يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1267 (22 فبراير - 1 مارس) 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 

 
 

مدائح جلطة المخ

 
 

إبراهيم فرغلي

 

  كثيرا ما تقتحمني مقاطع شعرية من قصائد حلمي سالم في مواقف حياتية عادية وحسية بلا استئذان، لكن مقولة نظرية واحدة أحتفظ بها في ذهني، علي بساطتها، لأختبرها كلما قرأت ديوانا جديدا أو قصيدة، هي «الشعر ما يكتبه الشعراء»المقولة علي بساطتها تحمل الكثير من جدل أثارته القصيدة الحداثية بكل أشكالها ولا تزال، فقصائد حلمي سالم كلها كانت اختبارا حقيقيا لهذه المقولة التي أهتف بها، وصولا إلي ديوانه الأحدث، «مدائح جلطة المخ» الصارد عن دار الهلال.
لم يدهشني في طبيعة الحال أن يختار حلمي سالم جلطة المخ ليبحث عن مدائحها، هو الذي بحث عن اليومي والعادي كثيرا، كاشفا شعريته في قصائد عدة شكلت جموع دواوينه، وهو صاحب تجارب كبيرة في تحويل الألم شعراً، من ألم اليومي الذي أصبح شديد الوطأة ويكاد لا يحتمل، إلي ألم الحسي الضاغط علي الروح عبر الذاكرة الشعرية بفيض من استعادات النشوة جاعلاً منها «فقه اللذة»: القدم التي دبت طوال عامين من ميدان الرماية/ إلي التجمع الخامس/ كيف لانت فلا تقوي علي السعي بين سجادة ومخدة؟/ واللسان الذي قضي الليل كله/ يقيس حوض أنثاه/ بكمية المسام بين عظمة وعظمة/ كيف التوي/ فلا يجد الفصل بين الكاف والنون؟.
يبدأ سالم ألعابة الشعرية منذ أولي قصائد الديوان، كما يليق بشاعر في مواجهة المرض، أو ربما كما يليق بشاعر قرر أن يبحث عن شعرية المرض، يضغط النوبتجي علي زر تصوير المخ بالأشعة فيصور حلمي ذاكرته «جاءت حدوتة مصرية والراهب ويوسف شاهين وتجار الموالح وكل هذا الجاز ومدرسة عبد المنعم رياض وسجن العبدلي وصنع الطائرات الورقية وسرة سيدة النبع».
في سؤال الشاعر عن أداء المخ وعن الفص المسئول عن خلق القصيدة، يمرر نداء للشعراء الجدد عبر ذلك الفص: «لو أنه المسئول عن الشعر/ فنداؤه للشعراء الجدد: الاعتناء بضمير الغائب».
كأنه يسأل سؤال عن ميل القصيدة الجديدة للذات علي حساب الآخر، وربمام لذلك، يحتفي الشاعر في الديوان بآخرين عبر تناصات شعرية مع الشعر العربي القديم وشعر أحمد شوقي وحسن طلب وفاطمة ناعوت وعبد المنعم رمضان ومحمود الشاذلي وأحمد عبد المعطي حجازي وبدر شاكر السياب، كما أنه يستدعي وجوها من الواقع لجابر عصفور وإدوار الخراط وعبد المنعم تليمة وأمينة النقاش وكثير من الأصدقاء.
تبدو تجربة الإصابة بجلطة المخ تجربة استعادة ذاكرة بامتياز في عوارض المرض الذي يتيه بالمريض بعيدا، استعادة الذاكرة جزء أساسي من الشفاء يقابلها الشاعر باستعادة أبيات من قصائد قديمة أو استدعاء وجوه الحبيبات، كما يعتب علي من يري أنه يستحق العتاب.
ومنه إلي العلاج الطبيعي بكل ثقله يحوله الشاعر إلي فتنة: «الاتزان هو الهدف/ ارفع الذراع ببطء/ كمن يتسلل إلي السماء/ في خفة اللص/ ثبتها عاليا برهتين/ كمن سيقطف مشمشة/ من صدر صبية/ رأت عند طبيب الأسنان/ أن العميان يبصرون».
يستعدي وجه الابنة لميس في معاناتها مع مرض الشاعر ويسمي القصيدة باسمها ويصف تدريبها له علي إدارة أكرة الباب: «عشر مرات/ كتمرين علي كفاءة القبض والبسط» وهو التمرين الذي سيمهد لعودة الشاعر إلي القلم ويكتب قصيدة جميلة يستدعي به علاقته بالحروف «ليس الكوفي مهما/ كانت الفاء عندك دقيقة/ ليست دقة الفاء ضرورية/ ما تزال الطاء عندك تحتفظ باستدارتها/ اللعوب».
يثبت حلمي سالم مقولته الثابتة مرة أخري ويقدم ألعابا عديدة وينقلنا وجدانيا من حال إلي حال، وتبدو معه القصيدة، طوع يده، كقدر لا يفارقه في غرفة العمليات وفي السرير أو في حدائق الأنثي، طوع الفص الذي انحنت له الجلطة إجلالا، وأطلق لساني مرة أخري ليقول إن «الشعر ما يكتبه الشعراء».
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة