.. وهكذا استدار رفاعة دورة واسعة حول الفكرة ثم نال منها
عبر حديث عن شيخ ربما لم يسمع به أحد.. هناك بعيداً في أرض
أزوات بالقرب من بلاد تمبكتو.
.. وهكذا فإن القيد قد يكون بذاته مخرجاً.
ونعود إلي ليبرالية رفاعة
نعود لنحاول أن ننهل قطرات من بحر زاخر
ولنبدأ بمعركة رفاعة الأساسية.. التعليم «التعليم يجب أن
يكون عاماً لجميع الناس، يتمتع به الأغنياء والفقراء علي
السواء.. فهو ضروري لسائر الناس يحتاج إليه كل إنسان
كاحتياجه إلي الخبز والماء»
.. عبارة مماثلة قالها طه حسين بعد أكثر من قرن من الزمان،
واعتبرها الناس ولم يزالوا قفزة ديمقراطية وليبرالية بالغة
الأهمية.
والتعليم الذي يقصده رفاعه هو التعليم العصري.. وليس ذلك
التعليم الذي عرفه الأزهريون علي زمانه.. إغراق في كتب
السلف، والاعتماد علي النقل.. دون إعمال العقل.. فيقول «إن
مدار سلوك جادة الرشاد والإصابة، منوط بأولي الأمر في هذه
العصابة ]كان يتحدث عن شيوخ الأزهر[ التي ينبغي أن تضيف
إلي ما يجب عليها من نشر السنة الشريفة، ورفع أعلام
الشريعة المنيفة، معرفة سائر المعارف البشرية المدنية التي
لها مدخل في تقديم الوطنية، لاسيما وأن هذه العلوم الحكمية
العلمية التي يظهر الآن أنها أجنبية، هي علوم إسلامية
نقلها الأجانب إلي لغاتهم من الكتب العربية».
وهو يفرق بين الشيخ والعالم قائلا «لا تتوهم أن علماء
الفرنسيس هم القسوس، فالقسوس علماء في الدين فقط. وأما من
يطلق عليه اسم العالم فهو من له معرفة في العلوم العقلية
التي من جملتها علم الأحكام والسياسات» و«علماء الفرنسيس
نوع آخر لتعلمهم تعلماً تاماً عدة أمور وإعتنائهم زيادة
علي ذلك بنوع مخصوص، وكشفهم كثيراً من الأشياء، وتجديدهم
فوائد غير مسبوقين بها، فإن هذه عندهم هي أوصاف العالم..
وليس عندهم كل مدرس عالماً..».
ثم يفتح رفاعة ثغرة كبيرة في جدار الجمود والتخلف، عندما
يدافع عن ضرورة تعليم المرأة «إن القول بأنه لا ينبغي
تعليم النساء الكتابة إرتكازاً علي النهي عن ذلك في بعض
الآثار... ينبغي ألا يكون علي عمومه، ولا نظر إلي قول من
علل ذلك» ثم.. «وقد اقتضت التجربة في كثير من البلدان أن
نفع تعليم البنات أكثر من ضرره، بل لا ضرر فيه أصلا»
وأيضا.. «ودخول المدارس للبنات والغلمان واجب قانوناً في
جرمانيا. بل إن أوربا كلها تعلم البنات والبنين علي قدم
المساواة.. وهذا هو السر في أن بلادهم الآن هي أقوي
البلدان».
ويواصل رفاعة معركة الدفاع عن المرأة.. ويسبق في ذلك قاسم
أمين بأكثر من نصف قرن «إن وقوع اللخبطة بالنسبة لعفة
النساء لا يأتي من كشفهن أو سترهن، بل ينشأ ذلك من التربية
الجيدة أو الخسيسة، والتعود علي محبة واحد دون غيره، وعدم
التشريك في المحبة، والإلتآم بين الزوجين».
ولا مجال عند رفاعة للتفريق بين الرجل والمرأة «فإذا أمعنا
النظر في هيئة المرأة والرجل في أي وجه من الوجوه لم نجد
إلا فرقاً يسيراً يظهر في الذكورة والأنوثة وما يتعلق
بهما.. ثم ان للمرأة بغض النظر عن تباين الجنس صفات أخري
تتميز بها عن الرجل».
والعمل حق المرأة، وهو ضرورة لحمايتها اجتماعياً وأخلاقياً
«فكل ما تطيقه النساء من العمل يباشرنه بأنفسهن وهذا من
شأنه أن يشغل النساء عن البطالة، فإن فراغ أيديهن من العمل
يشغل ألسنتهن بالأباطيل، وقلوبهن بالأهواء وافتعال
الأقاويل» ثم.. «إن العمل يصون المرأة عما لا يليق بها،
ويقربها من الفضيلة» .. «فإن اليد الفارغة تسارع إلي
الشر.. والقلب الفارغ يسارع إلي الإثم».
.. والقول عند رفاعة مبدأ يلتزم به. فهو ليس مثل الكثير من
الرجال الشرقيين يتحدثون عن المساواة بين الرجل والمرأة،
مجرد قول بلا فعل، بل وفي كثير من الأحيان يكون الفعل عكس
القول..
فعندما يتزوج رفاعة يمنح زوجته تعهداً مكتوباً ]أليس هذا
أمراً نادراً؟[. والتعهد مكتوب بخطه.. ومختوم بخاتمه وأودع
في أرشيفات عهد محمد علي بالقلعة «التزم كاتب هذه الأحرف
رفاعة بدوي رافع لبنت خالته المصونة الحاجة كريمة بنت
العلامة الشيخ محمد الفرغلي الأنصاري، أنه يبقي معها وحدها
علي الزوجية دون غيرها من زوجة أخري ولا جارية أيا كانت،
وعلق عصمتها علي أخذ غيرها من نساء، أو تمتع بجارية أخري،
فإن تزوج بزوجة أيا ما كانت.. كانت بنت خاله بمجرد العقد
طالقة بالثلاثة، وكذلك إذا تمتع بجارية ملك يمين.. ولكنه
أوعدها وعداً صحيحاً لا ينتقض ولا يحل، انها مادامت معه
علي المحبة المعهودة، مقيمة علي الأمانة والعهد لبيتها
ولأولادها ولخدمها وجواريها، ساكنة معه في محل سكناه لا
يتزوج بغيرها أصلا، ولا يتمتع بجوار أصلا، ولا يخرجها من
عصمته حتي يقضي الله لأحدهما بقضاه». ووثيقة كهذه لا تحتاج
إلي أي تعليق .. فقط نحني رأسنا احتراماً.
.. ثم نأتي إلي معركة الحرية
«فالحرية هي رخصة العمل المباح من دون مانع غير مباح، ولا
معارض محظور. فحقوق جميع أهالي المملكة المتمدنة ترجع إلي
الحرية.. فكل فرد حر، مباح له أن ينتقل من دار إلي دار،
ومن جهة إلي جهة بدون مضايقة مضايق ولا إكراه مكره، وأن
يتصرف كما يشاء في نفسه ووقته وشغله فلا يمنعه من ذلك إلا
مانع محدود بالشرع أو السياسة مما تستدعيه الأصول العادلة.
ومن حقوق الحرية ألا يجبر الإنسان علي أن ينفي من بلده، أو
يعاقب فيها إلا بحكم شرعي أو سياسي مطابق لأصول مملكته،
وألا يضيق عليه في التصرف في ماله كما يشاء، ولا يحجر عليه
إلا بأحكام بلده، وألا يكتم رأيه في شيء، بشرط ألا يخل ما
يقوله أو يكتبه بقوانين بلاده». و«الحرية هي الوسيلة
العظمي في إسعاد أهالي الممالك، فإذا كانت مبنية علي
قوانين حسنة وعدلية كانت واسطة عظمي في راحة الأهالي
وإسعادهم في بلادهم، وكانت سبباً في حبهم لأوطانهم»
«والحرية قرينة المساواة، فكلاهما ملازم للعدل والاحسان»
و«التسوية في الحقوق ليست إلا عبارة عن تمكن الإنسان شرعاً
من فعل أو نيل أو منع جميع ما يمكن لسواه من إخوانه أن
يفعله أو يناله أو يمنع منه شرعاً» و..«إستواء الإنسان في
حقوقه مع غيره يستلزم إستواءه مع ذلك الغير في الواجبات
التي تجب للناس بعضهم علي بعض، لأن التسوية في الحقوق
ملازمة للتسوية في الواجبات».
وهو يعرف جيداً أن الحكام لا يمنحون الحرية لشعوبهم دونما
ضغط. «فإنه مما يحمل الملوك علي العدل ويحاسبهم محاسبة
معنوية.. الرأي العمومي، أي رأي عموم أهل ممالكهم غيرهم..
فإن الملوك يستحون من اللوم العمومي، فالرأي العمومي سلطان
قاهر علي قلوب الملوك والأكابر لا يتساهل في حكمه ولا يهزل
في قضائه فويل لمن نفرت منه القلوب وإشتهر بين العموم بما
يفضحه من العيوب».
ومن التلميح إلي التصريح يقول رفاعة «الملك في فرنسا ليس
كولي النعم في مصر حاكماً مطلق التصرف، كلمته قانون لا راد
لارادته، وانما هو حاكم بشرط أن يعمل بما هو مذكور في
القوانين التي يرضي بها أهل الديوانالبرلمان..»
ويترجم رفاعة الدستور الفرنسي ويجد لكلمة دستور ترجمة غاية
في الذكاء «Charte» ترجمها إلي «الشرط» بما يعني أنه إتفاق
مشارطة بين الحاكم والشعب.. أما مواد الدستور التي لقنها
لتلاميذه كجزء من مناهج التعليم في مدرسة الألسن:
م1 - سائر الفرنساوية مستوون قدام الشريعة.
م3 - كل واحد منهم متأهل لأخذ أي منصب كان أو أية رتبة
كانت.
م4 - ذات كل واحد منهم مستقل بها، ويضمن لها حريتها.
ويعلق علي مواد الدستور في دروسه قائلا «وإذا تأملت، رأيت
أغلب ما في هذا «الشرط» نفيساً، فانظر إلي هذه المادة
«سائر الفرنساوية مستوون قدام الشريعة» فإن لها تسلط عظيم
علي إقامة العدل، وإسعاف المظلوم، وإرضاء خاطر الفقير بأنه
كالعظيم.. وهي من الأدلة الواضحة علي وصول العدل عندهم إلي
درجة عالية، وتقدمهم في الآداب الحضرية».
وهو يتجاسر فينادي بالجمهورية «ودعاة الملكية أكثرهم من
القسوس وأتباعهم، وأكثر الحريين (دعاة الحرية) من الفلاسفة
والعلماء والحكماء وأغلب الرعية، فالفرقة الأولي تحاول
إعانة الملك، والأخري تسعي إلي إضعافه وإعانة الرعية. ومن
الفرقة الثانية طائفة عظيمة تريد أن يكون الحكم بالكلية
للرعية ولا حاجة إلي ملك أصلا.. ولكن لما كانت الرعية لا
تصلح أن تكون حاكمة ومحكومة وجب أن توكل عنها من تختاره
منها للحكم، وهذا هو حكم الجمهورية..».
وحرية الفرد جزء من حرية الوطن.
ويتصدي رفاعة للدفاع عن مصر.. حضارة وتاريخاً، وحاضراً
ومستقبلاً.
وفيما كان طلاب الأزهر يتلقنون عبر كتاب «حسن المحاضرة»
للإمام جلال الدين السيوطي «أن المصريين شعب كتب عليه
الذلة والمسكنة، والخضوع لغيره في مختلف العصور هاجم رفاعة
هذه العبارة ومثيلاتها مؤكداً «أن الأمة المصرية أصعب ما
علي نفوسها الانقياد للأغراب»
ولعل رفاعة هو أول من استخدم تعبير «الأمة المصرية» .
وفيما كان مشايخ الأزهر يسبون الفراعنة ويعتبرونهم رمزاً
للكفر، وكانوا هم وتلاميذهم وتابعوهم ينظرون في إحتقار -
يرتدي ثياباً دينية - إلي الآثار الفرعونية ويسمونها
«المساخيط» ]فالتماثيل الحجرية كانت رجالا ونساءً نزل
عليهم سخط الله لكفرهم فجعلهم أحجاراً[.. فإن رفاعة يقول
«انه لم يكن بين الأمم مثل قدماء مصر في قوتهم، وكانت
خيولهم تسبق سالفاً خيول سائر الممالك في الركض في ميادين
الفخار والعلم». ويتجاسر رفاعة فينتقد سماح محمد علي بنقل
إحدي المسلات المصرية إلي باريس ويقول «حيث إن مصر أخذت
الآن بأسباب التمدن والتعلم علي منوال أوربا، فهي أولي
وأحق بما تركه لها سلفها من أنواع الزينة والصناعة».
وهكذا يعتبره المؤرخون المحدثون «أول مؤرخ مصري عرف تاريخ
مصر القديم علي حقيقته في ضوء ما وصلت إليه الكشوف الأثرية
وما كتبه المؤرخون الأوربيون في عصره، وهو أول مؤرخ مصري
آمن بأمجاد هذا التاريخ المصري الفرعوني القديم، ولم
يلعنه، ولم ينقص من قدره».
ويمضي رفاعة في غرس محبة مصر في نفوس المصريين، وفي تأكيد
جدارتها بأن يتباهي بها المصريون.. «مصر أم الدنيا، وكانت
شوكة سلاحها قوية، وهيبتها في القلوب متمكنة عليه» و«مصر
أم الحضارات لم تسبقها أمة في ميدان المدنية ولا في حرفة
تقنين القوانين وتشريع الأحكام، ولم تجحد نعمة اقتباس
علومها أمة عاقلة».
وشعرا ينشد تلاميذه معه:
يا صاح حب الوطن
حلية كل فطن
فمحبة الأوطان
من شُعب الايمان
وأيضا:
مال المصري كذا دمه
مبذول في شرف الوطن
تفديه العين بناظرها
والنفس بخير ذخائرها
.. وهكذا يمضي رفاعة في طريق الدفاع عن مصر والمصريين، عن
حريتهم ومستقبلهم.. ولكن «ثقب الابرة» الذي حاول رفاعة أن
ينفذ منه اصطدم، وكان يجب أن يصطدم بصلف الحكام واحتقارهم
لمصر ولمصرييها..
فيأتي عباس.. ليصفي جهد رفاعة التعليمي، يغلق المدارس
ويطرد الموظفين، ثم يتذكر كتب رفاعة، ويقول إن كتاب تخليص
الابريز «يفيض بآراء تهيج الرعية وتحضها علي التمرد وعدم
إطاعة الحاكم، طاعة مطلقة..»
وتكون محنة مصر، ومحنة المثقفين، ومحنة رفاعة الذي يطاح به
إلي بلده طوكر في السودان بصفة «خوجه» أي مدرس بمدرسة
ابتدائية هناك.