يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1267 (22 فبراير - 1 مارس) 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 

 
 

دروس محمد سيد أحمد

 
 

أحمد سيد حسن

 

  كثيرة هي الدروس التي علمنا إياها الفارس الراحل الأستاذ محمد سيد أحمد، بداية من انتمائه المخلص للحركة الشيوعية ودخوله لحزب الطبقة العاملة والعمل السري بما يفرضه من إنكار للذات والانصهار التام في بوتقة العمل الحزبي والطاعة العمياء لمسئوليه وقيادييه وبرنامج ولائه الحزبي وتنفيذ تعليماته وخططه السياسية وهو ابن أحد كبار باشوات مصر ومكانه الطبيعي في ذلك الوقت سكني القصور والتنقل بالسيارات الفارهة، والاستمتاع برفاهية الحياة في وقت كانت مصر في الأربعينيات تئن من أوضاع اقتصادية واجتماعية صعبة، ولكنها كانت في نفس الوقت تموج بحركة سياسية عاصفة والحركات والأحزاب والمنظمات السياسية من كل لون تملأ الحياة اليومية للوطن، وفي المقدمة كانت الحركة اليسارية في عنفوان نشاطها وقوتها تخوض نضالا سياسيا واجتماعيا شرسا ضد الاستعمار والإقطاع والفساد حتي قامت ثورة يوليو 1952، ومن بين صفوف الضباط الأحرار كان عدد كبير من الضباط اليساريين زملاء محمد سيد أحمد الذين مهدوا الطريق لثورة يوليو.
وكان أول دروس محمد سيد أحمد الذي تابعناه ونحن شباب صغار في جامعة القاهرة في بداية السبعينيات في غمار الحركة الطلابية التي كانت في ذلك الوقت في طليعة الحركة الوطنية المصرية المتطلعة إلي الثأر واستعادة الأراضي المحتلة في حرب 1967، وصياغة برنامج وطني سياسي واجتماعي واقتصادي للمواجهة ولحماية الطبقات الاجتماعية التي راحت تشاهد إنجازات يوليو وهي تبتعد، كان أول تلك الدروس لنا كشباب صغار أن الانتماء إلي طبقة ثرية لا يعني عدم الانتماء إلي حركة وطنية ودفع أثمان باهظة لذلك، وهل هناك أكثر من سنوات الاعتقال والسجون التي تعرض لها محمد سيد أحمد طوال العهد الناصري الذي بدأنا نتساءل عن أسباب التناقض بين هؤلاء الوطنيين اليساريين وثورة يوليو حتي تلقي بأهم الكتاب والمثقفين وأساتذة الجامعات والطلاب والعمال والنقابيين في السجون والمعتقلات.
ومع بداية تأسيس حزب التجمع في أوائل 1976، كان مبعث فخري وثقتي بالتيار اليساري في مرحلته النضالية الجديدة أنني سأنضم إلي نفس الحزب الذي يتواجد فيه محمد سيد أحمد، والذي كنت أعرفه كاتبا كبيرا شجاعا أحدث صخبا وجدلا سياسيا مهما في الشارع السياسي المصري عبر كتابه الأشهر «بعد أن تسكت المدافع» وهو أول محاولة لكاتب وسياسي مصري في استشراف آفاق الموقف في الشرق الأوسط بعد أن تنتهي الحروب بيننا وبين إسرائيل.
وكان الدرس الثاني إضافة إلي درس الانتماء الطبقي الذي لا يحول دون الانضمام لحزب الطبقة العاملة، هو الشجاعة المطلقة في الدفاع عن الرأي والفكر، فقد بدأ محمد سيد أحمد مبكرا رحلة التفكير بصوت عال في مستقبل المنطقة وواجه انتقادات عنيفة في ظل تشدد فكري وأيدلوجي وبرامج سياسية صارمة والتزام حزبي واتجاهات مستعدة دائما لمحاكمة أي «زميل» وإدانته، واتهامه بالمراجعة واليمينية، فما بالكم وقد دخل محمد سيد أحمد إلي أخطر قضية وهي الخاصة بالصراع مع إسرائيل، محاولا التفكير في شكل تسوية سياسية للمستقبل بعد أن تسكت المدافع.
وفي التجمع والتيار اليساري الجديد الذي تدفق إلي أحضانه أبناء جيلي من شباب الحركة الطلابية الوطنية، اختلطنا مع قادة ومفكرين وكتاب وصحفيين كبار، كانوا هم في طليعة ومقدمة كبار كتاب ومفكري هذا الوطن، ومازلت أذكر مؤتمرا سياسيا كبيرا أقيم في قاعة اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي العربي أيام كان التجمع مايزال «منبرا» ومقره الرئيسي في الدور التاسع علي النيل، وفي هذا المؤتمر كان الحضور سواء علي المنصة أو في القاعة يضم أهم كتاب وسياسيي وصحفيي ومفكري وأساتذة ونقابيي هذا الوطن وفي المقدمة المناضل الكبير خالد محيي الدين متعه الله بالصحة والعافية، وهو مايزال حتي هذه اللحظة يواصل نضاله وعطاءه حتي للبسطاء الباحثين عن وظيفة أو فرصة عمل أو أي مطلب بسيط لا يرد صاحبه أبدا، وكأنه هو الآخر يعلمنا عدم اليأس والاستمرار في العمل والنضال وفي صحيفة «الأهالي» وقبلها في نشرات حزبية صغيرة داخلية مثل التقدم ومجلة الصحف العالمية التي كانت تقدم ترجمات ومتابعات لآراء وأفكار ومقالات من الصحف الدولية، اقتربت مباشرة من محمد سيد أحمد وبدأت دروس مباشرة تلقيتها منه في قواعد المهنة وكيفية فهم وتحليل الأحداث العربية والدولية وكيفية قراءة أبعاد الخبر، وعدم التورط في إصدار أحكام قاطعة، والتريث، والأهم عدم حشد كل المعلومات مرة واحدة، فهناك دائما مرات قادمة والتركيز علي الفكرة لا الكلام الكثير، فالكلمات تعبر عن أفكار، ولا بأس من قدر من الشجاعة حتي لو كان ذلك طريقا للاختلاف علي أن يكون وراء ذلك فكرة مقنعة لصاحبها ومؤمن بها.
ولعل أهم الدروس الأخري التي تعلمتها من أستاذي محمد سيد أحمد هي تقدير أي عمل حتي لو كان بسيطا وساذجا وعدم إحباط صاحبه، وإنما تشجيعه علي الاستمرار والتجويد ولم يكن يمل من المناقشة ولم يهدر أي فكرة أو يسخر من أي محاولة وكان يقول لي دائما إنه يستطيع أن يكتب كل الموضوعات، ولكنه يختار أن يعلق فقط علي موضوع ويترك لنا أعضاء القسم الخارجي الاجتهاد والمحاولة في ظل نقاش ودفع لجهودنا حتي استطعنا الطيران والتحليق وحدنا.
وقد أتيح لي أيضا أن أقترب من محمد سيد أحمد أكثر في أحد أسفاري للخارج حيث سافرنا ذات مرة إلي «فيينا» للمشاركة في مؤتمر للسلام، وقد أبهر حتي المفكرين والمشاركين الأوروبيين بآرائه واجتهاداته، ووصل الإبهار أثناء حفل غداء وألقي كلمة بالفرنسية وكان علي المترجمة أن تنقل الكلمة بالإنجليزية ووجد أن ذلك يمنعها من تناول الغداء في ظل استمرار عملها، فترجم لنفسه إلي الإنجليزية ونال أكثر من الإبهار لأفكارها، وشجاعته الحب لتواضعه ومهارته.
وفي المساء رتب لنا محمد سيد أحمد رحلة لزيارة «فيينا» إلي أهم معالمها وجلسنا في مقاهيها وفي صباح اليوم التالي خرجنا نتمشي وسط الثلوج وبدأ يلتقطها ويقذف بها ويلهو ويقذف بعضها نحوي ويضحك ويطلب مني أن أفعل مثله، ولعبت بالثلج ولم أستطع أن أجرؤ أن أدفع بعضها نحوه، رغم أنه كان يدفعني دفعا للاستمتاع واغتنام لحظات من المرح.
كثيرة هي دروس محمد سيد أحمد وأن ظل أهم دروسه قاطبة هو كيفية احترام الجميع، فقد نجح في ذلك بجدارة وامتياز دون نفاق فقد أثبت ولاءه لأفكاره ولحرية الرأي فأحبه الجميع واحترمه خصومه قبل زملائه ورفاقه لأنهم رأوا فيه الصدق والاقتناع وشجاعة الفارس المحارب الذي لا ينظر إلي عدد الفرسان والجنود من حوله، قبل أن ينظر إلي عدالة القضية ونبل الفكرة التي تستحق أن يناضل من أجلها.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة