استطاعت بطولة الأمم الإفريقية لكرة القدم التي أقيمت
بالقاهرة خلال الأيام الماضية والتي انتهت بفوز الفريق
المصري بهذه البطولة، أن تدخل البهجة والفرح والسعادة
لقلوب المصريين جميعا، وأن تزيل الفروق بينهم، وتوحد - ولو
للحظات - بين الحكام والمحكومين، فالكل كان وراء الفريق
المصري بقيادة حسن شحاتة وحسام حسن وأحمد حسن وعصام الحضري
وبقية اللاعبين وجهازهم الفني، كان الجميع يعبر بشتي الطرق
عن انتمائه لمصر، يرفع علمها ويهتف باسمها ويحلم بالنصر.
ولم يكن هذا الالتفاف حول مصر هو الظاهرة الوحيدة الجديرة
بالتسجيل، فقد حمل معه عديدا من الظواهر الأخري.
فالجمهور الذي زحف إلي الاستاد ليس هو جمهور كرة القدم
الذي نعرفه، فتيات وفتية وأسر كاملة بأطفالها تتواجد في
الاستاد لأول مرة، وهم بالقطع لا ينتمون إلي جمهور الدرجة
الثالثة المعتاد، فوجوههم وملابسهم والصحة البادية عليهم
تشير بوضوح إلي أنهم جزء من طبقات ميسورة، وأن مستوي
تعليمهم مرتفع، وكان مثلهم ملايين خارج الاستاد يتابعون
المباريات ويتحمسون ويهتفون ويطوفون بسياراتهم أو علي
أرجلهم ويحملون أعلام مصر ويحلمون بالنصر.
حتي اللاعبون بذلوا من الجهد ما لم يبذلوه طوال حياتهم،
سواء الذين خاضوا غمار المباريات أو البدلاء الذين جلسوا
علي المقاعد ينتظرون، أي إشارة لمساندة زملائهم، واستطاعوا
بحماسهم وإخلاصهم أن يعوضوا أي نقص في الكفاءة أو الفنون
الكروية.
هذه الحالة في حاجة إلي دراسة اجتماعية واقتصادية ونفسية
لمعرفة السبب في هذه الظاهرة الجديدة، والأهم كيفية جذب
الشباب - فتيات وفتية - إلي الاهتمام والانغماس في شئون
الوطن الأخري والأكثر أهمية.
فلا يستطيع أحد أن ينكر أن الشباب المصري يعاني من بطالة
تحاصر ما بين 5 و8 ملايين أغلبهم من خريجي الجامعات
والمعاهد العليا والمتوسطة، وأن ما بين 30% و45% من الشعب
المصري يعيشون تحت خط الفقر ولا يستطيعون توفير الأساسيات
الضرورية من الطعام والشراب والتعليم الحقيقي والعلاج
والسكن الصحي، فما بالنا بثمن تذكرة لمباريات الدورة
الإفريقية والتي لا تقل عن 20 جنيها تضاعفت عدة مرات في
السوق السوداء.
ويقاطع الشباب المصري الانتخابات العامة، بل لا يسجلون
أنفسهم أصلا في جداول القيد، ولا ينضمون للأحزاب السياسية،
ولا يشاركون في العمل العام أو في التظاهرات التي تتعلق
بأمور حياتهم اليومية، ويعاني عديد منهم من تعاطي المخدرات
والعلاقات الاجتماعية غير السوية واللامبالاة والإحباط.
وإذا كانت حالة الاهتمام والانتماء ظهرت فجأة خلال بطولة
الأمم الإفريقية، فواجبنا أن نسارع لاستغلال هذه اللحظة
لدفع الشباب للانغماس في شئون وطنهم، والاهتمام بقضاياهم
وقضايا أمتهم، وإزالة القيود التي تمنعهم من التعبير الحر
الديمقراطي عن أنفسهم والجهر بما في نفوسهم، فبدون ذلك
ستكون هذه الأيام الجميلة التي عشناها خلال بطولة الأمم
الإفريقية والنصر الذي حققه فريقنا بلا معني حقيقي.