يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1267 (22 فبراير - 1 مارس) 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

أطوار بهجت

 
 

ورقة توت .. تسقط!!

 
 

أشرف بيدس

 

  كان الشتاء قارسا، شديد البرودة، لا يحمل دفئا أو حميمية، تتلقفه الأيدي الآثمة في العراء، وتلقي به في ساحات القتال ليواجه مصيره، والريح تعصف في المكان، تصفر للنائمين أن يستيقظوا من هذا السبات الكهفي00 ينتبهون لذلك الصباح الجريح الذي يأتي علي ضحكات الصبايا، ونحيب العجائز، وأوجاع الرجال00 لا أحد يسمع00 لا أحد يفهم00 لا أحد يري00 يتسع الشرخ في القلوب، وفي جدران الوطن القابع في السجون والمعتقلات00 يئن، يتأوي، يتألم، يتوجع، لا يسمع صوته غير السجان الأصم، والجلاد الأبكم، الناس عطشي ودجلة والفرات يتعانقان، يختلط الماء بالدماء، يرتفع دوي القنابل والتفجيرات، وتسري في الأجواء رائحة الدخان تحجب الرؤية وتزكم الأنوف، وتبدد الجمال بالقبح، والحياة بالموت، والأمل باليأس، ويمارس الطغاة والحواة هواياتهم في إفساد الحياة0
سقطت ورقة توت أخري بموت المذيعة العراقية أطوار بهجت مراسلة قناة العربية في بغداد وزميليها خالد الفلاحي وعدنان خير الله00
صرخت «أطوار» في الناس تحتمي بهم، لكن صوت القنابل، وهمس الخوف إحالا دون سماعها00 «أطوار» عراقية، شابة، شاعرة، لم تتجاوز بعد الثلاثين، كانت تتأهب لتزف، لكن الموت في أرض الرافدين أسرع من الأمنيات، وأشد سطوة من غوايات الحياة، كانوا يريدونها هي فقط، نريد المراسلة، نريد المراسلة، هكذا كان مطلبهم00 ولا شيء غير «أطوار»، ربما لديها ما يخيفهم ويرعبهم، حاولوا أن يسكتوا صوتها لآخر مرة، حتي لا يفتضح أمرهم00
اغتالوها وزميليها لتكون القصيدة الأخيرة في الديوان الذي لم ينشر، هكذا تزف الصبايا في أوطاننا، يذهبن قسرا أو طواعية إلي قبورهن، وفي عيونهن كحل من تراب الأرض، مخضبة أثوابهن البيضاء بالدماء00
«أطوار» من أب سني وأم شيعية، وكانت تحمل علم العراق في قلادة ترتديها، لم تكن تحمل بارودا أو قنابل، لكنها بلا شك كانت تحمل الحقيقة0 ويبدو أن الحقيقة في أوطاننا فضيلة عزيزة المنال، تكلف أصحابها حياتهم0
مازال مسلسل اغتيال الصحفيين مستمرا، فكل يوم يسقط واحد تلو الآخر في مشهد مؤلم، وهناك من يتربصون بالحقيقة لمنعها من الوصول للناس، يتلصصون عليها، وينقضون في قسوة كلما واتتهم الفرصة00 يريدون تكميم الأفواه، وطمس أي أثر لما يفعلونه0
أي ذنب اقترفته «أطوار» وزميلاها00 هل كانت خصما فيما يقتسمونه، أو أحد أطراف النزاع في المشكلة التي لا تنتهي ولا تحل؟
هل استوي العدل بموتها؟
إن اليد التي اغتالتها وضعت عراقيل جديدة في صحوة العراق00 إن فرض حظر التعايش الذي يمارس علي العراقيين؛ سنه وشيعة وأكرادا يسير في اتجاه الهاوية، وهناك الكثيرون ممن يريدون أن تصل الأمور إلي طرق مسدودة0
رحلت أطوار تاركة ساحة القتال لآخرين، فهي لم يفزعها الموت00 ربما كانت تشتهيه00 تحبو إليه، أو أن التجربة أغوتها بالبحث في أوراق البنفسج عن قصيدة جديدة00 اقتربت أكثر لتعرف المزيد من الأسرار المختبئة في نخيل العراق، فلم يمهلها القدر00 وسقطت لتطرح السؤال الصعب في الزمن الهش:
كم تساوي الحياة؟
وكم تساوي الحقيقة؟
عند سقوط أوراق التوت النضرة العفية، نغوض نحن في دهاليز الواقع المؤلم وسراديب التخلف والجهل، وأغلب الظن أننا سنحتاج سقوط أوراق كثيرة لتضيء لنا العتمة0
ولكن00 هل نملك ما يكفي من أوراق التوت؟
أم سننتظر حتي تكشف عن عوراتنا00
سيظل السؤال مرهونا بالأداء00 حتي ولو دفعت الصبايا ثمنا باهظا للإجابة!!
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة