لم أصادف في حياتي إنسانا يجمع الناس علي حبه واحترامه حتي
وإن اختلفوا معه بشدة مثل الصديق والأستاذ والزميل الراحل
محمد سيد أحمد0 كان محمد سيد أحمد الإنسان نموذجا فريدا
بحق لم يعرف قلبه الكراهية لأحد، وافترض دائما أن الناس
بطبعهم خيرون وحسنو النية، وغفر إساءات كثيرة وجهت إليه من
هنا أو هناك0 ورغم تفرده الخلقي والفكري كان متواضعا
وبسيطا للغاية0
عرفته في نهاية الستينيات ككاتب لامع في الأهرام والطليعة
منحاز بصدق إلي الطبقات الشعبية ومؤمن بالشيوعية كمنهج
وعقيدة، يسعي دائما لتطويرها علي أساس الواقع وبمرونة
شديدة لا تتناقض مع المبدأ0 ثم تزاملنا في حزب التجمع عند
تأسيسه، واتفقنا واختلفنا، ولكن الصداقة والاحترام لم
يصبهما أي خدش، فمحمد يحترم أصدقاءه وخصومه بنفس القدر
ويفرض علي الاخرين احترامه أيضا0 ورغم أنه كان يكبرني سنا
ومقاما فلم يتردد، أبدا في قبول أوضاع تنظيمية تضعني في
قيادة اجتماع يحضره أو في رئاسته0
عندما ترك موقعه كأمين للجنة السياسية للحزب بعد المؤتمر
العام الرابع، وشاءت الظروف أن أحل محله في هذا الموقع،
اختار أن يكون عضوا في نفس اللجنة وأن يقدم إسهامه المتميز
فيها، وساعدني علي تجاوز هذا التحدي الصعب00 أن تكون في
موقع يشغله محمد سيد أحمد، وأن يقارن الناس بين أدائك
وأدائه0
ولم يكن محمد سيد أحمد قادرا علي القبول بما هو متفق عليه
أو مستقر0 كان يملك عقلا نقديا بامتياز0 يعيد النظر كل يوم
وكل ساعة في كل الأفكار والحقائق السائدة بحثا عن الجديد
وعن حلول للتناقضات الفكرية التي تولدها الحياة0 وكم كانت
السعادة والانبهار يظهران عليه عندما يكتشف حقيقة جديدة أو
تلمع في ذهنه فكرة لم تكن واردة من قبل0
كان محمد يهب نفسه بالكامل في أي عمل يقبل القيام به0 ولم
يكن يسمح لأي مشاكل شخصية أن تؤثر علي عمله العام0 كان
باختصار نموذجا لليساري كما يجب أن يكون0 ولم يتردد لحظة
في الجهر بما يؤمن به حتي لو خالفه أصدقاؤه والعالم كله،
وفي الاعتراف بالخطأ إذا تصادف واكتشف أن هناك خطأ ما في
رأي أو موقف سبق أن اتخذه0
وإذا كان محمد سيد أحمد قد رحل عن دنيانا، فإن خصاله
وآراءه ومواقفه مازالت تلهم أصدقاءه ومعارفه وكل من اقترب
منه0