بوجود البعث أو زواله التطهير العرقي مستمر في العراق
فرق الموت في العراق.. ما أشبه الليلة بالبارحة
يبدوا أن التشوه الذي أصاب القوى السياسية العراقية
بعد سنوات من العنف السياسي الدموي الذي مارسه كل من جلس
على سدة الحكم في عاصمة العباسيين ليس هناك من سبيل للتخلص
منه و تجاوزه من أجل حوار سياسي أرقى و أكثر تحضراً بين
قوى سياسية ذاقت الأمرين لعقود طويلة على امتداد التاريخ
العراقي الحديث من أي سلطة متحكمة من بغداد. و يبدوا أن
القوى السياسية العراقية مازالت ترى أن الحل هو القضاء على
الآخر بشكل حرفي عبر تصفيته و التخلص منه بشكل نهائي، و
مثلما طارد الشيوعيين العراقيين البعثيين، و ما أعقبه من
تصفية مارسها البعثيين ضد الشيوعيين العراقيين أولاً ثم ضد
باقي شعب العراق. مازالت التصفية هي الأسلوب الأمثل الذي
تفضله الفرق العراقية المختلفة لطرح وجهة نظرها.
فبينما تغطي أخبار المفاوضات اللانهائية الجارية من أجل
تشكيل الحكومة العراقية، و تصارع القوى السياسية العراقية
من أجل اقتناص نصيب الأسد من كعكة السلطة، و التناحر حول
الوزارات السيادية و ما إلى ذلك من صراع سياسي دائر لتشكيل
الحكومة العراقية تنشط منذ وقت ليس بالقليل فرق تحمل الموت
ضد الكثيرين بشكل عام و العرب السنة بشكل خاص و تعمل وفقاً
لأجندة خاصة بها.
وعلى مدار الساعة تستقبل ثلاجات حفظ الموتى في بغداد عشرات
الجثث، التي انتشلت من الأنهار ومحطات الصرف الصحي او
مواقع دفن النفايات والحقول و التخوم الصحراوية، بعيداً عن
مراكز المدن يومياً غالبيتها لمدنيين كُبلت أيديهم
بالأصفاد وعصبت أعينهم مع رصاصة او أكثر استقرت في الجبهة
ما يشير الى عملياتالتصفية التي تعرضوا لها.
والأصفاد شبيهة بتلك التي تستخدمها الشرطة العراقية كما ان
حملات الدهم والاعتقال، التي تنفذها مجاميع ترتدي زي
الأجهزة الأمنية التابعة لوزارة الداخلية وتستخدم معدات من
سيارات وأجهزة اتصال وغيرها، كلها أدلة أشارت بأصابع
الاتهام الى وزارة الداخلية العراقية - التي يسيطر عليها
دائماً وزير شيعي منذ سقوط النظام السابق - والأجهزة
التابعة لها، و هو الأمر الذي اعترفت به الوزارة ضمنياً في
الفترة الأخيرة مؤكدة أنها ستفتح تحقيقاً للتحقق من
الأمر!!
هذا و تؤكد قيادات سنية كثيرة أن جميع عمليات التصفية
الجسدية التي استهدفت أئمة المساجد السنية وعلماء الدين
وغيرهم تمت على أيدي عناصر من الشرطة المحلية او الحرس
الوطني. موضحاً انهم يرتدون زي الشرطة والحرس الوطني
ويأتون في سيارات تحمل علامات الشرطة. وكانت إحصائية
تفصيلية أعدها الحزب الإسلامي ومؤتمر اهل العراق وهيئة
علماء المسلمين بعمليات الاغتيال التي طاولت علماء السنة
وأبناءهم في الشهور الأخيرة تظهر ان جميع عمليات الاغتيال
نفذت على يد عناصر من ميليشيات مرتبطة بوزارة الداخلية. ،
وأشار عدنان الدليمي رئيس مؤتمر أهل العراق السني إلى ان
مدينة الشعلة شمال بغداد وحدها شهدت أكثر من 50 عملية
اغتيال بحق "أبناء السنة" بعدما تحول مستشفى الشعلة العام
الى مصيدة لهم حيث تعمل دورية مرابطة هناك على اعتقال أئمة
المساجد وغيرهم من زوار المستشفى ليتم العثور على جثثهم
بعد أيام، في هذه المنطقة او تلك.
وكان اعتقال القوات الاميركية ل22 فرداً في بغداد، يرتدون
الزي الرسمي للشرطة العراقية وبحوزتهم مسؤول عراقي يسعون
لقتله قد فجر القضية بعدما فشلت عشرات الشهادات التي تقدم
بها أهالي الضحايا لوزارة الداخلية في إظهار جلية الموقف
الأمر الذي دعم فكرة أن تكون وزارة الداخلية العراقية
متورطة في الأمر، و هو الأمر الذي لم تتمكن الوزارة من
إنكاره بعد المواجهة الأمريكية، الأمر الذي أثار شكوكاً
قوية حول مدى سيطرة الوزارة على وحدات الشرطة العاملة تحت
إدارتها في حال لم تكن متورطة بالفعل في تنفيذ عمليات
القتل المنظمة التي تستهدف أبناء المناطق العربية السنية.
ففي حال لم تكن وزارة الداخلية مسيطرة على الوحدات التي
تمدها هي نفسها بالمعدات و السلاح فذلك لن يقل خطورة عن
قيامها هي بتنفيذ هذه العمليات، لما يعنيه ذلك من سيطرة
ميليشيات تحمل حصانة الزي العسكري على جهاز الأمن في
العراق، و فقدان الوزارة للسلطة على القوات التي يفترض
أنها عاملة تحت قيادتها.
لكن بعيداً عن هذا و ذاك فإن ما تنفذه " فرق الموت " من
عمليات تصفية جماعية يمكن إدراجها ضمن عمليات التصفية
العرقية التي تستهدف جماعة بعينها – العرب السنة في حالة
العراق – و التي تستدعي العمل على التصدي لها سريعاً قبلما
تؤدي إلى ما لا تحمد عقباه من قيام حرب تصفية عرقية في
العراق المزدحم بالعرقيات و الأثنيات المختلفة. و عودة ما
أدان الكثيرين به النظام السابق من تصفية بحق جماعات
بعينها مرة أخرى لكن هذه المرة فإنه سيكون بشكل مطلق بين
جماعات لا يفتقد أي منها للسلاح أو لمن يدعمه في حربه ضد
الآخر.