في الزمان القديم، عندما كنا لم نزل فتية صغاراً في عام
1949، تهامس المعتقلون في هايكستب باسمه، الفتي العصي
المستعصي علي كل مغريات حياة الأثرياء00 أو بالدقة كبار
كبار الأثرياء، الراهب القادر علي احتقار كل مغريات الحياة
الارستقراطية، احتقارها والتباعد عنها ليذهب بكل ذاته
وعقله وجسده إلي أحضان الققراء0
ومع حركة تنقلات بين سكان عنابر المعتقل التقينا0 كانت
البساطة عندما تتجسد رجلاً0 هادئاً في ثورة، ساخطا في
هدوء0
حاولت جاهداً أن أستدرجه إلي حديث عن التناقض بين فتي من
أسرة من أغني الأغنياء، وبين انتمائه لجيش المدافعين عن
الفقراء، لكن محاولتي الساذجة لم تجد أي صدي، كان يعتبر أن
وقوفه في صفوف الفقراء هو الموقف الطبيعي والذي لا يحتاج
إلي أي تفسير0
وتمضي أيام وسنوات لنلتقي من جديد، وأيضا كنا في السجن،
وهناك تقاربنا أكثر فأكثر0 كان الزمان صعباً ومن سجن لسجن
انتقلنا معاً، وكان التعذيب وحشياً وجنونياً، وكنا نتماسك
معاً، كي يستطيع كل منا أن يتماسك، وفي خضم هذا الجنون
النازي كنت أنت صلباً ورائعاً0 كقطعة ماس أكثر صلابة من
الصلب، لكنها تمتاز أيضاً ببريق دائم التوهج، أبدي التألق0
وينتهي زمان السجون لنلتقي معاً في رحلة بل رحلات جديدة،
في أخبار اليوم معاً ثم أيضا في الطليعة وفي الأهرام0
ومعاً أيضاً منذ الساعات الأولي لتأسيس منبر اليسار فحزب
التجمع0
يا أخي00 يا رفيق الزمان الجميل0
شكراً00 شكراً جزيلاً علي ما تعلمته عنك وعلي يديك0
شكراً00 شكرا جزيلاً علي ذكريات ممتلئة بالجمال، وعلي
زمالة مفعمة بعبق أخوة صادقة0
يا أخي00 يا رفيق الزمان الجميل00
هكذا ترحل هادئاً، كما كنت تأتي هادئاً0 وتجلس هادئاً في
اجتماعاتنا وعندما تتحدث ننصت جميعاً لنستمع ونستمتع بفهم
رائق، وتحليل عميق0 ومتعمق0
كنا بك نفهم ونتعلم0 فلماذا ترحل؟
يا رفيق الزمان الجميل00 كنا أشد حاجة إليك في هذا الزمان
الكئيب0 فلماذا ترحل؟
لماذا ترحل في وقت نحن فيه في أشد الاحتياج إلي رؤيتك
الصافية، ورأيك الصائب0
يا عزيزي وصديقي ورفيق الأيام الصعبة والأيام الأكثر صعوبة
نم هادئاً ومطمئناً00 فنحن لم نزل وسنظل كما أردت لنا أن
نكون00 ولك مني ومنا جميعا سلام وتحية00 وإلي لقاء0