يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1267 (22 فبراير - 1 مارس) 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

حر .. كوجه الريح

 
 

.. وملتزم حتي الموت

 
 

أحمد إسماعيل

 

  الغياب الفادح الذي تركه محمد سيد أحمد، وذلك الحزن الداكن الذي خلفه0
ابن الأكابر- الذي انقلب علي حياته الناعمة، واختار السير علي طريق الآلام0
في صباه سوف يعرف من مدرسي اللغة الفرنسية الفرنسي أن الناس سواسيه، وأن الطبقات اختراع شرير0 وفي شبابه سوف يرتدي عدة الحرب ولا يخلعها أبدا0
عرف السجن والفصل من العمل والنفي خارج الوطن وظل كما هو فارسا نبيلا مقاتلا عاشقا0 درس القانون والفنون الجميلة والرياضيات وأخلص لمبادئه وقناعاته السياسية والفكرية0
في الأربعينيات ينتمي للمنظمات الماركسية المتعددة في ذلك الزمان، ويصبح عضوا فاعلا ومؤثرا0 وعندما تنتبه أسرته إلي هذا «العصيان» الطبقي تدفعه إلي باريس للدراسة، وهناك يعرف طريقه إلي الحزب الشيوعي الفرنسي ويغرق في نشاط محموم، فيندم كبير الأسرة إسماعيل صدقي باشا علي هذا الإقصاء0
وفي الخمسينيات يجوب محمد سيد أحمد سجون مصر ومعتقلاتها مع جيل من الشيوعيين المخلصين0
في لقائه مع الرفيق الروسي كوسيجين وبعد خروجه من السجن- سأل محمد سيد أحمد الرفيق الروسي : كيف يكون عبد الناصر علي صواب واعتقالي أنا ورفاقي - علي صواب أيضا؟!
ينتمي محمد سيد أحمد إلي ذلك الجيل من المفكرين الماركسيين الذين انشغلوا بمستقبل الاشتراكية0
كان متابعا دقيقا لكل ما يجري حوله في العالم، وساعدت معرفته التامة باللغات الأجنبية علي هذه القدرة وذلك النشاط0
في منتصف السبعينيات يصدر كتابه - الصاعقة- «بعد أن تسكت المدافع» يقرأ فيه مستقبل المنطقة وسيناريوهات الغد وما تضمره القوي العظمي من مشروعات وتحركات في منطقة الشرق الأوسط0 وتهتز الدوائر السياسية والفكرية لهذا الكتاب الخطير0 لقد أراد محمد سيد أحمد أن يفكر بصوت عال ودون محاذير قومية أو أمنية ويطرح أسئلته في جسارة وشجاعة نادرتين0
وكثيراً ما كان يخرج علي الخطوط المستقرة ويثير الزوابع بآرائه وعلاقاته الدولية0 كان فوق كل الشبهات- فإذا التقي بوفود إسرائيلية يعلن ذلك بوضوح وقوة، ويجد دائما من يصدقه في تحركاته ونواياه0
كان جريئا إلي حد الإرباك، وملتزما علي نحو يثير الدهشة0
شارك في تأسيس حزب التجمع وجريدة الأهالي وكل مطبوعات اليسار، وظل يحمل التزامه حتي آخر لحظة في حياته0
يري أن التكنولوجيا الحديثة سوف تترك آثارها العميقة علي كل الحقائق المستقرة0 كان صادما لكل أبناء جيله من المفكرين الماركسيين ويمتلك شجاعة النقد الذاتي إلي حد الإبهار0 يرفض أي موقع قيادي في الحزب، ويعتبر نفسه جنديا في مكانه الصحفي المتميز والمرموق0
أثناء عاصفة كتابه «بعد أن تسكت المدافع»، رشحته كثير من الدوائر وزيرا لخارجية مصر، ولكنه تراجع عن أفكار كتابه خشية اتهامه «بالانتهازية الفكرية»0
عارض معاهدة كامب ديفيد وأيد الحوار مع اليسار الأوروبي والإسرائيلي0 رفض مؤتمر كوبنهاجن بعد أن شارك في الإعداد له، وذلك بعد أن تأكد من وجود أهداف خفية0 كان القلق يفترسه، ولكن سؤاله ظل متوهجا حادا لامعا كنصل0
في الثمانينيات يفكر في كتابة سيرته الذاتية ويكتشف أن النشأة التنظيمية في صفوف الماركسيين في الأربعينيات لا تختلف كثيرا عن مثيلتها في صفوف الجماعات الجهادية فيكتب «صيغة شيوعية للتكفير والهجرة»، يروي فيها علاقته بالماركسيين الأجانب في ذلك الزمن البعيد، وكيف قضت قواعد الأمان الصارمة داخل هذه المنظمات علي روح المبادرة والخلق الفكري0
وعندما تثار قضية علاقة اليهود المصريين بنشأة المنظمات الماركسية وعلاقة ذلك كله بإسرائيل يتصدي للكتابة بجرأة ويشير بأصبع الاتهام إلي مواطن الخلل0
ورغم النشأة الارستقراطية إلا أنه كان بسيطا متواضعا إلي حد الخجل، رقيقا عطوفا ومعلما0
كان اللقاء الأخير معه بمنزل السفير الهندي، سألته عن أحواله فقال لي بأسي: الأوضاع خطيرة وأخشي أن تصبح انفلاتية!
وفي الصبح غادرنا وانفلت من بين صفوفنا فوداعا أيها المعلم النبيل وعزاء لكل الحالمين بالخلاص و«الانفلات»0
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة