يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1266 (15 - 22) فبراير 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 

 
 

استغاثة أخيرة.. قبل أن يغرق الوطن!

 
 

محمد فهمي

 

 
تشغيل العبارات التي انتهي عمرها الافتراضي، يكشف عن انتهاء تاريخ الصلاحية لعدد هائل من كبار المسئولين عن إدارة شئون هذا الوطن!.
الكلام في بلدنا.. له مواسم!.
موسم الثانوية العامة.. والدروس الخصوصية.. وضرب المدرسين.. وفساد التعليم.. والذمم.
موسم قطارات الصعيد.. والسحابة السوداء.. وقصور الثقافة.. وسقوط العمارات.. وحوادث الطرق.. وصيانة المصاعد.. وعفاريت بني مزار!.
موسم الكلام عن اللحوم التي نستوردها من قبائل الهوتو والتوتسي.. والملايين المهدرة في مدينة الإنتاج الإعلامي.. والمليارات المهدرة في الصحف القومية.. بلا رقيب ولا حسيب!.
وفي كل موسم.. يبدأ الكلام بكارثة كبري.. يرتعد لهولها الأموات في مقابر البساتين.
كارثة كبري.. أشبه بالدقات التقليدية لرفع الستار.. عن حالة حوار.
حوار عمومي.. يشمل البلد بأسرها.. ولا يعلو صوت.. علي صوته!.
ويصبح الوطن كله في حالة حوار.
وفي كل موسم تبدأ الاحتفالية بتصريحات للقيادة السياسية.. تؤكد أن أرواح الضحايا.. لن تضيع هدرا وأنه لن يفلت المسئولون عن الكارثة من العقاب (!!).
ومن هذه البداية تتخذ صحف الحكومة مواقع العزف الأوركسترالي.. لتلحين التصريحات الرسمية حول متابعة القيادة السياسية.. باهتمام بالغ جهود الإنقاذ وانتشال الجثث بين عربات القطار.. أو العمارة.. أو السفينة أو العبارة.. إلخ.
وتتسابق الصحف في نشر القصص الإنسانية للضحايا والمفقودين.. وقصص الزواج التي انتهت قبل أن تبدأ.. كما يجري الحديث عن التعويضات والتبرعات.. والمواقف الإنسانية.. غير المسبوقة.. للقيادة السياسية الحكيمة.
يحدث ذلك في كل مرة.
حادث مروع.. وموسيقي تصويرية عالية دعائية لامتصاص غضب الناس.. وبعدها يتحرك صوت الكورال الحكومي بإشارات المتحدث الرسمي.. في مصر الجديدة.. تارة.. وفي لاظوغلي تارة أخري!.
وبالتدريج.. تخف حدة الكلام.. إلي أن يتوقف.. وينشغل الناس بكلام جديد.. ومصيبة جديدة.
مصيبة من نفس العينة.. تشير إلي أننا لم نتعلم من المصير السابق.
ومعناه.. أننا نجيد الكلام.. ولا نجيد المتابعة.. والعمل.. والإصلاح.
ومعناه أن النظام السياسي القائم.. أصيب بحالة من الترهل لا تسمح له بالمتابعة وإيجاد الحلول.. التي تمنع تكرار نفس المصائب مرة أخري!.
نظام سياسي انتهي عمره الافتراضي منذ سنوات طويلة.. ولايزال يتظاهر باستيعاب ما يجري حوله.. متجاوزا كل قوانين الطبيعة.
هو يري أن المشاكل قد انتهت بانتهاء الحديث عنها.
وأن مجرد التذكير بهذه الكوارث.. هو من قبيل معاداة الحكومة.. والشوشرة علي الإنجازات.
والأدهي من ذلك أنه يعتبر أن السماح بالحديث عنها.. في صحف المعارضة.. في غير أوان الحديث الرسمي.. هو الدليل علي حرية الصحافة.. والإصلاح السياسي.. والخطوات غير المسبوقة نحو الديمقراطية!!.
وأصبح من قبيل التقاليد المرعية.. الحديث عن كل مصيبة في أوانها.. وبات من السخيف الحديث عن تعيين العالم الجليل كمال الشاذلي رئيسا للمجالس القومية المتخصصة.. أو الإبقاء علي السيد صفوت الشريف رئيسا لمجلس الشوري.. في الوقت الذي سقطت فيه عمارة.. أو غرقت فيه عبارة.. أو انقلبت فيه سيارة سياحية عملاقة بركابها الذين جاءوا من هونج كونج.. كي ينطلقوا إلي رحاب الله.. من الغردقة!.
والمصيبة الجديدة.. هي المصيبة الكبري.
هي الوجع الجديد.
وبينما يتابع المجتمع فداحة الكارثة.. ينسي الناس مواجع البطالة والهجرة غير الشرعية.. واستحالة الزواج.. والدروس الخصوصية.. والرشاوي وممتلكات هتلر طنطاوي.. والمهندس أحمد الليثي.. وأماني خزيم.. وعبدالرحمن حافظ.. وطوابير رغيف البردقوش!.
وتتضاءل مشاكل الناس.. أمام المصيبة الكبيرة!.
تصبح مشكلة كل مواطن.. بالغة التفاهة.. أمام المصيبة الكبري.. فهو علي الأقل ليس من بين ضحايا العمارة.. أو الأوتوبيس.. أو العبارة.
هو علي الأقل لا يشعر بأن سمك القرش يلتهم لحمه.. أو أنه لايزال تحت الأنقاض.. أو من بين الضحايا.
هو باختصار شديد.. ممن لم يصبهم الدور!.
وبعد كل كارثة يرفع الذين لم يصبهم الدور أكفهم للسماء.. مرددين في خشوع:
أحمدك يا رب!.
والكل يعلم.. أن الحكومة.. هي المستفيد الوحيد.. من كل كارثة تقع علي أرض الوطن.
هي المستفيدة من تكرار المصائب.. ووقوع البلاوي.. لأنه يشغل الناس عن أوجاعهم اليومية.
والدليل علي ذلك أن في زحمة الكلام عن كارثة العبارة.. ترددت علي جميع الألسنة جملة:
إن العمر الافتراضي للعبارة قد انتهي.. من زمان.
وأن انتهاء العمر الافتراضي هو السبب المباشر للكارثة.
ولم نسمع صوتا واحدا.. يشير إلي السادة والقادة.. الذين انتهي عمرهم الافتراضي.. من زمان.
ولايزال الواحد منهم يحتل موقعه منذ أكثر من ربع القرن.. ويتسبب في كوارث قومية كبري.. كل يوم.. دون أن يفكر أصحاب الحل والربط.. في تفكيكه.. وعرضه للبيع في وكالة البلح.. وباعة الروبابيكيا.
ولذلك فإن غرق العبارات وسقوط العمارات، وحرائق القطارات.. وتدهور الخدمات.. وإصابة ربع أطفال مدارسنا الابتدائية بالاكتئاب النفسي.. هي مجرد أعراض.. لمرض واحد.. هو انتهاء تاريخ الصلاحية لعدد هائل من كبار المسئولين عن إدارة شئون هذا الوطن.
وعندما تنتهي صلاحية عبارة.. وتستمر في الخدمة.. فإن وراء هذا الاستمرار.. فساد.
وعندما تنتهي صلاحية مسئول كبير.. ويستمر في الخدمة.. ويرتقي سلم المواقع القيادية الرفيعة.. فإن وراء هذا الاستمرار.. فساد.
فساد جماعي.
فساد.. إجرام منظم.
فساد نظام سياسي.. فقد هيبته في الداخل والخارج.
فساد لا يقع تحت طائلة القانون.. ويصبح من الطبيعي دخول الراقصة هياتم السجن، لأنها زورت في شهادة ميلادها.. لتبدو.. علي الورق.. أصغر سنا.. بينما لا يدخل مسئول واحد السجن.. بتهمة تزوير الانتخابات أو استيراد لحوم فاسدة.
العقاب لا يطول الطبقة السياسية.. وبالتالي.. كان الانفاق الهائل في الانتخابات الأخيرة.. ورشاوي البسطاء.. وشراء الأصوات الانتخابية.. لمجرد الانضمام إلي هذه الطبقة التي لا تخضع للمحاسبة.
والانضمام للطبقة السياسية يحمي كبار المنحرفين.. وإذا تأملنا حادث العبارة نجد أنه يجسد كل أشكال الفساد.
فالرجل الذي يملك العبارة الغارقة (السلام 98) يمتلك 15 عبارة أخري.. وهو المحتكر للملاحة في البحر الأحمر.. وتنقل عباراته نحو مليون راكب سنويا.
وهو في نفس الوقت من النواب المعينين في مجلس الشوري.. واسمه ممدوح إسماعيل!.
لم يدخل مجلس الشوري بالانتخابات.. وإنفاق ملايين الجنيهات.. وإنما دخله بقرار.. يحمل توقيع رئيس الجمهورية!!
اختصر الطريق.. ودخل مجلس الشوري.. بقرار سيادي.. باعتباره ثروة وطنية مثل رئيس المجلس السيد صفوت الشريف.. ورفيق كفاحه السيد كمال الشاذلي ومن علي شاكلتهما.. ممن يتصدرون حفلات الزفاف!.
هم رجال النظام الحاكم.. ورموزه.. الذين يتبادلون اللبان المستيكة والنعناع المستورد.. وحب العزيز أثناء مناقشة مشروعات القوانين.. ولا تري الواحد منهم إلا وفي فمه ما يلوكه.. أثناء الجلسات.. فما بالك بما تلوكه نفس الأفواه بعد الانصراف.. وبعد استماعهم لجملة رفعت الجلسة!.
المهم.. أنه عندما أصدر وزير النقل الأسبق متولي قراره بعدم جواز التصريح للعبارة التي يتجاوز عمرها 20 عاما.. بأن تحمل العلم المصري أو أن تسجل في قائمة السفن المصرية.. سارع السيد ممدوح إسماعيل بتسجيل جميع عائماته في بنما.. كي يقفز فوق القوانين المصرية.. ويحقق الأرباح من تخفيضات الضرائب.
واستطاع السيد ممدوح إسماعيل.. تكوين أسطول من العائمات المستهلكة.. وأجري عليها إضافات.. تخل بتوزيع أثقالها.. وتضرب عرض الحائط بجميع المعايير الهندسية التي تسمح لها بنقل ركاب من الآدميين.. أوحتي من الحيوانات الحية.
ولم تلفت هذه الأحوال المتردية.. انتباه أي مسئول في مصر.. علي الإطلاق.
لا.. أعضاء مجلسي الشعب.. ولا الشوري.. ولا شرطة المرافق.. ولا صحف الحكومة.
الطبقة السياسية.. لا تنتقل بالعبارات!.
الطبقة السياسية.. تنتقل بالطائرات وتأخذ زعماء الخليج بالأحضان والقبلات.. وتعود.
لم تقلق أحوال العبارات أحدا في مصر.. وإنما كانت مثار قلق لأصحاب القلوب الرقيقة في المملكة العربية السعودية.. ووزارة الداخلية فيها.. وجماعات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. هناك.
وكتب الأستاذ عبدالله أبوالسمح في صحيفة عكاظ السعودية.
إن.. لهذه العبارات سمعة غير جيدة من ناحية الجودة وانتظام المواعيد.. وقد عانت مدينة جدة، علي سبيل المثال، من شركات العبارات الأمرين لتأخرها المشين في مواعيدها مما يضطر ركابها لافتراش منطقة الميناء أياما وأسابيع.. ولاسيما في أوقات الحج.. ومازالت مشكلة الافتراش حول ميناء جدة تسبب صداعا لجهات الأمن.
ويقول عبدالله أبوالسمح: إن ركاب هذه العبارات من الطبقات الفقيرة والريفية.. غير المتعلمة.. وهم يتكدسون داخل العبارة العتيقة المتهالكة المطرودة من العمل في موانيء أوروبا لعدم انطباق شروط السلامة عليها.
ويمضي الكاتب السعودي الكبير إلي القول إن أغلب هذه العبارات تعمل تحت علم بنما تهربا من الضرائب وشروط الاستخدام الآدمي ولنا أن نتساءل.. كيف سمح لمثل هذه العبارات بالإبحار من الموانيء السعودية.. وهي تمثل مخاطر شديدة.. ونطالب بمنع هذه العبارات من دخول موانينا والعمل فيها.
انتهي كلام الأستاذ عبدالله.. الذي طالب بلاده.. عن حق بمنع دخول عبارات السيد ممدوح إسماعيل العضو المعين بمجلس الشوري التابع لجمهورية مصر.. إلي الموانيء السعودية.
في الوقت الذي لم نسمع فيه أن جهة مصرية واحدة قد طالبت بمنع دخول عبارات السيد ممدوح إسماعيل.. الموانيء المصرية.
والسبب واضح.. وهو انتماء الرجل للطبقة السياسية.. التي لا تخضع لأي حساب.
طبقة تشكلت خلال ربع قرن.. وتجلس علي جميع مقاعد اتخاذ القرار.. وتنعم بكل ما كان يتمتع به أمراء القرون الوسطي.
ولذلك فنحن نعيش في زمن عجيب.. لم تعد تكفي فيه إحالة العبارات إلي مخازن الكهنة.. وإنما كبار المسئولين أيضا.. بل إن بقاء السيد صفوت الشريف علي رأس مجلس الشوري.. هو الوجه الآخر لتشغيل العبارات التي انتهي عمرها الافتراضي.
ومن هنا.. كانت البلاوي.
ولذلك نقول إننا في حالة.. أشبه بالأوضاع التي كانت سائدة في دول أوروبا الشرقية.. قبل الانهيار.
في هذه الدول كانت النخبة الحاكمة قد فقدت القدرة علي التجديد.. ومواكبة الزمن.
كانت أشبه بالعبارات التي تنقل البسطاء بين موانيء البحر الأحمر.
لم تكن قادرة علي إصلاح ما أفسدته.. لسبب بسيط.. هو أن كل محاولات الإصلاح كانت تجري بنفس العقلية.. وبنفس القدرة الذهنية والعقلية.. والمناخ النفسي.
ومن ثم فقد فشلت كل محاولات الترميم.. كما فشلت محاولات تطعيم المواقع القيادية بعناصر أصغر سنا من القيادات العتيقة.. كما حدث في حالة كرينتس الذي خلف هونيكر في ألمانيا الشرقية.
كما فشلت محاولة زعيم بلغاريا جيفكوف لتوريث السلطة لابنته جيفكوفا.. حيث قامت المخابرات السوفيتية بقتلها بدس السم في طعامها.
كما فشلت محاولة الزعيم الروماني شاوشيسكو.. في قمع المظاهرات المعادية.. مما دفع قائد حرسه الجمهوري للقبض عليه وتسليمه مع زوجته.. لخصومه.. ومحاكمته.. وإعدامه.. إلخ.
وإذا تأملنا كل هذه التطورات الدرامية.. نجد أنها تعود لسبب واحد.. هو عدم قدرة القيادات السياسية في هذه الدول علي قراءة التطورات التي تجري حولها.. القراءة الصحيحة.
تماما.. كما حدث لربان العبارة الغارقة.. عندما تصور أنه يستطيع التحكم في الحريق.. واكتشف بعد فوات الأوان.. أن الكارثة أكبر من قدرته علي مواجهتها.. فاستقل قارب النجاة.. واختفي.
إننا أمام مأزق حقيقي.. ويتعين علي كل من يهمه الأمر أن يأخذ ما يجري مأخذ الجد.. وأن يسعي لوقف تشغيل القيادات التي انتهي عمرها الافتراضي.. من زمان.
وأكرر.. إن تشغيل السيد صفوت الشريف.. هو الوجه الآخر.. لتشغيل العبارات العديمة الصلاحية.. وعلينا أن نلتقط إشارات الاستغاثة قبل فوات الأوان.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة