يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1267 (22 فبراير - 1 مارس) 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

عن الرسوم المسيئة للرسول:

 
 

عندما قلنا: لا

 
 

غادة نبيل

 

  يحق لي أن أشتمك.. أعتدي علي هويتك وإحساسك بالانتماء.. يحق لي أن أغيظك.. أغضبك.. أحنقك إلي حد الرغبة في ضربي، لكن لا يحق لك أن تطالبني باعتذار، فأنا من حقي ضربك وإهانة ما تقدسه إلي حد الموت في سبيله، ولا يحق لك مقاطعتي اقتصاديا، سأتضامن مع عصابتي ورفاقي ونبعث لك بل نفرض عليك - كمستهلك - بالغش والتدليس أن تشتري مني غصبا عنك لأنني سأنزع عن السلعة اسم بلد المنشأ.. سأتركها مجهّلة أو سأستبدل باسمي اسما عاما: «صنع في دول الاتحاد الأوروبي» وستشتري لأنك مواطن غير حر.. مستهلك غير حر.. أنت مجرد كائن غاضب من حق حضارتي الأرقي أن تفرض عليك إرادتها ومنتجاتها وسُمّ هلاوسها المزدوجة عن شيء يغيب ويغيب عن هذا العالم: «الحرية».
آخر خبر بثته الفضائيات العربية كان عن «تحايل» الدنمارك علي المقاطعة الاقتصادية الإسلامية المرهونة بتقديم اعتذار لم يتم حتي اللحظة - عكس اعتقاد البعض - وذلك بالتضامن مع الاتحاد الأوروبي الذي أكدت دوله وقوفها مع ذلك البلد انتصارا لما اعتبروه جميعا «حرية التعبير» رغم إدانة الصحف البريطانية جميعها للرسومات المسيئة للرسول الكريم والتي نشرتها جريدة دنماركية انتصارا «أيضا» لحق كاتب دنماركي لم يجد رساما واحدا مستعدا لأن يرسم وباسمه صورا للرسول لكتاب كان يعتزم نشره فتبرعت الجريدة بجهود اثني عشر من رساميها لمعاونته في حل مشكلته قبل أن تنشرها - أي الرسوم - جريدة نرويجية اسمها «ماجزينيت» تتبع المذهب المسيحي الإيفانجليكي.. ولعل ذروة الانحطاط التي تجعل مصطلح «حرية التعبير» هنا مداسا بأقدام من يدعون أنهم يرفضون الاعتذار عن ممارسته أن بديهية حرية التعبير أو الحرية تعني أن تعطيني - إن كنت تهينني - الحق في أن أطالبك باعتذار، فإن أصررت فمن حقي مقاطعتك أو اتخاذ شكل العقوبة «الحضاري» الملائم لحجم الأذي في حدود ما أملكه، ولكن حين تتحايل أنت لتجعلني أشتري ما سأرفضه لو علمت أنه منك، فأنت تهين الإنسانية كلها بعد أن أهنتني وأهنت ديني، وأول ما تهين - بعقليتك النفعية القمعية في آن هو «حرية التعبير» التي جعلتها من مقدساتك إلي الحد الذي أعمتك معه عن رؤية واحترام مقدسات الآخرين العقائدية الراسخة منذ أزمنة.
فماذا عن فكرة المقدس إذن بهذا الازدواج؟ ألا ينقلنا الأمر إلي مستوي آخر من الاشتباه في النوايا لأنك وضعت مقدسك فوق مقدسي - لا بأس - لكنك تريدني أنا الآخر أن أضع مقدسك فوق مقدسي وهذا ينافي كلمة «الحرية» بل وينافي المنطق!!.
ذكرت صحفية أمريكية اسهما هيلين كوبان أن هناك ما يعرف ب «العنف الرمزي» الذي ينطوي علي الاستفزاز المتبادل بإلقاء رموز دينية في صناديق القمامة أو تحقيرها عموما «كما حدث مع الرسومات الجارحة» وحرق الأعلام «رمز الوطن».. وأذكر أن أمي عثرت مرة ونحن أطفال مع أسرتنا في بريطانيا علي إنجيل ملقي في صندوق القمامة.. وأعتذر من كل أصدقائي وزملائي الأقباط وأنا أذكر الواقعة لكنها حقيقة وأحمد الله أن مسرح أحداثها كان أوروبا من ناس أو جيران لم نعرفهم «إنجليز لا دينيين علي ما يبدو» والإنجيل كان بالإنجليزية وقد تألمت أمي ورفعته من الصندوق وعادت به للمنزل.. فعلّمتنا.. ما هو الدين.. وهي التي مازالت تحتفظ بنسختها من التوراة باللغة العبرية في بيتنا منذ أيام دراستها للغة العربية بكلية الآداب.
حرية التعبير أم حرية الازدراء الديني والتحرش بأمة بأكملها؟.
قرأت أن أيرلندا ذات الأغلبية الكاثوليكية كانت قد حظرت عرض فيلم «الولد يلتهم البنت» العام الماضي بسبب مشاهد انتحار، كما لم ترفع المصادرة عن كتاب لمطربة البوب الشهيرة «مادونا» وعنوانه «الجنس» إلا عام 2004، قرأت كذلك أن هيئات التدريس الأمريكية في المدارس تصادر وتمنع علي نحو روتيني أعمال الكاتبة الأمريكية الشهيرة جدا «أليس ووكر» والكاتبين ج. د. سالينجر وج. ك روالنج.. بل إن نفس الجريدة الدانمركية التي نشرت الرسومات سبق لها أن رفضت نشر مادة مسيئة للسيد المسيح وهي مستقلة محافظة وليست جريدة دينية!!.
عندما دخلت بيت صديقتي الهندوسية - التي نسيت اسمها - وكانت معي بالمدرسة رأيت علي الجدار صورة مرسومة بدائية نوعا لطفل يلبس الحلي وربما كان لونه أزرق - لا أذكر - كان ممتلئا والرسم بسيطا، وتعجبت فلم أكن رأيت مثل هذا من قبل، وبعفوية طفلة الثانية عشرة سألت: «من هذا؟» فردت أم صديقتي قائلة: الإله.
إذن الإله يمكن أن يكون طفلا مكحول العينين وأزرق البشرة!! لم أقل شيئا وحاولت أن أداري دهشتي فصديقتي كان دينها يحرم عليها شرب الخمر مثلي حين كنا نحضر قداس المدرسة أثناء «التناول» فلا نتناول وكنت أحب فقط يد القس فوق رأسي تباركني!!.
أما الدنمارك التي تتحايل علي حرية رد فعلنا بل حقنا فيه فتجعلني أتذكر المناضل الجنوب إفريقي ضد سياسة الفصل العنصري «ستيف بيكو» الذي قال يوما: «إن الرجل الأبيض لا يكتفي بأن يركلنا، إنما هو أيضا يقول لنا كيف ينبغي أن يكون رد فعلنا علي ذلك الركل».
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة