يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1267 (22 فبراير - 1 مارس) 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

ضد التيار

 
 

قلب شجاع

 
 

أمينة النقاش

 

 
في سبتمبر عام 1981 أقدم الرئيس السادات علي واحدة من أغرب حملات الاعتقال ربما في التاريخ المصري المعاصر، حيث أودع في المعتقلات أكثر من ألف من رموز العمل السياسي، من مختلف التيارات والأعمار، من التجمعيين والناصريين والشيوعيين والوفديين والمستقلين، كان بينهم كتاب وصحفيون ونواب ومحامون وأساتذة جامعات وأطباء وعمال ووزراء سابقون وبينهم معظم قيادات حزب التجمع.
جاءت الحملة في أعقاب الإعلان عن تشكيل تجمع لقوي المعارضة باسم «ائتلاف المصريين» الذي ضم كل أطياف العمل السياسي والحزبي، لمعارضة سياسات السادات الداخلية والخارجية، وعلي وجه الخصوص موقفه من الصلح وقضية التسوية مع إسرائيل.
لم تدرك حملة سبتمبر محمد سيد أحمد لمصادفة عابرة، حيث غادر مصر هو ولطفي الخولي قبلها بأيام.
وفي باريس ولندن وروما وواشنطن، قاد محمد سيد أحمد مع لطفي الخولي حملة إعلامية واسعة النطاق، للتنديد باعتقالات سبتمبر، وفضح أوضاع المعتقلين والمخاطر التي تهدد حياتهم، بعد أن انتشرت شائعات واسعة في القاهرة، عن نية الرئيس السادات عقد محاكمات صورية، لإصدار أحكام مغلظة بالسجن بحق قيادات العمل السياسي والحزبي التي وجهت إليهم أجهزة الأمن تهما مفبركة بالخيانة والتجسس، كان صوت محمد سيد أحمد ينبعث يوميا من إذاعة ال «بي بي سي» العربية والإنجليزية، كما ظهر في القنوات التليفزيونية الأمريكية والفرنسية والإيطالية والبريطانية كاشفا أبعاد هذه الحملة معرفا بأشخاص من شملتهم، مما ساهم في خلق رأي عام دولي مساند لهؤلاء المعتقلين، وفي عزلة نظام السادات، وربما تراجعه عن التمادي في العدوان عليهم أو التنكيل بهم، خاصة وقد بدأت القاهرة تستقبل وفودا من الأوروبيين والأمريكيين ومن منظمة العفو الدولية تسأل الحكومة المصرية عن أحوال المعتقلين وتستفسر عن طرق معاملتهم وتطلب زيارتهم.
كان وراء كل هذا محمد سيد أحمد الذي فعل ذلك دون طلب من أحد، فقد كانت حياته شعورا دائما بالواجب: الواجب تجاه التنظيم، والواجب تجاه الرفاق وأسرهم، والواجب تجاه التجمع والواجب تجاه الإنسان والبشر، لم نضبطه يوما مهموما بأداء واجب تجاه نفسه.
وعلي امتداد ثلاثين عاما، أدرك كل من اقترب من محمد سيد أحمد أو عمل معه مميزات شخصيته الفريدة، فقد كان برغم حيائه وخجله يحمل قلبا شجاعا يخوض غمار المعارك الفكرية والسياسية، بنزاهة عقلية نادرة مستهدفا وجه الحقيقة متعففا عن الصغائر بادئا بلوم نفسه قبل أن يوجه نقده للآخرين.
كان يتمتع بتواضع جم برغم تميزه الثقافي والسياسي والعلمي والطبقي، كان سهلا أن يسمع منه الصغير قبل الكبير عبارة «إنت فكرتك أحسن من فكرتي» لم يكن يتسرع أبدا في إطلاق الأحكام، أو كيل الاتهامات أو توجيه الإدانات، كان مهتما شأن كبار المهمومين بالبحث عن الحقيقة بطرح الأسئلة التي تثير القلق وتزلزل البني القائمة، لتضيء الطريق لإجابات غير سهلة أو جاهزة، آمن أن الاجتهاد الخلاق والابتكار والتفكير العلمي والعقلاني، هي سمات الاشتراكي الحق، لذلك لم ينكمش عالمه الفسيح بعد أن سقطت المنظومة الاشتراكية، لم يقف يبكي علي أطلالها، بل وظف مشروعه الفكري القائم علي الإيمان بالمعرفة، ليبقي نفسه في حالة تفكير دائم طالما تفرد بها، بحثا عن دروب مغايرة للعدالة.
ظل محمد سيد أحمد ملتزما بكتابة مقاله الأسبوعي في «الأهالي» منذ صدورها، إلي أن توقف قبل أسابيع، وقبل أن توشك رحلة عمره علي الانتهاء اتصلت به أحثه علي مواصلة الكتابة، فبدت المكالمة مرتبكة حزينة، فلما سألته عن أحواله قال: «زفت».
رحل محمد سيد أحمد بعد ذلك بيومين كما عاش بهدوء وكبرياء بعد أن أرسي لنا عالما من الأفكار الخلابة المدهشة، وأضاء لنا بجذوة قلبه الشجاع طريقا للبحث عن النشوات العليا في عالم تنهشه الصغائر.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة