المتهم بريء حتي تثبت إدانته قاعدة معمول بها في
العالم كله، وللأسف فإنها تتأكد يوما بعد الآخر، برغم كل
الحديث عن مساحات الحريات، وما شابه .. وهذا هو أيضا ما
أكده تقرير عن أوضاع السجون والسجناء في مصر 2004، والذي
أعدته جمعية حقوق الإنسان لمساعدة السجناء وصدر ضمن تقرير
المنظمة العربية للإصلاح الجنائي حول أوضاع السجون
والسجناء في بعض الدول العربية، التقرير الذي صدر مؤخرا عن
الأردن، والبحرين، وتونس، وسوريا، والعراق، وليبيا، ومصر،
والمغرب، واليمن خص كلا منها بفصل وردت المعلومات الخاصة
به من إحدي الجمعيات الحقوقية في تلك الدولة.
لا تغيير قال التقرير عن مصر: تتسم البيئة القانونية التي يجري
فيها ومن خلالها احتجاز الأشخاص في مصر بالثبات وعدم
التغيير، علي الرغم من الانتقادات التي وجهت إليها علي
الصعيدين الوطني والدولي منذ أكثر من عشرين عاما..
وكأن التقرير بذلك قد لخص الحالة في مصر بجملة واحدة: فلا
تغيير .. ولا أمل فيه.
ولا يزال يتم الاحتجاز بطرق تؤدي إلي انتهاك حقوق الإنسان
في مصر، وذلك عن طريق الاعتقال وفقاً لقانون الطوارئ والذي
يعطي الحق للسلطة التنفيذية في وضع القيود علي حرية
الأفراد وحقوقهم الدستورية، وعدم التقيد بالأحوال
والضمانات والخطوات المنصوص عليها في قانون الإجراءات
الجنائية، وكذلك ينشئ القانون محاكم استثنائية، ووفقاً له
يمكن أن تحال إلي محاكم أمن الدولة الجزئية بالجرائم التي
يعاقب عليها القانون العام!
اعتقال متكرر ويسجل التقرير التفاف الأجهزة الأمنية حول أحكام
القضاء الصادرة بالإفراج عن المعتقلين، حيث تقوم وزارة
الداخلية بتجديد قرارات الاعتقال الصادرة في حقهم، رغم
حصولهم علي قرارات نهائية بالإفراج عنهم من محكمة أمن
الدولة العليا، ويتم هذا الالتفاف عن طريق تنفيذ قرارات
الإفراج عن المعتقل دفترياً، حيث يتم تخزينه في أحد عنابر
السجن المحتجز فيه، أو نقله خارجه إلي أحد أقسام الشرطة،
أو مقار مباحث أمن الدولة لمدة يوم أو يومين، إلي أن يصدر
له قرار اعتقال جديد من وزارة الداخلية بحجة أن المعتقل قد
تم الإفراج عنه إلا أنه عاد مرة أخري إلي مزاولة النشاط
الإجرامي!
حكاية سيد وغير ذلك الكثير مما أورده التقرير، إلا أنه أفرد
مساحة خاصة للأوضاع داخل مراكز الاحتجاز في مصر، حيث تجري
انتهاكات لا حدود لها، ويستمر فيها التعذيب رغم كل
الانتقادات ضد هذه الظاهرة ويورد التقرير وقائع لحالات
تعذيب مؤلمة كان منها:
في يوم 26 يناير 2002 كان المواطن سيد خليفة عيسي يسير في
الشارع مع صديق تم إيقاف الاثنين واقتيادهما إلي قسم شرطة
مدينة نصر ثان، جري تعذيب سيد بالضرب والصعق بالكهرباء
وتعليقه من أسفل قدميه لمدد طويلة، وذلك لإكراهه علي
الاعتراف بوقائع سرقة سيارات، وأدي التعذيب إلي وفاة سيد
فما كان من ضابط مباحث القسم وأمناء الشرطة وأحد الأطباء
إلا نقل الجثة إلي منطقة البساتين وإلقاؤها في العراء،
وجاءت شهادة الوفاة المستخرجة من مديرية الشئون الصحية
لتقول إن الوفاة قد حدثت نتيجة تسمم توكسيمي عفن ناشيء عن
جروح متعددة شملت الساقين وأسفل الساعدين وخلفية الرأس،
مما أدي إلي هبوط حاد في الدورة الدموية ومن ثم إلي
الوفاة، وتم توجيه الاتهامات إلي الضباط ومعاوني المباحث
بالقسم، وصدرت الأحكام بإدانة البعض وبراءة البعض، إلا أن
المدانين استمروا في استئناف الأحكام، ولم يتم الحكم
بالحبس سوي علي معاون مباحث القسم، والذي تم الحكم عليه
بالحبس سنة مع الشغل.