في خضم التداعيات التي أحاطت بالانتخابات البرلمانية
الأخيرة، طالعت دراسة ممتعة للدكتور عبد الله شلبي «قسم
الفلسفة والاجتماع - كلية التربية جامعة عين شمس» وتمتلك
هذه الدراسة عنواناً جاذباً «التدين الشعبي لفقراء الحضر
في مصر - بحث في آليات المصالحة والقبول والرضا والتحايل».
ويبدأ الدكتور شلبي دراسته الممتعة بما يشبه الإهداء، أو
البديل عن الإهداء، عبارة منقولة من كتاب سندباد مصري
للمفكر المصري حسين فوزي، وتقول العبارة: «قُسمت أرض مصر
إلي أربع وعشرين حصة، أربع منها للسلطان، وعشر للأمراء،
وعشر للجند .. وعندما تساءل أحدهم: أين نصيب الشعب؟! قيل
له: للشعب الحصة الخامسة والعشرون ومكانها مملكة السماء».
ويبدأ الباحث دراسته: «نميز بين أنماط مختلفة للتدين
بحسبانه واقعة تاريخية اجتماعية، ويأتي في مقدمة هذه
المعايير درجة ومستوي حضور النص الديني الرسمي وتأويله
وتفعيله علي الصعيد السياسي، أو غياب هذا النص، ومن ثم
غياب التأويل والتفعيل السياسي له و حضور نصوص بديلة
كالأساطير والمعتقدات والأمثال الشعبية» ومن ثم يقسم
المؤلف أشكال التدين إلي ثلاثة..
أ- التدين الرسمي المؤسسي: وهو تدين الدولة أو التدين
السياسي الرسمي، حيث الدين بكل مؤسساته الرسمية يعد أحد
أجهزة الدولة الأيديولوجية باعتبارها مؤسسة طبقية بالأساس
تفرض السيطرة علي المجتمع بكامله وتنظم هيمنة طبقة بعينها
أو تحالف طبقي معين علي طبقات المجتمع الأخري .. ويكون
الخطاب الديني الرسمي في هذا السياق خطابا مسكونا
بالاستسلام ويطالب المؤمنين بشكل مذهل بالإذعان والخضوع ..
وعبر هذا الخطاب تجري عملية اختيار انتقائي وتحكمي مغرض
يخرج النصوص من سياقاتها التاريخية ويبسط سلطانها علي
الواقع الراهن .. وهو خطاب يعكس بالفعل نمط العلاقة التي
فرضتها الدولة تاريخيا علي المؤسسات الدينية الرسمية».
ب- أما النمط الثاني فهو التدين السياسي المعارض، وداخل
هذا النمط يمكن أن نميز بين نوعين، فثمة تدين نصي مؤسسي
معارض، وهو تدين فريق من فقهاء ورجال الدين الرسميين داخل
المؤسسة الدينية الرسمية إلا أنهم علي خلاف مع طروحات هذه
المؤسسة برغم انتمائهم العضوي لها، أما النمط الآخر فهو
التدين السياسي المعارض، وهو ما يمكن تسميته بالتدين
السياسي الجهادي والانفصالي، وهو تدين يكتسب طابعا سياسيا
يجعل من النص الديني وعبر تأويل وقراءة معينة لهذا النص
إطارا أيديولوجيا ومرجعيا له، ويصوغ مشروعا مجتمعيا ويبني
حركة تنظيمية تتوسل المفاصلة والجهاد بكل أشكال ومستويات
وجودهما لإحداث قطيعة معرفية ووجودية مع المجتمع .. وهذا
النمط من التدين يسعي إلي تجاوز الوضع الراهن، ويرفضه
ويتمرد عليه وينفصل عنه علي المستويين الشعوري أو الوجودي
ويخلق لنفسه رموزا وأساليب حياة وثقافة معيشة خاصة به تؤكد
هذه المفاصلة والعزلة» ثم «وعادة ما يرتبط التدين المعارض
الجهادي بحركات وتنظيمات تحاول جاهدة فرض مشروعها وتشغيله
إما عبر الانخراط في العمل السياسي والاجتماعي والاقتصادي
في إطار الشرعية، وإما من خلال العمل الجهادي المادي
العنيف والمباشر الذي يدفع إلي تدمير النظام كلية والموسوم
لديها بالجاهلية والكفر».
وغني عن القول أن ما يعنينا في هذه المرحلة هو ذلك النمط
من التدين السياسي الذي يحاول فرض مشروعه السياسي عبر
الانخراط في العمل السياسي والاجتماعي والاقتصادي في إطار
الشرعية المفترضة أو المفروضة.
أما النمط الثالث من أنماط التدين فهو التدين الشعبي وهو
الدين كما يمارسه عموم المصريين في حياتهم اليومية، ويقوم
علي الأولياء والقديسين والتبرك بهم، والتوسط من خلالهم
لتحقيق الأماني والرغبات، دين يقوم علي الإيمان بالله
وبعالم الغيب والقضاء والقدر والقسمة والنصيب، والمكتوب،
والرزق المحدد والمكفول..» و«وتتسم المعتقدات والممارسات
الدينية التي تشكل صلب التدين الشعبي ومحتواه بكونها
مستقلة استقلالا نسبيا عن المؤسسة الدينية الرسمية وحتي عن
التدين الجهادي .. فكلاهما ينظر شزراً للتدين الشعبي
باعتباره غارقا في البدع والخرافة»..
ولعل الفقراء المطحونين العاجزين عن مقاومة الظلم الواقع
عليهم يحتاجون دوما إلي نصير يستندون إليه ويقدم لهم العون
لحل مشاكلهم وينصرهم علي ظالميهم .. هذا النصير يتمثل في
الأولياء الذين تكثر أضرحتهم في الأحياء الفقيرة، أو يتمثل
أحيانا في الطرق الصوفية التي يكثر الانتماء إليها بين
سكان هذه الأحياء، وقد تمكنت الطرق الصوفية من الانتشار في
صفوف الفقراء عبر وهم أن الفقير الجاهل والأمي ذا القلب
الفارغ من المعرفة ومن العلوم الدنيوية يمكنه أن يصبح
وبسهولة ولياً من أولياء الله لأن قلبه الفارغ يسهل عليه
أن يمتلئ بالعلوم الربانية .. ولأن الفقراء الصالحين هم
عيال الله وأحبابه..
وبعد هذه الرؤية المتألقة لأشكال التدين .. يقتادنا د. عبد
الله شلبي إلي بحث ميداني يحدد مفاهيم التدين الشعبي عند
فقراء أحد الأحياء الفقيرة في مدينة الفيوم.
فإلي الأسبوع القادم