يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1266 (15 - 22) فبراير 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

هذا الفرح الجماعي في ملاعب الكرة

 
 

كلنا بنحب مصر .. ومصر بتحب مين؟!

 
 

أحمد سيد حسن

 

  الناس عاوزة تفرح .. هذا هو المختصر المفيد في تفسير ظاهرة المهرجانات الاحتفالية الصاخبة والفرحة العارمة التي طغت علي الملايين من أبناء شعبنا الغلبان الصابر المغلوب علي أمره!
الجوع إلي الفرح الجماعي كان وراء احتشاد الآلاف في استاد القاهرة قبل المباريات التي خاضها منتخبنا الكروي بساعات طويلة، المعاناة التي لا يمكن أن توصف في معارك البحث عن تذاكر لحضور المباريات وهذه المعاناة هي بالضبط الوجه الآخر لمعادلة مصرية تاريخية خالدة تقول: كلنا بنحب مصر .. لكن مصر بتحب مين؟!..
الذين اقتطعوا ثمن التذاكر الغالية من قوتهم، واضطروا إلي شرائها من السوق السوداء بأضعاف ثمنها ابني كريم اشتري تذكرة درجة ثالثة ب 140 جنيها فعلوا ذلك عن حب وسعادة ورضا، ولكن بهدلة الجماهير أمام أكشاك بيع التذاكر أمر لا يمكن فهمه، صحيح أنه تم الترويج للشراء مبكرا عبر الإنترنت ومكاتب البريد، ولكن بقيت الحصة الأكبر المعدة للبيع مباشرة للجماهير وهي التي تسببت في بهدلة الجماهير، وأظهرت من جديد أهم عيوبنا علي الإطلاق، وأكرر عيوبنا كمجتمع وهو اختفاء النظام وسيادة العشوائية واللخبطة.
الذين أحبوا مصر بجد عانوا في حبها وكابدوا الأمرين، واشتروا فوق التذاكر أعلاما وطبولا، وزمامير وحتي علب البيروسول التي أشعلوها في مظاهرات الفرح، وذهبوا إلي الخطاطين لكتابة شعارات في حب مصر والمنتخب وحملوها معهم إلي الملاعب.
ما كل هذا الفرح في الملاعب، الأعلام التي ترفرف والهتافات والألوان التي رسمت علي أوجه الآلاف من بنات وأولاد ورجال ونساء كبار وصغار علم مصر.
في هذا البلد لا أحد يسمع النشيد الوطني سوي في المدارس حيث يبدأ اليوم الدراسي، والنوم والتثاؤب والكسل بل والقرف والتعب يسيطر علي ملايين التلامذة والغالبية الساحقة منهم لم يتناولوا إفطارا متكاملا صحيا إن لم يكونوا قد أفطروا أصلا، وسعداء الحظ ربما تناولوا شقة فول!
وأصبح النشيد الوطني بلادي .. بلادي جزءاً من الاحتفالية الوطنية في ستاد القاهرة، الآلاف يقفون وينشدون ويلوحون بأعلام مصر، وتقشعر الأبدان لهذا الشعور والإحساس الوطني.
في مباريات بطولة الأمم الإفريقية كانت الجماهير هي البطل، هي النجم الأول والحقيقي، في الشوارع ظلت الأعلام ترفرف علي السيارات حتي سيارات التاكسي المتهاكلة والتي غالبا ما يلجأ سائقوها للشجار مع الركاب حول الأجرة، أصبحت تحمل علم مصر واختفت صورة السائق الجشع، وأعلن الجميع هويتهم كمواطنين أولا وأخيرا يحبون مصر.
هذه الروح انتشرت وسط الملايين الذين أحبوا كرة القدم كانوا في الطليعة استمتعوا بالمباريات وأحيوا المهرجانات والمظاهرات التي احتلت شوارع وسيارات القاهرة حتي الفجر، والذين لم يحبوا الكرة وجدوا أنفسهم وسط مظاهرات الفرح فرحين يهتفون لمصر وبالكاد يعرف بعضهم أن السبب فوز المنتخب بركلات الترجيح بعد معاناة 120 دقيقة في الملعب.
هذا الفرح الجماعي يجعلنا نتساءل عن أسباب هذا الانفجار.. والإجابة بسيطة وسهلة نحن شعب تعود علي الأحزان، سواء الأحزان الفردية أو الجماعية، ومعظم مظاهراتنا هي مظاهرات للحزن، تذكروا أن جنازة الرئيس جمال عبد الناصر حضرها ملايين وكانت ملحمة للحزن الجماعي قلما شهدها شعب، وتكررت مظاهرات الحزن لرحيل زعيم أو فنانة مثل كوكب الشرق أم كلثوم أو العندليب عبد الحليم حافظ وأبطال ونجوم الكرة مثل صالح سليم وغيرهم كثر.
حتي حرب أكتوبر 1973 لم تتحول إلي مناسبة للفرح القومي، وعجزنا عن إقامة مهرجان سنوي يخرج فيه الملايين إلي الملاعب والحدائق والشوارع والميادين للاحتفال، وتخرج فرق الموسيقي والاستعراض وتطلق الصواريخ ويشعر الملايين بالابتهاج وحولنا المناسبة إلي يوم إجازة يرتاح فيها الملايين في بيوتهم من عناء وعذاب الانتقال اليومي إلي أعمالهم وتطلق عليهم وزارة الإعلام من خلال أجهزة التليفزيون أفلاما مملة ومعادة ومكررة، فيما يحضر كبار المسئولين حفلا في نادي الجلاء تقدم فيه أوبريت السلام أو غيره من أعمال لا قيمة لها.
كانت احتفالات أعياد ثورة يوليو مناسبات وطنية للاحتفال، وأتذكر كيف كان أبي يأخذني إلي مكان الاستعراض العسكري، ونستمع مساء إلي خطاب جمال عبد الناصر للاحتفال بالثورة .. كانت أياما شهدنا فيها الشعور الوطني، وجاءت نكسة 1967 لتقضي علي ذلك كله وتصيبنا بالحزن القومي.
الناس عاوزة تفرح .. ولم تجد سببا للفرح إلا في ملاعب كرة القدم .. الناس عاوزة تفرح وقلبها موجوع علي الكوارث المتتالية وآخرها - من حيث الترتيب الزمني فالكوارث قادمة قادمة لا محالة - غرق العبارة السلام في البحر الأحمر .. وما حدث لأهالي الضحايا مأساة أخري في التعامل مع المواطنين والتفنن في بهدلتهم وضربهم وجعلهم يلعنون كل شيء وهم يتنقلون من مشرحة زينهم ومستشفيات سفاجا وقنا وسوهاج ومديريات الصحة والضمان الاجتماعي.
السؤال الذي يتردد عن كيفية استغلال هذا المد الوطني؟! الإجابة ببساطة أن ترد مصر حبها للمواطنين، والذي يمثل مصر هنا هي الحكومة والنظام، فلا يكتفي هؤلاء باستثمار الانتصار الكروي سياسيا وزيادة شعبية مفتقدة وظهرت في الانتخابات، وأن يصبح رد الجميل لهذا الشعب الغلبان الصابر أن تتم معاملته كمواطنين يستحقون كل احترام ورعاية واهتمام وهو موضوع شرحه يطول لأن أحوالنا في كل مجال لا تخفي علي أحد، ولكن هذه المناسبة للاحتفال مع الملايين الذين رقصوا وغنوا يا أحلي اسم في الوجود .. يا مصر.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة