر. وحصل عمر عطية الغريب، صاحب
مزرعة دواجن بدمياط علي شهادة بيطرية مماثلة تفيد بخلو نصف
المليون دجاجة التي يربيها في مزرعته من الفيروس، إلا أنه
قال:"لم أتمكن من بيع أي دجاجة منها حتي الآن.. لقد انصرف
الناس عن أكل الدجاج، ووقعت الكارثة"!