شغلت الطفلة لينا ابنة المهندسة هند الحناوي والممثل أحمد
الفيشاوي اهتمام المصريين وبخاصة أوساط الحركة النسائية،
لأن الأب شاء - لأسباب لا نعرفها كاملة علي وجه اليقين -
أن يرفض الخضوع لاختبار الحامض النووي المعروف ب دي. إن.
إيه بعد أن وصلت القضية إلي المحاكم لإثبات نسب الطفلة
لأبيها.
ورغم كل شيء فإن الطفلة لينا محظوظة لأن لها أسرة تكاتفت
ومعها آلاف المصريين للدفاع عن حقها في الانتساب لأبيها،
بينما هناك آلاف آخرون - ربما ملايين فمن يدري - يجري
الالقاء بهم إلي الشارع والمصير المظلم لأن الآباء رفضوا
الاعتراف بهم وتنصلوا من المسئولية وتطالعنا صفحات الحوادث
بأخبار أمهات يلقين بأطفال رضع في القمامة أو في النيل
والترع تخلصا من المحنة، وتشهد المحاكم أربعة عشر ألف قضية
إثبات نسب استطاعت الأمهات فيها أن يحركن الدعوي، ويحتاج
الأمر إلي تشريع عاجل يلزم الآباء المدعي عليهم بالخضوع
لاختبار الحامض النووي والاعتراف بنسب الطفل إليه في حالة
الثبوت.
ولا أعرف ما الذي استقر بالضبط في ضمير قاضي الدرجة الأولي
الذي نظر القضية فحكم فيها ضد هند الحناوي، وذلك حتي بعد
أن أقر هو نفسه أن علاقتها بالفيشاوي هي زواج ولكنه زواج
فاسد ومن المعروف قانونا وشرعا أن الزواج الفاسد لا يعفي
أيا من طرفيه من تحمل مسئولية نتائجه.
والحق أن التناقضات في أقوال الفيشاوي كانت كفيلة وحدها
بإقناع القاضي أنه الأب خاصة بعد أن كان قد أعلن علي الملأ
عن استعداده لإجراء الاختبار ثم عاد وتراجع.
ورغم موقف الفيشاوي المنافي للأخلاق والدين وقيم الصدق
والشهامة، فإنه تحول بقدرة قادر إلي نجم من نجوم برامج
الدعاة الجدد مع خالد الجندي وعمرو خالد، ومثل - علي حد
تعبير أحد الصحفيين - دور الرجل المتدين الزاني حين قال
إنه كان فعلا علي علاقة بهند الحناوي.
وسارع بعض من يسمون أنفسهم برجال الدين إلي نصرته - ولم
لا؟ ألم يصبح داعية لدين الله وأصبح واحدا من زمرتهم،
فأعلن أحد الشيوخ المتطوعين بالفتوي أن الإسلام لا يجبر
مرتكب الزنا علي الاعتراف بنتائج فعلته معللا أن الولد ابن
الفراش، وإذا اعترف به أبوه الحقيقي فله ثوابه وإذا رفض
فلا إثم عليه.
وصرح المفتي السابق الدكتور نصر فريد واصل أن الإسلام لا
يعترف بابن الزني!.
ولكن من حسن حظ لينا أن هناك شيوخا ورجال دين آخرين نساء
ورجالا يقرون علي أسس شرعية بحقها في النسب وصولا إلي
ضرورة إجباره علي الزواج الرسمي من أمها، وهم متفقهون
ومتفقهات في الدين.
ورغم أن مظاهر كثيرة تدلنا علي أن المجتمع المصري قد انقسم
انقساما حادا حول هذه القضية بين قائل إن ما حدث بين
الطرفين هو زواج حقيقي وقائل إنه ليس زواجا، إلا أن الجميع
تقريبا بدوا متفقين علي حق الطفلة في النسب بصرف النظر عن
شكل تطور العلاقة بين هند وأحمد.
ويشكل هذا التوجه تطورا كبيرا لابد من دراسته من الوعي
المجتمعي بالحقوق، وبحقوق الأطفال علي نحو خاص، ولابد هنا
أن نذكر الفضل لأهله وأن نوجه شكرا لمنظمات حقوق الإنسان
التي استطاعت رغم الحملة المغرضة التي شنها البعض عليها
لأسباب مختلفة أن تغذي هذا الوعي الجديد بحقوق الإنسان
وتدعمه بمطبوعاتها ومؤتمراتها وندواتها وصولا إلي إجبار
الحكومة علي إنشاء المجلس القومي لحقوق الإنسان.
ومايزال الطريق طويلا أمام المنظمات النسائية الجديدة لكي
تحدث أثرا مشابها وعميقا حول حقوق المرأة وحريتها وضرورة
تعامل المجتمع معها ككائن كامل الأهلية وحر وقادر علي
اتخاذ قراراته لنفسه دون وصاية أبوية أسرية كانت أو
مجتمعية.
وماتزال هذه المنظمات الجديدة والتي تعمل في ظروف صعبة،
وتتعرض بدورها لانتقادات واتهامات ظالمة، تكافح من أجل
اعتبار الاتفاقية الدولية لإلغاء كل أشكال التميز ضد
المرأة أساسا للتشريع حول الأحوال الشخصية والعلاقات
الأسرية، وقد نجحت الحركة فعلا في إلغاء واحد من تحفظات
الحكومة المصرية علي هذه الاتفاقية حول جنسية أطفال أمهات
المتزوجات بأجنبي وجري تعديل القانون لصالح الأمهات
والأطفال وهناك شيوخ ودارسون للشرع نساء ورجالا يؤولون
النصوص لصالح حقوق الإنسان وحقوق المرأة، ويرون أنه من
الممكن شرعا عبور الفجوة بين المواثيق الدولية والمرجعية
الشرعية استنادا إلي المقاصد العليا للشريعة، خاصة أن
الفقه هو كله اجتهاد بشري يستطيع البشر المعاصرون أن
ينتجوا أفضل منها، فنحن أعلم بشئون دنيانا علي حد قول
الرسول - صلي الله عليه وسلم -.
والدراسة المتأنية لما حدث لهند الحناوي والتي تفتدي
بموقفها الشجاع هي وأسرتها آلاف النساء سوف تبين أن ما هو
ذكوري سواء في موقف القاضي أو في موقف الذين سارعوا بتوجيه
الإدانة لها دون وجه حق أقوي كثيرا جدا من الديني، وتنتمي
العقلية الذكورية المتأصلة في الثقافة إلي تقاليد المجتمع
الأبوي وليس إلي الدين.. المهم الآن أن نكافح جميعا لإصدار
تشريع جديد لإنصاف الأطفال، كل الأطفال دون استثناء.