يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1266 (15 - 22) فبراير 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 

 
 

أصحاب العمائم..الأحرار

 
 

د. رفعت السعيد

 

 
نقول دوماً أن الحرف الأول في كتاب الليبرالية المصرية هو الشيخ رفاعة الطهطاوي. ولكن ربما - أقول ربما - كانت ثمة بدايات تسبقه. هناك كتاب الشيخ حسين المرصفي الذي أسماه الكلم الثمان .. عن الحق والعدل والحرية. وهناك الشيخ حسن العطار وكان أستاذاً لرفاعة.. وهو أديب وشاعر ورحالة، ارتحل إلي تركيا وفلسطين، وجاب بلاد الشام. خالط ضباط الحملة الفرنسية وعلماءها، كان يدرس لهم اللغة العربية، علمهم وتعلم منهم، وإشتعلت فيه جذوة البحث عن الجديد، والمعارف الحديثة، ويتذكر رفاعة دوماً كيف كان يجلس في بيت أستاذه العطار منبهراً بعبارات مثل إن بلادنا لابد وأن تتغير أحوالها، ويتجدد بها من المعارف ما ليس فيها. وكان هناك أيضا الشيخ عياد الطنطاوي الذي سافر إلي بطرسبرج ليعلم اللغة العربية في جامعتها.. حيث أسهم في تطوير علم الاستشراق في هذه الجامعة العريقة، وعاد ومعه كتاب يشبه كتاب رفاعة تخليص الأبريز في تلخيص باريز، وقد أسماه تحفة الأذكيا بأخبار بلاد روسيا.
من حسين المرصفي وحسن العطار وعياد الطنطاوي، وغيرهم تكونت دعوة لتحرير العقل الازهري من مجرد الحفظ والتلاوة. وتدعو لإعمال العقل لا النقل، وترفض ما كان يتردد نقلا عن جوهره التوحيد للإمام السيوطي:
وكل خير في اتباع من سلف
وكل شر في اتباع من خلف
لكن رفاعة كان أكثر إلتصاقاً بأستاذه حسن العطار ويقول انه تعلم منه أهمية دراسة العلوم العصرية التي درت عليه سعة الأفق وحب المعرفة.
وفيما كان الفتي يستعيد ما تعلمه عن أستاذه ليتحصن به في تلك المناوشات والمناقشات التي كانت تشتعل في أروقة الأزهر.. والتي كانت كثيراً ما تنتهي بالاتهام بالمروق والكفر.. رشحه أستاذه حسن العطار لعزيز مصر [محمد علي باشا] كي يسافر مع ثلاثة مشايخ آخرين ليكونوا هم الأربعة حراساً أو حماة دينيين لحفنة من المبعوثين اأرسلوا إلي باريس لدراسة العلوم الحديثة في مدرسة البوليتيكنيك تحت إشراف عدد من الأساتذة الفرنسيين المرموقين.. سيلفستر دي ساسي، وكوسان دي برسفال، وفرانسواز جومار. والأخير كان عضواً في الأكاديمية الفرنسية، وشارك في الحملة الفرنسية علي مصر، وفي إعداد كتاب وصف مصر. وكما إلتصق رفاعة الطالب الأزهري.. بأستاذه حسن العطار، التصق في باريس بفرانسواز جومار.
.. وقبل أن ينطلق الفتي إلي الاسكندرية ومنها إلي باريس.. جلس أمام حسن العطار ليتلقي منه آخر نصائحه.. وكان من بينها أن يسجل مذكراته أولا بأول.. فشرع حتي وهو في المركب المتجهة إلي فرنسا في تدوين هذه المذكرات التي أسماها فيما بعد تخليص الابريز في تلخيص باريز.
كثيرة هي الكتابات عن رفاعة، وهو يستحق أكثر، فهو الأب الحقيقي لحركة التنوير في مصر الحديثة.. وكثير ما كتبت أنا عن رفاعة، ولهذا سنكتفي باشارات التوهج الليبرالي، وكوابت هذا التوجه فمعركة رفاعة لم تكن سهلة ولا يسيرة، ومن ثم إنعكست هذه الكوابت والصعوبات علي مدي قدرة الشيخ الأزهري، الموظف لدي حاكم مستبد، في الإفصاح عن ليبراليته.
***
نحن إذًا أمام ليبرالية مخنوقة، غير قادرة علي الإفصاح عن نفسها إفصاحاً كاملا.. فالشيخ الأزهري يخوض بكلماته وأفكاره عبر أمواج الفكر الأزهري المنغلق -آنذاك - علي النقل.. والحواشي، والعازف أو العاجز عن التجديد، أو الخروج من إسار القديم. وهو موظف عند حاكم مخيف هو محمد علي باشا. وكان محمد علي يقبل بالتجديد في الصناعة والتجارة والتعليم، لكنه لم يكن ليقبل حرفاً واحداً من نقد، أو حديث عن تحرير المصريين، أو حقهم في مواجهة الاستبداد. والحاكم لم يكن مجرد قبضة متشددة مخيفة، لكنه كان أيضاً يداً مبسوطة بالمنح والعطاء. فطوال الفترة الممتدة منذ قيام محمد علي بإلغاء نظام الالتزام حتي طرد إسماعيل.. كان حاكم مصر هو أكبر مالك للأرض..، وكان هو المنبع الوحيد لتملك الآخرين. أن تاريخ الملكية الزراعية في مصر يوضح أن الملكيات الكبيرة قد نبعت من مصدر وحيد هو إرادة الحاكم. ونلاحظ أن محمد علي يختار من يمنحهم الأرض من بين موظفيه، أي من هذا الطاقم الاداري الجديد الذي تولد عبر تكوين فئة جديدة من المثقفين العصريين الذين إعتمد عليهم محمد علي في بناء جهازه الحديث.. والذين وبقدر ما كان يتعمد ترويعهم.. كان يسعي لتطويعهم.
وثمة نماذج.. هي مجرد نماذج لحالة كانت سائدة.
مصطفي بهجت باشا منحه محمد علي عهدة قريتين يبلغ زمامهما 1800 فدان، ثم منحه عباس باشا 400 فدان أخري. وحامد أبو ستيت وكان ابن فلاح فقير. لكنه تعلم وتوظف وترقي في سلك الوظائف حتي أصبح حاكماً لمحافظة جرجا، ثم محافظة قنا، وكان يمتلك ما يزيد علي 7000 فدان بالإضافة إلي 100 فدان مزروعة نخيلا.
واستمر الحال حتي عهد اسماعيل. ويروي أحمد عرابي في مذكراته أن إسماعيل أمر فور توليه الحكم لكل واحد من الباشوات [يقصد كبار قادة الجيش وكان يطلق عليهم لقب عسكري هو أمير اللواء] بخمسمائة فدان، ولكل من أمراء الآلايات بمائتي فدان، ولكل واحد من القائم مقامات بمائة وخمسين فداناً. لكن تدفق الانعامات لم يكن عشوائياً فأحمد عرابي علي سبيل المثال جري حرمانه من هذه الهبه أو المنحة لأنه صلب الرأي، شرس الأخلاق، لاينقاد للأوامر.
ومع ذلك فإن المنصب كان كافياً بذاته كي ينتقل بأحمد عرابي من ابن مالك صغير إلي واحد من كبار الملاك، فقد ورث من والده ثمانية فدادين ونصف، لكنه يسجل أملاكا شاسعة في قائمة سلمها لمحاميه أثناء محاكمته.
إلي جناب المحترم المستر برودلي المحامي عنا. بيان بأطياننا وأملاكنا التي بالجهات الموضحة أدناه:
53 فداناً بناحية هرية رزنة، 76 فداناً خراجيه، 82 فداناً عشورية، 168 فداناً ملك خاص بنا.
وبالاضافة إلي ذلك 160 فدانا بناحية الاخيوه شرقية، و400 فدان بناحية قهيونه شرقية، 37 فدانا بناحية كفر السناجر شرقية، وقد صار مشتراها من أطيان الميري بمديرية الشرقية بطريق المزاد، وبالاشتراك بيني وبين حسن باشا افلاطون ودفع الثمن بالمالية.
أما رفاعة الطهطاوي، وهو الذي أتي إلي القاهرة علي مركب في النيل بعد أن باعت أمه كل ما تمتلك من حلي مقابل جنيهين، فقد ترك لورثته أكثر من 700 فدان.
هكذا إذن نكتشف - ودون عناء - عناصر الچين الوراثي الذي دفع ليبرالية أصحاب العمائم إلي أن تسلك منحني ضيقاً يشبه ثقب الابرة، بحيث ينفذ منه وبالكاد رذاذ محدود الأثر والتأثير.. وسنري أن عموم مثقفي مصر ورثوا ذات الچين الوراثي.
***
ونعود إلي رفاعة الطهطاوي لنجد أنه قد تلقن الليبرالية قطرة قطرة، وانه استمد أكثر قطراتها من مماحكاته ومناقشاته وتأملاته الباريسية..
لكن لرفاعة الحق في أن نقرر أنه غادر شواطئ مصر بقلب مفتوح وعقل منفتح. ذهب مشتاقاً للعلم والتعلم. وهذه ميزته الكبري.
وفيما كانت السفينة تغادر الاسكندرية، جلس ليكتب الأسطر الأولي في تخليص الابريز ويكتب وقد حصل لي الغم الشديد بعدم تيسر زيارتي سيدي إبراهيم الدسوقي في القرب من دسوق وردت هذه العبارة في الصفحة الأولي من مسودة الكتاب. لكنها تختفي عندما يطبع الكتاب. فعندما طبع رفاعة كتابه بعد عودته من البعثة، كان قد أصبح شخصاً آخر، بفكر آخر، وعقل آخر.
وطوال الأشهر الباريسية الأولي.. كان يواصل الكتابة واصفاً ما يراه مسجلا في مذكراته ان بلاد أوربا أغلبها نصاري أو كفرة ويتحدث عن الدستور الفرنسي، الذي أسماه الشرطة الفرنساوية. مشيراً إلي ما يحتويه من مبادئ وقيم فيقول لتعرف كيف حكمت عقول الكفرة بأن العدل والإنصاف من أسباب تعمير الممالك، وراحة العباد. ويطالع سيلفستر دي ساسي المسودات، ويخوض نقاشاً مع رفاعة ينتهي بأن تشطب كلمة الكفرة من كل صفحات المسودة لتحل محلها كلمات مثل الافرنج أوالفرنساوية أوالنصاري.
لكن رفاعة لم يكن مجرد وافد منبهر بما حوله.. محاولا تقليد كل ما يراه، بل نظر إلي باريس وإلي ما يردده أساتذته الفرنسيون نظرة انتقادية. وأختلف معهم كثيراً، وسجل خلافه معهم كتابه. وعندما ألح إليه واحد منهم بأن يغير زيه المصري ويلبس كما يلبس الفرنسيون، رفض مؤكداً أن:
التمدن ليس في زينة الملابس بعرف مجهول متخيل إستحسانه، لاسيما إذا كان لا يمكن لمن تزيا به إحسانه، فحاجة الوطن إلي المتعة الحقيقية، أشد من حاجته إلي تقليد العرف الذي هو منفعة ظاهرية ثم يؤكد في صراحة لو أنني اتبعت كل ما قاله الافرنج، ووافقت آراءهم للحياء أو غيره لكان ذلك محض موالسة.
ويجادله أصدقاؤه الفرنسيون طويلا منتقدين أحوال مصر ومكانتها لكنه يصمم أن البركة في هذه الدنيا قسمت إلي عشرة أقسام أختصت مصر بتسع منها.
وحاول الفرنسيون أن يكسبوا هذا الشيخ المتفتح والذي يوحي بمستقبل باهر إلي صفهم وإلي صف مصالحهم محاولين إقناعه بأنمنافع مصر تقع موقع التحقيق لو دامت هذه المملكة في قبضة الفرنساوية لكنه يرفض ذلك صراحة مؤكدا لهم أن رأيهم هذا مبني علي شبهة واهية، وهي أن مصر يسوغ أن تصلحها فرنسا أو أي مملكة تكون لها مضاهية، فإعتقاد ذلك من الايغال المدهي، ومن باب التشبيهات الفاسدة، وإنما يقتل النفوس التشهي لكن رفاعة يعجب أشد العجب بالفرنسيين؛ بل ويفضلهم علي العثمانيين أصحاب دولة الخلافة الإسلامية، والذين كان محمد علي - وإن شكليا - يحكم مصر بإسمهم، فيقول ولا شك أن الفرنساوية أقرب إلي العرب من الترك، فهم يحرصون علي الشرف والحرية، ويحبون الافتخار، ويفون بعهودهم.
وهكذا عاد رفاعة إلي مصر مصرياً كما ذهب.. لكنه مصري مستنير، عاد ومصباح الغرب بإحدي يديه، ومفتاح الشرق باليد الأخري.
.. ولعل رفاعة كان حسن الحظ. فالوالي الذي أرسله إلي باريس، والذي عاد إلي رحابه، كان والياً مستنيراً إلي حد كبير، ]مع التحفظ بأن إستنارته إنحصرت وفقط في مجال تحديث مصر، ولم تمتد إلي تحرير المصريين[ وكان راغباً في تحديث مصر.. ومن ثم أفسح صدره إلي تطلعات رفاعة. فمحمد علي كان يتطلع إلي أن يجعل من مصر بلداً متقدماً.. وكان شديد التعلق بمصر .. أن مصر جنة الله في الأرض، ولو وهبني الله مائة حياة فوق حياتي هذه لبذلتها من أجل الاحتفاظ بحكم مصر. هكذا كان يردد محمد علي أمام ضيوفه الاجانب. وقد نهض محمد علي بالتعليم الحديث نهضة عظيمة وضعت الأساس لمصر الحديثه ولمثقفيها، متعلميها العصريين من الأفندية [أي غير الأزهريين].. كان عدد طلاب مدرسة الطب البشري 700 طالب، والبيطري 350 طالبا، ومدرسة الفنون والصناعات 600، ومدرسة الهندسة والمعادن 150، وكان مجموع طلاب المدارس الخصوصية أي المتخصصة 4500 طالب.
كما أنه فتح أبواب مصر أمام بعثة من السان سيمونيين قوامها ستون رجلا وامرأة، وحدد لهم برنامجاً يتضمن إنشاء مدرسة للزراعة، الاسهام في بناء القناطر الخيرية، إنشاء شبكة من الترع والرياحات، إدارة مدرسة الهندسة العسكرية، إنشاء نفق في شبرا، عمل تمثال نصفي للوالي، إعداد إحصاء جغرافي، إلقاء محاضرات في الفن والأدب، إقامة حفلات موسيقية.. الخ ولقد كان السان سيمونيين الذين أتوا إلي مصر من مهن مختلفة تستطيع أن تلبي متطلبات هذا البرنامج الطموح: عشرة مهندسين، تسعة اطباء، ثلاثة مهندسين زراعيين وغيرهم من الأدباء والموسيقيين والرسامين والنحاتين.. وقد تعلق هؤلاء الخبراء بمصر ، سحرهم سحرها، ومارسوا كل ما حلموا به من إنشاءات وهوايات، ويسجل رئيس البعثة برتلمي أنفانتان مدي تعلقه بمصر قائلا: إن الشرق الغامض غموض الصحراء.. كلمة ساحرة مليئة بالضياء والغموض، والشرق معناه مصر، مصر الساحرة، أرض فرعون وموسي والنيل.
ويعود رفاعة من باريس ليعينه الوالي مدرساً في مدرسة طره وكانت مدرسة عسكرية، لكنه وقد أتيحت له مقابلة محمد علي كي يهدي إليه ترجمته لجزء من كتاب ملطبرون، انتهز فرصة هذا اللقاء في أن يقنع الوالي بأمرين كانا بالغي الأثر في مستقبل مصر.. الأول إنشاء صحيفة علي نمط الجرنالات الفرنسية، والثاني الاهتمام بتعليم اللغات الأجنبية، واقتنع الوالي بالأمرين، وجعله رئيسا لتحرير الوقائع المصرية، وناظراً لمدرسة الألسن.
وتبدأ رحلة رفاعة، لم تكن رحلة كاتب مستنير، ولا رجل دين منفتح علي العصر، بل كانت وببساطة رحلة بناء جيل من المثقفين العصريين. جيل حمل علي عاتقه مهمة بناء الجهاز الإداري لمصر الحديثة.. وبناء صرح الثقافة المصرية عبر حركة غير مسبوقة بل لم تشهد لها مصر مثيلا حتي الآن.
كانت مدرسة الألسن مصنعاً لهذا الجيل. تجول رفاعة بنفسه عبر قري مصر في رحلة نيلية، يدخل الكتاتيب يمتحن التلاميذ، يختار أكثرهم ذكاءً ونجابة ويأخذهم معه. في البداية كان عدد التلاميذ 50 تلميذا ثم ارتفع العدد إلي 150 المدرسة داخلية، ورفاعة مقيم مع تلاميذه ليلا ونهاراً.. فهو معهم باستمرار يناقش، يحاضر، يصحح الترجمات. وربما بدأ الدرس بعد صلاة العشاء ليستمر ثلاث ساعات أو أربعة ثم يبدأ الدرس التالي بعد صلاة الفجر ليستمر ساعات عدة. ألم نقل إنها مصنع..
وينتج هذا الجهد المضني قائمة كبيرة من مثقفين عصريين كانوا البداية..
صالح مجدي يقدم لنا نماذجً منهم مصطفي البياع مترجم كتاب مطالع شموس السير في وقائع كرلوس الثاني عشر وخليفه محمود الذي أصبح رئيس فرع العلوم الاجتماعية والأدبية بقلم الترجمة، وله ترجمات عديدة في التاريخ، كما ترجم تنوير المشرق بعلم المنطق، وإتحاف الملوك الألبا بتقدم الجمعيات في بلاد أوربا ومقدمة كتاب تاريخ الامبراطور شارلكان للمؤرخ الانجليزي روبرتسون وليم الذي إختار له عنوان إتحاف ملوك الزمان بتاريخ الامبراطور شارلكان وصدر في ثلاثة أجزاء. وعبد الله أبو السعود ناظر قلم الترجمة صاحب جريدة وادي النيل ومن مترجماته تاريخ الفلاسفة اليونانيين. وتاريخ مصر القديمة لمريت باشا. أما صالح مجدي وهو واحد من أشهر تلاميذ رفاعة.. وصاحب الكتاب الشهير حلية الزمن في سيرة خادم الوطن رفاعة بك رافع فقد تخصص في ترجمة كتب الرياضيات والفنون الحربية، وإشترك في ترجمة القانون الفرنسي. ويقول عنه علي باشا مبارك في خططه التوفيقية أن تراجم ومؤلفاته بلغت خمسة وستين كتابا، وكتب بيده من الكراريس ما لا يدخل تحت حصر. وسالم باشا سالم كان تلميذاً أيضا لرفاعة وترجم كتباً عديدة في الطب، وكان أشهر أطباء عصره وترجم وسائل الابتهاج إلي الطب الباطني [أربعة مجلدات] وينابيع المحتاج في الطب والعلاج والينابيع الشفائية والمياه المعدنية. وأيضا أشهر المشرعين المصريين آنذاك محمد بك قدري مؤلف مرشد الحيران إلي معرفة أحوال الإنسان والأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية.
ويبقي أن نقول إن عملية الترجمة هذه أثمرت ترجمه ألفي كتاب ]فقط نقارن بين الرقم وبين مشروع ترجمة الألف كتاب الذي إستغرق منا في زماننا الأخير عديداً من السنوات، وتمويلا هائلا.. و.. لم يتم[.
ويبقي أن نتوقف لنتأمل مسألتين هامتين، لأنهما تركتا بصمات فاعلة علي مستقبل المثقف المصري ومقدرته علي خوض غمار معركة الليبرالية.
الأولي هي أن رفاعة اختار تلاميذه من أطفال كتاتيب القري.. أي من أبناء الفلاحين الفقراء، تعلموا، ثم توظفوا، ثم أصبحوا وبشكل سريع جداً موظفين كباراً، ثم وبفضل الراتب السخي وإنعامات ولي النعم أصبحوا أيضاً ملاكاً كباراً. وهكذا كان أبناء هذا الجيل جميعاً.
ولنأخذ مثالا واحداً لعله يكفي ويزيد ابراهيم بك النبراوي، ترقي في الرتب الديوانية إلي أن بلغ رتبة المتمايز، وفي أول أمره أرسله أهله إلي كُتَّاب البلدة فتعلم فيه الخط وبعض القراءة، ثم تعلق بالبيع والشراء وترك الكُتَّاب، وأرسلوه مرة إلي المحروسة (القاهرة) ليبيع بطيخاً فلم تربح تجارته، بل لم يحصل علي رأس المال، فخاف من أهله ولم يرجع، ودخل الأزهر،.. وفي تلك المدة طُلب من الأزهر شبان برغبتهم لتعلم الحكمة (الطب) فرغب في ذلك، وإلتحق بمدرسة أبي زعبل فأقام بها مدة، وترقي إلي رتبة الملازم، ثم تعلقت الإرادة السنية بإرسال جماعة إلي بلاد فرنسا ليتقنوا الحكمة، فانتخب فيمن إنتخب، فنجب في ذلك الفن، وترقي بعد عودته إلي رتبة يوزباشي بوظيفة خوجه (مدرس) بمدرسة الطب.. ولنجابته وحسن درايته في فنه اختاره العزيز محمد علي حكيمباشي لنفسه، وتخصص به، وبلغ رتبة أميرآلاي وكثرت عليه إغداقات العزيز وانتشر ذكره بين الفامليات والأمراء، ولما مات ترك ألفا وسبعمائة فدان.
وهؤلاء التلاميذ جميعاً تولوا وظائف هامه في الإدارة الحديثة التي نسجها محمد علي وورثها عنه خلفاؤه..
ونطالع بعضاً من أسماء .. عبد الجليل بك وهو الآن بالمعيه، وهو أول من يشار إليه في التحريرات الافرنجية بالبنان ويثني عليه رؤساؤه بكل لسان.. وأحمد بك عبيد وهو الآن وكيل مجلس التجارة بالمحروسة. ويورد علي مبارك ذات الاسمين قائلا وسبب نعمتهما السيد رفاعة بك فإنه أدخلهم المكاتب أول إنشائها ثم أدخلهم المدارس فتربوا فيها.
والاسماء عديدة:
- عثمان باشا فوزي وكيل إدارة كريمة الوالي محمد علي.
- عبد الله بك السيد رئيس مجلس التجار بمدينة الإسكندرية.
- محمد بك قدري الأوحد بمعية أكبر أنجال ولي النعم.
نتوقف فنتأمل هؤلاء المثقفين القادمين من أفقر الطبقات الفقيرة تعلموا - توظفوا - أثروا .. ونعود لنحاول أن نؤكد علي تأثير الوظيفة والثراء علي مساحة الليبرالية التي تبنوها. ونكتشف أن الزهور التي غرسها رفاعة الطهطاوي، أسهمت في بناء إدارة حديثة ، ولكن.. لم تستطع أن تسهم في بناء مناخ ليبرالي. وعلي أية حال فإن اجمالي من تعلموا في عهد محمد علي كانوا تسعة آلاف وهو عدد لا بأس به، لكن كثيرين منهم وربما غالبيتهم الغالبة قيدتهم قيود الوظيفة في ظل حاكم شرس وصعب المراس.
وهناك أيضا انتفاض عباس باشا علي هذه العملية التعليمية وعلي ثمارها وإصراره علي خنقها.
وثمة رسالة شهيرة أمر عباس الأول بتوجيهها إلي مدير المدارس ]ولنقل انه يضاهي وزير التعليم[ عند وصولي إلي مديرية المنيا إمتحنت المهندسين والمتخرجين والمتربين في ديوان المدارس الذي أسس لنفع الوطن ولتربية أولاد الأمة المصرية، فظهر أنهم مجردون من العلم والعمل اللازم لهم ولخدمتهم.. فبينما نحن منتظرون منهم الفائدة إذا هم يتسببون في خراب الأقاليم. إن هذا لشيء يحرق القلب. وبناء عليه يحق لي أن ألغي ديوان المدارس الذي إتخذناه أساساً للتعليم، وأطرد الاساتذة والمهندسين المومي إليهم والبالغ عددهم 15 شخصا حيث إنهم لا يعرفون شيئاً خلاف تخريب الأقاليم. وقد طردتهم من الخدمة أبدياً، وكتبت لمدير الأقاليم الوسطي أن ينزع نياشينهم ويرسلها إلي الديوان.
وهكذا.. أتي محراث جامح ليدوس ما غرسه رفاعة من زهور في تربة الوطن.. ولم تستعد مصر قدرتها علي إنبات أزهار جديدة إلا في عهد إسماعيل ففي يناير 1863 أصدر إسماعيل أمراً إلي إبراهيم أدهم ناظر الأوقاف والمدارس بإنشاء ثلاث مدارس جديدة. وفي عام 1875 بلغ عدد المدارس 129 مدرسة والتلاميذ 839.13 تلميذا.
فكانت المرة الأولي التي يزيد فيها عدد تلاميذ المدارس العصرية علي طلاب الأزهر وكانوا في ذات العام 095.11 طالبا.
لكن تجربة عباس ظلت محلقة في عقول هؤلاء المتعلمين الذين توظفوا ]وما من مجال آخر سوي ذلك[ .. ظلت عبارات هذا الوالي المنغلق العقل، المتخلف الموقف.. وقد طردتهم من الخدمة أبدياً، وكتبت لمدير الأقاليم الوسطي أن ينزع نياشينهم ويرسلها إلي الديوان. جاثمة علي العقول والنفوس والأفكار لجيل كامل.. وربما جيلا بعد جيل.
هكذا أطلنا ونحن نتجول في حديقة التنوير الأولي.
وآن لنا أن نعود إلي رفاعة نفسه لنطالع بعضاً من أفكاره..
ولكن .. ومرة أخري نتوقف أمام هذا الأزهري المستنير. يشق الطريق الصعب في وجه تشدد الشيوخ، وتخلف أفكارهم، وتسلط الحاكم الذي لا يجرؤ أحد علي معارضته أو عصيان أوامره. وفي كل مأزق من هذه المآزق كان رفاعة يلجأ إلي تفسير ديني يحتمي به..
فعندما صدرت الوقائع المصرية كانت تطبع بلغتين ]العربية والتركية[ نسخة واحدة بلغتين. وكان محمد علي قد أمر أن تحتل الكتابة التركية يمين الصفحات.. واللغة العربية يسارها. وبهدوء شديد صحح رفاعة الوضع، العربية يميناً والأخري يساراً. ويستمر الحال كذلك عاماً وبعض عام، ثم يسعي الوشاه إلي ولي النعم ويستدعي رفاعة غاضباً.. ويعتصم رفاعة من غضب محمد علي الهائج بالدين.. فالعربية لغة القرآن الكريم. ويهدأ غضب الوالي، وإن كان قد أمر بإعادة الوضع إلي ما كان عليه.
وعندما أثيرت قضية دوران الأرض وصاح أزهريون كثيرون بتكفير كل من قال إن الأرض كرة وانها تدور، يتلمس رفاعة طريقاً حذراً يحاول به أن يتحدي الفكرة السائدة بأن الأرض ثابتة وانها مسطحة، فيقول ناسباً الحديث إلي عالم أجنبي لم يذكر اسمه أن القول بدوران الأرض وإستدارتها لا يخالف ما وردت به الكتب السماوية، ذلك لأن الكتب السماوية قد ذكرت هذه الأشياء في معرض وعظ ونحوه، جرياً علي ما يظهر للعامة لا تدقيقاً فلسفياً، مثل ماورد في الشرع أن الله تعالي أوقف الشمس، فالمراد بوقف الشمس تأخير غيابها عن الأعين، وهذا يحصل بتوقيف الأرض عن الدوران، وإنما أوقع الله الوقوف علي الشمس لأنها هي التي يظهر في الأعين سيرها. ويشير واحد من اساتذة رفاعة ]كوسان دي برسفال[ إلي هذه العبارة مشككا في نسبتها إلي عالم أجنبي قائلا أنها تعبر عن تفكير اسلامي محض. وبرغم هذا الاحتياط، فإن هذه العبارة التي وردت في مسودة تخليص الابريز قد شطبت عندما طبع الكتاب.
ويبحث رفاعة عن مخرج جديد.. ديني بحت هذه المرة. ديني لأنه هكذا يمكن أن يُقبل، فيقول ووقعت محاورة بين العلامة الشيخ محمد المناعي التونسي المالكي المدرس بجامعة الزيتونة، وبين مفتي الحنفية العلامة الشيخ محمد البيرم المؤلف لعدة كتب في المنقول والمعقول، وله أيضا تاريخ دولة بني عثمان، حول كروية الأرض وبسطها، البسط للمناعي والكروية لخصمه. وممن قال من علماء المغرب بأن الأرض مستديرة وانها سائرة العلامة الشيخ مختار الكنتاوي بأرض إزوات بقرب بلاد تمبكتو وهو مؤلف مختصر في فقه مالك ضاهي به متن الخليل، وضاهي أيضا ألفية إبن مالك. وله مؤلفات كثيرة، وألف كتاباً اسمه النزهة جمع فيه جملة علوم فذكر بالمناسبة علم الهيئة فتكلم عن كروية الأرض، وعن سيرها، ووضح ذلك، فتلخص من كلامه أن الأرض كرة، ولا يضير اعتقاد تحركها أو سكونها.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة