عندما بدأ نذير العدوان الثلاثي علي مصر عام 1956، وانطلق
الشعب المصري يهب دفاعا عن الوطن سواء بالتطوع للقتال أو
بجمع الأموال أو بالمشاركة في قوافل التمريض أو غير ذلك من
الأعمال.. فوجئت بشاب ذي وجه مضيء يدخل مكتبي في جريدة
«المساء» ليقول لي إنه متبرع بمبلغ من المال لمواجهة
العدوان.. سألته عن المبلغ فقال لي رقما فلكيا بمقاييس ذلك
الزمان.. رحبت به وسألته عن اسمه فقال: «اسمي محمد سيد
أحمد».. وكانت هذه هي المرة الأولي التي أراه فيها، لكنني
للحقيقة لم أنتبه للاسم حتي جاء عدد من الصحفيين بالمساء
وعرفوني به واكتشفت أن كثيرا منهم يعرفونه تمام المعرفة.
وتوالت بعدها لقاءاتنا فقد عرفته في خضم معركة الشعب
المصري بكل قواه الوطنية من أجل الاستقلال والعدل والحرية
وازداد احتكاكي به في العمل السياسي خاصة أننا كنا مهمومين
بموضوع مشترك هو السلام في الشرق الأوسط.. فلقد كنت وقتها
رئيسا لحركة السلام المصرية ذات النشاط الواسع آنذاك في
محاولة منها للتأثير علي الرأي العام العالمي بما فيه
الرأي العام الإسرائيلي، وكان محمد سيد أحمد مؤمنا بقضية
الرأي العام العالمي والإسرائيلي وكسبهم لصف السلام القائم
علي العدل والحق.
وقد أعطاه وجوده في جريدة «الأهرام» فرصة التعبير عن
أفكاره بطريقة رصينة وموضوعية التزم واشتهر بها في كل
كتاباته.
وكان يمتلك شجاعة منقطعة النظير في التعبير عن رأيه خاصة
في الموقف من قوي السلام في إسرائيل فكان يؤمن بأهمية
التعامل بشكل مختلف مع «الإسرائيلي» المؤمن بحق تقرير
المصير للشعب الفلسطيني وإقامة دولته المستقلة، وذلك حتي
يمكن خلق رأي عام ضاغط داخل إسرائيل ذاتها يستطيع التأثير
علي حكومته، وكان يعتقد أن هذا لمصلحة مصر ولمصلحة قضية
السلام في الشرق الأوسط.. ولعل هذا هو سر خلافاته مع البعض
خاصة عندما أصدر كتابه الشهير «بعد أن تسكت المدافع» والذي
تنبأ فيه بالكثير مما حدث بعد ذلك.. وفي خضم رؤيته هذه..
لم يتنازل عن ثوابته التي يؤمن بها، وليس مصادفة أنه بحق
يمثل ظاهرة في موضوعيته وفي جرأته وفي رؤيته للأمور.
ووصل الانصهار بيننا إلي ذروته عندما بدأت أفكر في إنشاء
منبر لليسار.. فمنذ البداية أيد محمد سيد أحمد فكرة وجود
جبهة لليسار المصري من خلال حزب يقوم علي برنامج سياسي
يمثل الحد الأدني الذي تتفق عليه كل الاتجاهات الفكرية،
وآمن بأنه ليس إلزاميا أن يكون عضو التجمع ملتزما
بالأيديولوجية الاشتراكية بتياراتها المختلفة.. ولعل هذا
هو بالفعل سر استمرار التجمع دون أن ينقسم لأنه ابتعد عن
الأيديولوجية واهتم بالفعل السياسي من خلال برنامج سياسي.
لقد كانت رحلة محمد سيد أحمد في الحياة وفي التجمع رحلة
ثرية وغنية بالمعارك والإبداع الفكري والعمل النضالي.. لقد
كان دائما وطنيا شريفا واشتراكيا مخلصا وديمقراطيا يؤمن
بالديمقراطية إلي أبعد مدي ممكن كسبيل لتطور المجتمع
وتحقيق ما يصبو إليه الشعب عبر مراحل نضالاته المتعددة.
رحم الله فقيدنا الكبير وعزاء خاص للسيدة حرمه ولأبنائه
ولزملائه وتلاميذه وعارفي فضله.
رحيل قائد من مؤسسي حزب التجمع ينعي حزب التجمع المفكر الكبير والمناضل الفذ محمد سيد
أحمد أحد مؤسسي الحزب وعضو المجلس الاستشاري الذي رحل يوم
السبت الماضي بعد رحلة طويلة من العمل السياسي الجاد
والعمل الفكري والصحفي الدءوب وقد تولي محمد سيد أحمد
مسئولية اللجنة السياسية بالحزب التي أعدت وثائق وبيانات
الحزب في فترة من أصعب فترات العمل السياسي في مصر كما
تولي منصب مدير تحرير «الأهالي» في بداية إصدارها الثاني.
وعندما هدد السادات بفصل أي صحفي بالصحف القومية يكتب في
صحف المعارضة، كان محمد سيد أحمد أول من تحدي القرار وكتب
بتوقيعه في جريدة «الأهالي» وبدأ كبار الصحفيين يكتبون
بتوقيعهم بعد ذلك وأسقط في يد السادات ولم يستطع اتخاذ أي
إجراء.
كان محمد سيد أحمد مثالا للمناضل النقي والمفكر الجاد
والكاتب الملتزم بقضايا الشعب والوطن وانحاز منذ فجر شبابه
للكادحين والمطحونين وظل ثابتا علي اختياراته حتي اللحظة
الأخيرة من حياته.
إن حزب التجمع إذ ينعي إلي الشعب المصري الفقيد الكبير،
يتقدم بخالص العزاء للسيدة زوجته وأبنائه وزملائه وتلاميذه
وكل محبيه، ورحم الله فقيد الوطن والحركة الوطنية المصرية
محمد سيد أحمد.