هل فقدنا القدرة والتمييز ؟
وهل لم نعد مؤهلين لاكتشاف
ما تحت أقدامنا علي أرض مصر؟
ففي مؤتمر عقد أخيرا في مصر، وضم علماء الجيولوجيا وخبراء
التعدين، أكدوا في دراساتهم وأبحاثهم أن أرض مصر تخبئ في
ثناياها ودروبها، ثروات طبيعية وخامات معدنية هائلة..
ولكنها غائبة عن اهتمام الدولة بالقدر الذي يتناسب مع
حجمها وقيمتها الاقتصادية.
ولأن هذا المؤتمر حضره العلماء والخبراء فقط.. ولم يحضره
نجوم الفن أو الكورة.. فقد كان نصيبه من الاهتمام الإعلامي
لا شيء!! إلا مجرد خبر صغيرنشرته جريدة الأهرام.. مع أن ما
قيل في هذا المؤتمر - من خلال البيانات والدراسات العلمية
- يفتح آفاقا جديدة للاستثمار الصناعي وزيادة الدخل
القومي.
كنوز تحت أقدامنا، ولا نهتم بالبحث عنها.
ورغم هذا نستورد سنويا بما يقرب من مليار دولار خامات
معدنية لتغذية صناعة الحديد والصلب والألومنيوم والنحاس
والصناعات الحرارية والسيراميك والأسمدة الفوسفاتية
وغيرها.
والأغرب.. في إحدي نوبات اليقظة - والتي لا تتكرر كثيرا -
انتابتنا الهمة لتنشيط البحث عن المعادن في جوف أرضنا..
واستوردنا آلات حفر ومعدات بمئات الملايين من الدولارات..
ولكن بسبب العقلية البيروقراطية وتنازع الاختصاصات.. تحولت
هذه المعدات والآلات إلي هياكل من الخردة الصدأة نتيجة عدم
الاستخدام.. وعدم الصيانة.. وتركها في العراء تضرب فيها
الشمس.. وتعصف بها الرمال!.
أي عبث أخطر من هذا.
وهكذا تم إهدار جهد الباحثين والخبراء في الدراسات
الجيولوجية المعقدة.. وتم إهدار أموال الدولة.. وتم نسف
حلم استخراج هذه الكنوز.. لتبقي شواهد القبور متمثلة في
المعدات والآلات التي أكلها الصدأ والإهمال.
ويصرخ العلماء في حسرة وألم.. إزاء هذا الصمت المريب
والتجاهل الأعمي في تبديد الثروة المعدنية بالشكل الذي
يحدث في بعض المحاجر والذي يعد كارثة بيئية واقتصادية.
حيث لا تجود الأرض مرة أخري بالمعادن التي تستخرج منها..
فقد تكونت عبر مئات السنين بفعل العوامل البيئية.. ولا فضل
لمهارة الإنسان فيها سوي قدرته علي استخراجها بالأسلوب
العلمي الأمثل، لإعادة تصنيعها وتسويقها باعتبارها من أهم
عناصر التنمية وزيادة الدخل القومي.
والعالم كله يعرف قيمة هذه الثروات المعدنية.. فلها أسواق
نشطة.. وبورصات.. ومواقع علي الإنترنت.. ومجلات متخصصة..
ومؤسسات من الكفاءات العلمية المتميزة.
العالم كله يعرف كيف يتسابق للاستفادة من هذه الثروات..
إلا نحن - الذين حبانا الله هذه الثروات - نتأفف ونستنكر
أن ننظر ما تحت أقدامنا.. وإذا فتح الله علينا ونظرنا..
ننسي حجم الخير الذي سيعم علي بلدنا.. وننشغل في خناقات
واشتباكات بيروقراطية.. أنت تبع أي وزارة؟ وما هي الهيئة
التي تمثلها؟!.
وأوضح مثال لذلك.. ما ذكره الدكتور محمد عاطف دردير، رئيس
هيئة المساحة الجيولوجية سابقا، إن المخزون الضخم من
الرمال السوداء في منطقة رشيد ودمياط وساحل المتوسط أمام
منطقة الدلتا.. هذه الثروة الهائلة تتبدد في نزاع مستمر
امتد لحوالي خمسين عاما، بين هيئتين حكوميتين.. أحداهما
تتبع وزارة الكهرباء.. والأخري هي هيئة المساحة
الجيولوجية.. وكل منهما يدعي الحق في استغلال معادن الرمال
السوداء!!.
ولم يستطع أحد حتي الآن أن يفك هذا النزاع.. لا لشي.. إلا
لأن الدولة لا تهتم!.. فما معني أن تنشغل الدولة بحكاية
الرمال السوداء؟!.
علما بأن هذه الثروة المهدرة من الرمال السوداء.. تحتوي
علي عدة معادن ثمينة يستغلها العالم الذي يعرف قيمتها في
صناعة هياكل سفن الفضاء والصناعات الحربية والإلكترونيات..
والمواد المشعة!!.
وأحد معادن هذه.. الرمال السوداء يصل سعر الطن منه إلي
ألفي دولار!!.
ولكن.. لأننا أغنياء بما فيه الكفاية.. وكل شيء في حياتنا
تمام التمام.. فلا داعي أن نصدع رءوسنا بوضع السياسات
الصحيحة والحاسمة للاستفادة بهذه الثروات الملقاة تحت
أقدامنا.
وكما أننا لا نهتم بما تحت أقدامنا.. فنحن أيضا في حالة
التوهان.. لا ندقق النظر ولا نبالي بما حولنا.. ولا نستكشف
الوجوه والخبرات العلمية والتي يمكن أن تغير خريطة حياتنا
إلي الأفضل.. إذا أعطيناها قدرا من الاهتمام والرعاية
ووفرنا لها سبل البحث العلمي.
وقد علت الأصوات المخلصة في النداء بضرورة توفير المناخ
الملائم للبحث العلمي.. وضربنا الأمثلة والنماذج الواقعية
مما حدث في الصين.. لتتحول بفضل تشجيع العلماء إلي دولة
صناعية ذات اقتصاد ينافس بجدارة القوة الأمريكية.
ومللنا المقارنة بين ما يخصص في ميزانية الدولة عندنا
للبحث العلمي.. بما يخصص في إسرائيل!.
والمقارنة بما يحدث عندنا.. وما يحدث حاليا في بعض الدول
العربية من إنشاء وتمويل الجامعات المتخصصة في العلوم
والإدارة علي أحدث نظم الجامعات الغربية ذات السمعة
العالمية في طرق التدريس ونوعية المناهج ومعامل الأبحاث!.
أما عندنا.. فالوضع يزداد سوءا وتخلفا.. ومؤشر التراجع
ينحدر إلي مستوي مخيف في مراكز البحوث والمعامل المتخصصة..
وفي الجامعات.. سواء من ناحية التمويل والذي يعاني من هزال
الميزانيات المخصصة للبحث العلمي والدراسات المستقبلية،
بالإضافة إلي الهم الأزلي في تضارب الاختصاصات.. وتفكك
النشاط العلمي بسبب سوء اختيار القيادات المسئولة.. وتفشي
الروح الفردية.. وأنانية بعض الأساتذة ومطاردة الكفاءات
الواعدة.. وسرقة الأبحاث!!.
والنتيجة الحتمية.. ما نراه من الجذر المعزولة في مراكز
البحوث.. وعزلة بعض العلماء.. وهروب البعض الآخر إلي خارج
مصر.. أو إلي وظائف تحقق قدرا أوفر من الاستقرار المادي..
وليذهب البحث العلمي إلي الجحيم!!.
ويكفينا أن نفرح بالدكتور أحمد زويل.. نستضيفه في
المؤتمرات والندوات.. وبرامج التليفزيون.. وهو يعيد إلينا
حصيلة تجربته العلمية.. وكيف يمكن أن نصحح من مسيرتنا
وأفكارنا في البحث العلمي.. كلام مهم.. ولكنه كلام في
الهواء.
مثل هذه السطور التي كتبتها الآن.. ولا أعرف لمن أوجهها..
هل لرئيس الوزراء.. أو لوزير التعليم العالي والبحث
العلمي.. أو لوزير الصناعة.. أو وزير البترول.. أو وزير
الكهرباء.. أو وزير الزراعة؟!.
كلهم مسئولون..
وكلنا ضحايا.. حالة التوهان.