مات الناس من الضحك
.. عندما حذرتهم الحكومة من تناول المايونيز والكريم
كراميل .. والآيفانكوخن!
المصائب في بلدنا .. لها جمهورها!
جمهور متخصص في «البلاوي» المسيحة .. وتلك التي «متنيلة
بستين نيلة»!
جمهور لا تراه إلا عند عودة نعوش طائرة من العراق .. أيام
اتفاق التعاون الرباعي .. أو عند اندلاع حريق في قطار
الصعيد .. أو سقوط جرار بركابه من عمال التراحيل في ترعة
.. أو غرق عبارة .. أو سقوط عربة «شرشورة» من فوق الكباري
العلوية..
جمهور لا تراه إلا عندما تنشر الصحف صور الضحايا ..
وتوابعهم!
كل واحد منهم أشبه ب «القنفذ» .. لا يستطيع الدفاع عن نفسه
.. وكل واحد يحمل ملامح المعمرين الذين تجاوزوا المائة سنة
.. بمن فيهم الأطفال!
أطفال معمرون .. يحملون علي أكتافهم كل هموم المعمرين ..
وتقول الدراسة التي أعدها المركز القومي للبحوث أن 52% من
تلاميذ المدارس الابتدائية يعانون من أعراض الاكتئاب
الإحباطي .. والقلق النفسي .. وأن ثلاثة ملايين طفل يعولون
أسرهم .. ويعانون من أمراض «التقزم»!
وإذا تأملت صور ضحايا قطار الصعيد .. وضحايا العبارة ..
وضحايا النعوش الطائرة .. ستجدهم نفس الناس .. ونفس
الملامح .. وتستطيع ببساطة أن تشير إليهم باعتزاز
«المصريين أهمه»!
أسماء ضحايا قطار الصعيد .. هي نفس أسماء الذين صعدت
أرواحهم إلي السماء من قاع البحر الأحمر.
نفس الجمهور .. ونفس الشريحة .. التي تتعلق بتلابيب الحياة
ويضعها الحزب السرمدي في عداد «الكرنب».
كل واحد عبارة .. عن كرنبة!
والمثير في الموضوع ..أننا لا نري صور هؤلاء المصريين في
المناسبات العادية .. المهرجانية .. ولا في أغاني الفيديو
كليب.
نري صورهم .. عند وقوع البلاوي الثقيلة فقط.
هذا يبكي .. وهذه تولول .. وذاك ينوح .. وتلك تندب حظها
لورود اسم بعلها بين الناجين!
وكان غرق العبارة .. هو أحدث ظهور لهذا الجمهور .. علي
مسرح البلاوي المسيحة.
وتحدث الناس في مجلس الشعب .. وتحمس الدكتور فتحي سرور ..
وقال: إن من حق كل نائب أن يتكلم(!!)
وانتهي موسم الكلام عن العبارات .. وضحايا العبارات ..
وحصل أهالي الضحايا علي التعويضات .. وجري استدعاء عالم
نفس فرنسي لمعاينة الطفل محمد .. الذي فقد عائلته .. وبات
وحيدا .. تطارده عدسات الفضائيات من كل حدب وصوب .. مما قد
يصيبه بالجنون المبكر..
وانتهاء الكلام عن العبارات لا يعني أن المشكلة انتهت وأنه
قد ألقي القبض علي صاحب الشركة ... إلخ .. وإنما لسبب آخر
تماما..
إننا بصدد مصيبة أكبر .. وضحايا أكثر .. وخسائر أفدح.
نحن الآن في موسم الكلام عن «إنفلونزا الطيور» التي قيل
أنها ظهرت في العديد من المحافظات.
ظهرت بين نفس الجمهور .. ونفس الشريحة .. التي تتعلق
بتلابيب الحياة .. وتمارس حياتها علي الفطرة.
من الطيور التي تعيش مع البسطاء .. فوق أسطح العشش ..
وأزقة الأحياء التي يقطنها ركاب العبارات .. والقطارات ..
وعربات «الشرشورة»!
وانفلونزا الطيور .. لا تصيب رواد المنتجعات .. ولا الطبقة
السياسية .. ولا كبار المسئولين الذين يتحركون داخل سيارات
مسدلة الستائر .. تحوطها عربات الحراسة المدججة بالمدافع
الرشاشة .. وإنما تصيب البسطاء .. الذين يعيشون مع الدجاج
في عشش مشتركة.. ويموتون في قاع البحر الأحمر.
البسطاء الذين يخالطون الدجاج .. اختلاط العدس بالأرز في
أطباق الكشري!
ملايين المصريين يعيشون مع الدجاج .. في ملحمة إنسانية ..
لا تعرفه المقالات الافتتاحية في صحف الحكومة.
والأمهات العاملات في المنازل .. يتركن أطفالهن في رعاية
الدجاج .. وكل عشة ولها أسرارها .. التي لا يعرفها إلا
الدجاج.
والدجاجة .. لا تفشي الأسرار .. لأنها دجاجة!
ومن هذه العلاقات .. التي فرضها الحزب السرمدي علي ملايين
المصريين تنتقل عدوي الطيور إلي البسطاء فقط.
وفي الوقت الذي تستورد فيه سيدات الطبقة السياسية مايوهات
بيكيني لعصافير الزينة بعشرة دولارات للمايوه الواحد «يا
بلاش»!
وتستورد الطلاء لأظافر القطط المدللة .. ورابطات العنق
للكلاب.. وفساتين لإناث الكلاب .. إلخ .. تختلط إفرازات
الدجاج «المذكر والمؤنث» بأطعمة الأطفال الذين يحبون علي
الأرض .. في العشش المشتركة بين الدجاج والبشر .. بين
نفايات الطيور .. ونفايات جمهور «البلاوي»!
وتنتقل أنباء المصيبة من الأحياء العشوائية .. إلي أطراف
الدنيا .. وتعرف الدول الأعضاء في مجلس الأمن .. تفاصيل ما
يجري .. لأن المشكلة أكبر من قدرة الحكومة علي حجبها عن
العيون.
الحكومة لا تستطيع إخفاء نبأ حريق قطار الصعيد بركابه ..
ولا غرق عبارة .. ولا ظهور إنفلونزا الطيور في محافظة ..
تخصص محافظها في أمراض الطيور .. من محاسن الصدف!
فالسيد محافظ الجيزة .. خبير في شئون أمراض الطيور ..
ويبدو أن الحكومة كانت بعيدة النظر عندما اختارته محافظا
للجيزة .. حيث ظهرت أعراض انفلونزا الطيور .. وبات حديثة
عن الكارثة .. حديث «أهل الذكر» علي رأي عبد العظيم وزير
محافظ القاهرة في برنامج «سؤال» الذي تعده الدكتورة درية
شرف الدين!
المهم .. أنه عندما تقع كارثة .. تفتح أجهزة الإعلام ..
ملفات القطاع الذي شهد الكارثة..
ملفات السكة الحديد .. بعد حريق قطار الصعيد..
ملفات البيئة .. بعد انتشار السحابة السوداء
ملفات الجسر البري .. بين السعودية ومصر .. بعد غرق
العبارة ... إلخ
ونحن الآن علي أبواب فتح ملف انفلونزا الطيور..
موسم جديد .. يبدأ كالعادة بنفس الدقات التقليدية ..
ولخصها مانشيت أخبار اليوم الصادرة يوم السبت 18 فبراير
كالآتي:
مبارك يتابع إجراءات الوقاية لحظة بلحظة
الرئيس يشدد علي إعلان الحقائق كاملة وبشفافية..
توفيرالعقار المستخدم في العلاج والتصدي لمخاطر انتشار
المرض..
وهي نفس البداية للكلام عن أزمة «العبارة» ..عندما تابع
الرئيس مبارك عن كثب عمليات الإنقاذ لحظة بلحظة..
وطالب بتوقيع أقصي العقوبات علي المقصرين..
علما بأن مصر ليست أول .. ولن تكون آخر دولة تصاب طيورها
بالإنفلونزا..
فالمصيبة .. هذه المرة .. لها أبعادها الدولية ..
الفرق .. أن الإنفلونزا ظهرت عندهم في «مزارع الطيور»..
وقام الخبراء بفحص مزارع تربية الدواجن .. أما عندنا فقد
ظهرت إنفلونزا الطيور .. من داخل العشوائيات .. وفي العشش
التي يقطنها البسطاء مع دواجنهم .. وحيواناتهم الأليفة ..
وأطفالهم..
من المناطق ذات الكثافة السكانية العالية .. حيث لا تتوافر
المياه النقية ولا الصرف الصحي .. ولا الحد الأدني في
ثقافة العناية الصحية ..
نحن أمام مواصفات خاصة ..
ولذلك فإن فتح ملف إنفلونزا الطيور وحده .. لا يكفي ..
نحن أمام بيئة .. وأهوال معيشية .. وفقر مدقع .. حاضن لكل
ألوان الأوبئة .. ولذلك فقد استلقي الناس علي ظهورهم من
فرط الضحك عندما نصحهم .. وزير الصحة السابق تاج الدين ..
بارتداء واقيات الرأس .. وواقيات الجهاز التنفسي ..
والنظارات الواقية للعينين .. والقفازات والأردية الواقية
.. وحذاء بلاستيكي ذي رقبة .. عند التعامل مع الطيور أو
إفرازاتها .. أو عند تنظيف البيئة المحيطة!!
وقال الدكتور تاج الدين في تصريحاته التي أطلقها في سبتمبر
2005: إنه يتعين علي كل المتعاملين مع بقايا الطيور .. أو
مخلفات المزارع .. التطعيم بالطعم السنوي (!!) المضاد
لفيروس الإنفلونزا (!!)
الدكتور تاج الدين .. كان يتحدث عن مزارع تربية الدواجن ..
علي الطراز الأوروبي .. وليس عن دواجن تعيش مع الناس في
مقابرهم .. وفوق أسطح منازلهم .. وفي عششهم المكيفة الهواء
..
والأدهي من ذلك أنه عندما انتشر رعب الطيور في العديد من
المحافظات حذرت الحكومة المواطنين من تناول المايونيز
والكريم كراميل والآيفانكوخن .. المصنعة خارج المنزل.
وهذه هي المشكلة
أن ساسة هذا البلد .. هم أبعد الناس دراية بأحوال المصريين
.. الذين يحترقون في قطارات الصعيد .. ويغرقون في قاع
البحر الأحمر ويعيشون مع الدواجن في عشش مشتركة..
أي جمهور «البلاوي المسيحة» الذي يشار إليه بجملة
المصريين أهمه !
>>>
كريمة حنفي .. سيدة مصرية عادية .. تبلغ من العمر 35 سنة
..
عندها 3 بنات .. هن بسمة وسحر وآية .. وليس عندها بطاقة
انتخابية .. ولا رقم قومي .. ولا ترقص عندما يحرز «ميدو»
هدفا!
سيدة مصرية .. عادية جدا .. تعيش مع زوجها وبناتها في غرفة
خشبية فوق سطح أحد المنازل بشارع عبد السلام عارف في
دمنهور..
غرفة مشحونة بالثقوب .. لا تصد البرودة ولا مياه الأمطار
ولا أتربة الخماسين .. كما لا تصد حرارة الصيف .. في أروع
تجسيد لتطبيق الحكومة لسياسة الشفافية .. علي الشعب.
شفافية مطلقة .. لجمهور «البلاوي المسيحة» فقط .. لأنه علي
حد تعبير كبار المسئولين في مجلس الشعب «ليس لدينا .. ما
نخفيه»!!
لا .. الحكومة لديها ما تخفيه .. ولا الناس التي تكابد
العيشة الهباب..
كريمة حنفي .. ليس لديها ما تخفيه .. ولا زوجها محمد السيد
متولي غمري البالغ من ا لعمر 44 سنة ..
ومحمد السيد متولي غمري يعمل فرانا في أحد المخابز ..
ولديه رخصة قيادة ..
يقف أمام نيران الفرن 12 ساعة كل يوم .. في الشتاء والصيف
ليخرج للناس رغيف «البردقوش» .. أما أحلامه فهي أن يعيش في
عشة .. لها سقف .. وجدران .. وغرفة لبناته .. لها جدار
فاصل..
جدار يفصله وزوجته .. عن بناته..
حلم لا يمكن أن يتحقق في ظل الحزب السرمدي في الداخل ..
وظل محمد يبحث عن عقد عمل في إحدي دول الخليج .. إلي أن
حصل علي عمل كسائق خلال فترة الحج..
وكافح الرجل .. وادخر من قوت يومه .. إلي أن انتهت فترة
التعاقد .. وحمل محمد السيد متولي مدخراته .. ووضعها في
حقيبة ملابسه .. واستقل العبارة مع أكثر من ألف مصري من
أمثاله .. ومات.
مات مع الألف مصري في قاع البحر الأحمر
مع نفس المصريين ونفس الشريحة .. ونفس المشكلة .. ونفس
المصير..
في ميناء سفاجا تجمع أهالي الضحايا .. وصدر عن وزارة
الداخلية نفس البيان الذي صدر عند تفريق اعتصام أهالي
دارفور في ميدان مصطفي محمود ..
قال البيان الرسمي الذي نشرته صحف الحكومة في السابع من
فبراير 2006 .. ما يلي:
صرح مصدر أمني بأنه صباح 6 الشهر الحالي عاود نحو 1200 من
أهالي ضحايا ركاب العبارة «السلام 98» محاولة اقتحام بوابة
ميناء سفاجا البحري .. إصرارا علي الترقب المباشر لأخبار
ذويهم .
ولدي «توعيتهم» بتعارض ذلك مع النظام .. قاموا بقذف قوات
الشرطة بالحجارة وتحطيم لافتات إرشادية .. كما تجمع 1500
أمام مستشفي الغردقة .. وقاموا بإلقاء الحجارة علي المبني
وتحطيم عدد من زجاج نوافذ المستشفي وإتلاف سيارة شرطة..
اختصار القول أنه وقع اشتباك بين الشرطة والأهالي .. وتم
نقل الضحايا للمستشفيات..
المهم .. أن كريمة .. ليست «العينة» العشوائية لضحايا
العبارة .. فحسب .. وإنما هي أيضا النموذج لضحايا ..
انتشار رعب الطيور في العشوائيات وبين سكان العشش التي
يقطنها الدجاج والحيوانات الأليفة .. مع جمهور «البلاوي»
المسيحة..
هي النموذج لمشاكل ملايين المصريين التي تجاهلها النظام
الحاكم لما يزيد علي ربع قرن..
إهمال في مراقبة العبارات .. وفي المستشفيات .. وثلاجات
الموتي .. وفرق الإنقاذ ..
ولذلك فإن أخشي ما أخشاه أن يصدر مجلس الوزراء في اجتماعه
اليوم «الأربعاء» قرارا بإزالة العشش المقامة فوق أسطح
المنازل .. وتشريد ملايين المصريين .. الذين قد يري البعض
منهم حمل أطفاله ومتاعه .. وطيوره .. والإقامة الدائمة في
ميدان مصطفي محمود ..
المطلوب الآن .. أكثر من أي وقت مضي .. الرفق بالمواطنين
الذين جعل الحزب السرمدي حياتهم «متنيلة بستين نيلة»!