في يوم مشهود، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وقف
المندوب السوفيتي في الأمم المتحدة فيشنسكي ليتحدث عن نضال
الطبقة العاملة العالمية وتضحياتها خلال حرب تحرير البشرية
من الديكتاتورية النازية الهتلرية، وهي الحرب التي تحمل
العمال السوفيت أعباءها الثقيلة ودفع ما لا يقل عن ثلاثين
مليونا منهم حياته في معركة الدفاع عن الديمقراطية وحقوق
الإنسان0
وانتفض وزير الخارجية البريطاني اينورين بيفن ليقاطعه
قائلا: «من انت حتي تتحدث عن العمال0 أنك تنتمي إلي الطبقة
الارستقراطية القديمة في روسيا00 أما أنا فإنني انتمي إلي
حزب العمال البريطاني، وكنت في الأصل عاملا انتمي إلي طبقة
العمال00» هنا نطق ليشنسكي بعبارته الحاسمة الشهيرة :
«كلانا00 خان مصالح طبقته»!
كان فيشنسكي يقصد أن بيفن خان مصالح الطبقة التي ينتمي
إليها وأصبح يتبني الدفاع عن مصالح الرأسمالية، أما
فيشنسكي نفسه فإنه خان مصالح الارستقراطية ليتبني مصالح
الطبقة العاملة0
وهكذا تم تبادل المواقع0 وثبت أن الأصل الطبقي- يمكن أن
يكون نقيضا لفكر صاحبه، والعكس صحيح0
وكان محمد سيد أحمد يجسد هذا المعني، فهو ينتمي أصلا إلي
طبقة تصطدم مصالحها مباشرة بمصالح الكادحين في هذا البلد،
ولكنه اختار بوعي كامل أن يقف بكلتا قدميه في معسكر
الكادحين ضد مصالح طبقته0 وتخلي «ابن الباشا» عن الفئة
الاجتماعية ، صاحبة الثروة والهيلمان، لكي يقف إلي جانب
المقهورين الذين يحاولون أن ينتزعوا من أنياب الطبقة
الحاكمة00 الحق في حياة إنسانية لائقة0
كنت أتابع محمد سيد أحمد يسير حافيا في أوردي ليمان ابي
زعبل وسياط الجلادين تنهال علي رأسه وكل موضع في جسمه وهو
يكسر الحجارة ويحمل «غلقان» شظاياها00 وأتعجب من مدي
صلابته وقوة عزيمته وإرادته0 كان يرفع معنويات رفاقه
ويشجعهم علي الصمود في وجه حمام الدم الذي يطحن خيرة أبناء
هذا الشعب ويحاول تصفيتهم فكريا وجسديا0
ولكن هيهات00 فقد كان محمد سيد أحمد «رجل الفكر» يعرف كيف
يحمي أفكاره ويحيطها بسياج أشبه بالترسانة التي تحوي كل
أسلحة العقل والمنطق0 وكم كان يقدر الفكر ويحترم العقل في
نبالة وإعزاز وشهامة ورفعة0
كنت ألاحظ أن فكره طليق يحطم الأسوار من حوله ويجوب الآفاق
ويسعي لفهم العالم من أجل تغييره إلي ما هو أفضل0