رب ساع مبصر في سعيه
أخطأ التوفيق فيما طلبا
لا أزود الطير عن شجر
قد بلوت المر من ثمره
ونتأمل هذين البيتين من الشعر..
الأول يحاول أن يتخلص من شكوك وأشواك الماضي وكل ما كان من
إجهاض مفتعل ومرتب مسبقا لمحاولات تعديل المادة 76 .. ذلك
التعديل الذي أتي مخيبا للآمال، واقتادنا من خطأ إلي خطأ
إلي خطيئة، وجعل من إعادة التعديل أمراً حتمياً.
أما البيت الثاني فهو تعبير عن ذلك الذي يحلق فوق رءوسنا
ونحن نتسامع عن نوايا جديدة لتعديل مواد أخري من الدستور،
فهل نعود لنسهم أو نشارك أو نقول أو نقترح؟ أم نتجاهل ذلك
كله كي لا نضع أيدينا وأنفسنا وجهدنا ورؤيتنا حيث لا جدوي
.. ولا فائدة.
وإذا أردنا أن نستمتع بافتراض حسن النية .. فإن ملاحظات
عديدة تأتي لتفرض علينا عديداً من التساؤلات.
والأسئلة عديدة
- دعوة السيد الرئيس تحدثت عن مسائل لا خلاف عليها منها
مثلا إلغاء المدعي الاشتراكي، لكنه طالبه أيضا بإعادة
توزيع المسئوليات في السلطة التنفيذية بحيث تتقلص سلطات
الرئيس وتزيد اختصاصات سلطات رئيس الوزراء .. فهل هذا
الفهم صحيح؟ وما مدي هذا التقليص؟ .. وإلي أي مدي أتت
الإشارات لمن يتناقشون الآن حول أسلوب ومدي التعديلات، وهم
كما رأيت وشعرت مرتبكون ويخشون أن يأتي المقدار بخلاف ما
هو مقدر؟
كذلك تحدث الرئيس عن أهمية إصدار قانون لمواجهة الإرهاب
تمهيداً لإلغاء حالة الطوارئ، فإذا بالسيد رئيس مجلس الشعب
يتحدث متطوعاً عن أن ذلك يستوجب تعديلاً في الدستور ..
ولعله يقصد ضرورة تعديل المادة 41 وهي تلك المادة التي
تفرض عدم احتجاز أي مواطن بغير أمر قضائي، ولعل ذلك
التوجيه يطرح سؤالا مريرا فإذا كان الاحتجاز القسري يتم
بناء علي حالة الطوارئ وهي حالة استمرت طويلا بحيث راكمت
حالة من الرفض استوجبت إلغاءها، فهل من الملائم أن نلغي ما
هو طارئ لنأتي مكانه بحالة دستورية دائمة ومستديمة؟ كذلك
فإن السيد الرئيس لم يتناول في حديثه أمام مجلس الشعب
والشوري مسائل بالغة الأهمية، ولعله تركها لاجتهاداتنا إذ
ترك الباب موارباً إزاءها، غير إن الذين أحيل إليهم الأمر
لم يزالوا علي حيرتهم هل ينظرون فيها أم لا؟..
ولأن الأمر لا يتسع لاقتراحات عديدة لا في هذه المساحة ولا
في العقلية المحال إليها الأمر فإننا سنتوقف باختصار أمام
عدة مواد منها:
- مادة 74 والتي تعطي لرئيس الجمهورية: «إذا قام خطر يهدد
الوحدة الوطنية أو سلامة الوطن أو يعوق مؤسسات الدولة عن
أداء دورها الدستوري، أن يتخذ الإجراءات السريعة لمواجهة
هذا الخطر ..» والسلطات هنا مطلقة وغير محدودة ولا مراجعة
إزاءها إلا عبر استفتاء يجري خلال 60 يوما».
والملاحظ أن هذه المادة مستقاة من المادة 16 من الدستور
الفرنسي لكن الفارق بين النصين واضح فقد رفض الدستور
الفرنسي انفراد الرئيس باتخاذ قرار بل عليه ضرورة التشاور
رسميا مع رئيس الوزراء ورئيس البرلمان والمجلس الدستوري ..
وقيود أخري عديدة تجاهلها من اصطنعوا المادة 74.
وهناك أيضا المادة 77 والتي تقرر جواز انتخاب الرئيس لمدد
غير محددة، ونري أن تكون لمدتين فقط ليس لأي سبب متعلق
بالأشخاص وإنما كي يضع الرئيس في حسبانه إمكانية مساءلته
ولو أدبيا عما اتخذ من قرارات خلال الفترتين.
.. أما المواد 127، 137، 138 فهي ما أشار إليه الرئيس عند
الحديث عن إمكانية زيادة سلطات رئيس الوزراء والأصل الذي
نراه عند النظر في تعديل هذه المواد هو تعزيز إمكانات
مساءلة رئيس الوزراء والوزراء وحق السلطة التشريعية في سحب
الثقة منهم، فالنظام القائم لا يسمح بمساءلة رئيس الوزراء
مساءلة جدية فهو ليس مسئولا بصفة جدية كما أنه لا يسمح
بمساءلة المسئول وفق النصوص الدستورية، وهناك المواد التي
تراكم سلطات فوق الطاقة البشرية علي كاهل الرئيس مثل
المادة 173 التي تضع الرئيس علي رأس المجلس الأعلي للقضاء
وغيرها من المواد.
كذلك أعتقد أنه من الضروري إدخال تعديل جذري علي المادة
195 والخاصة بمجلس الشوري، بحيث تكتمل سلطاته التشريعية
ليكون لنا نظاما تشريعيا متكاملاً ومتأنياً في إصدار
التشريعات التي كثيراً ما نالت صفة «قانون النصف ساعة» ..
إن التأني في التشريع هو طلب حاسم ويمكنه أن يتحقق عبر
نظام محكم لمجلسين تشريعيين يكملان أعمال بعضهما البعض
ويتطب الأمر بالضرورة وضع نظام دستوري يحدد كيفية إصدار
التشريعات في حالة وقوع خلاف بين المجلسين والحقيقة أن
الحديث قد يطول حول مقترحات أخري، أو حول المفاضلة بين
أولويات التعديل وفقاً لتصورات البعض بضرورة التعديل علي
مراحل..
لكننا علي أي حال نري أن يأتي أي تعديل وفق منهج يمتلك
إرادة سياسية حقا، واضحة حقاً وملتزمة حقا بمزيد من
الديمقراطية ومن الحصانات الدستورية التي تحمي حقوق
المواطنين وتكفل الحريات والديمقراطية كفالة حقيقية .. فقد
أصبح الأمر ملحاً .. وأصبح ضرورياً .. وعاجلاً.