ونمضي في رحلة الحديث عن أيام الزمن الجميل، الزمن الذي
فهم فيه المصريون الدين فهما سمحا، وعاشوا فيه وحدتهم
الوطنية سدا منيعا في وجه أي تدخل أجنبي.. ونعود إلي رائد
الوطنية المصرية المتوثبة عبدالله النديم الذي يأبي أن
يتهم المصريون بالتنابذ بسبب الدين، ويأبي أن تترك ادعاءات
الأجانب حول ما أسماه الإنجليز مذبحة الإسكندرية واتخذوها
مبررا للتدخل في مصر واحتلالها.. دون رد وتفنيد.. فيقول:
فلو كانت فتنة الإسكندرية بسبب من الدين كما زعموا لجرت
الدماء أنهارا في الصعيد، فسكون المسلمين وامتزاجهم
بالأقباط امتزاج الأهلية أيام هذه الفتنة هو أكبر دليل علي
أن المصري لا يعرف التعصب الديني، ولا ينقض عهدا ولا يحقر
ذمة، ولا يعتدي علي وطني ولا مستوطن (الأستاذ - 23 مايو
1893 - مقال للنديم بعنوان أعداء المصريين)، ويؤكد النديم
أن الوحدة الوطنية في مصر فوق كل المؤامرات وفوق كل
محاولات التفريق فالمصريون سيبقون دوما موحدين ولو قامت
الدنيا وقعدت سيبقون هم هم إخوان الوطنية يشد بعضهم بعضا،
يتزاورون تزاور أهل بيت واحد، ويشارك الجار جاره في أفراحه
وأتراحه علما منهم بأن البلاد تطالبهم بصرف حياتهم في
إحيائها بالمحافظة علي وحدة الاجتماع الوطني الذي يشمله
اسم مصري من غير نظر إلي الاختلاف الديني (الأستاذ - 21
مارس 1893 - مقال بعنوان المسلمون والأقباط)، وفي رواية
الوطن وطالع التوفيق يردد النديم نصيحة غالية لكل المصريين
ابعدوا عن أهل التعصب والإفساد فإنهم يقلبون الخير شرا
(عبدالفتاح نديم - سلامة النديم ج1 - ص45).
وقد ظل النديم مهتما بقضية الوحدة الوطنية، داعيا لها، ولم
يترك أي فرصة إلا وعبر فيها عن موقفه هذا.. وداوم باستمرار
علي حضور أي احتفال يقيمه الأقباط، وهو يتحدث عن حضوره حفل
تأسيس الجمعية الخيرية القبطية فيقول خطبت فيهم خطبة
التأسيس الجميل وحشوتها بمواعظ من الإنجيل ويقول وما عقد
الأقباط حفلا إلا وكنت خطيبه، ولا ناداني أحدهم إلا وكنت
مجيبه، ويؤيد النديم بشدة صدورنشرات دينية مسيحية بموافقة
حكومية بعد أن وافقت علي صدور نشرات دينية إسلامية ويقول
إنه مع كون جمهور البلاد المصرية مسلما وفي وسطهم الطائفة
القبطية، ما كنا نري جريدة دينية إسلامية ولا مسيحية،
والآن وقد انحل هذا القيد تقدمت المطبوعات خطوة عظيمة
وظهرت النشرة الأسبوعية الدينية القبطية ثم ظهرت النشرة
الإنجيلية المصرية ويرحب النديم بذلك مؤكدا أن الجرائد ترد
الأمم عن الفجور والفساد وتدعو الناس إلي مكارم الأخلاق..
ويواصل النديم دفاعه عن الوحدة الوطنية مؤكدا (أن الادعاء
علي المصريين بالتعصب الديني خطأ، فالمسلمون يتسمون
بالتسامح وكل مسلم ممنوع من التعصب بقوله تعالي: لا إكراه
في الدين).
ولكي لا يترك النديم فرصة لأي من المغرضين أو من المتدخلين
الأجانب لتفريق أبناء الوطن الواحد طالب النديم بإيجاد
جمعية مصرية من المسلمين والأقباط للبحث في أمور الوطن
وخصائصه، وواجباته وضرورات حياته والمحافظة علي ما بين
المصريين من روابط محبة، وأن تكوين جمعية من المسلمين
والأقباط يفيدهما فوائد جمة ويحول بينهم وبين النزعات
الأجنبية (الأستاذ - 21 مارس 1893).
ولم يكن النديم وحده في هذه المعركة فهناك أيضا مفكرون
أقباط ويهود شاركوا في هذه المعركة.
فميخائيل عبدالسيد يكتب في جريدة الوطن: إن البلاد
المرتاحة من آفة التعصب هي البلاد المرتقبة لذوي المجد،
أما يعقوب صنوع فيرفض التفريق علي أساس من الدين فالمصري
مصري لا فرق بين اليهود أو المسلمين أو النصاري والطريق
إلي وحدتهم هو مكافحة الأباطيل التي تفرق بين المسلمين
والمسيحيين بإظهار سماحة القرآن وكلمة الإنجيل وهكذا يتسني
الملاءمة بين قلوب الفريقين إبراهيم عبده - أبونظارة إمام
الصحافة الفكاهية - ص18).
ولم يكن الأمر مجرد مقالات تنشر أو آراء تقال وإنما تمثل
في وحدة للعمل من أجل مصر في مواجهة التدخل الأجنبي،
فعندما انحاز الخديو توفيق إلي الإنجليز قام العرابيون
بتشكيل مجلس لإدارة شئون البلاد وقد ضم هذا المجلس رؤساء
الملل الإسلامية والمسيحية للمشاورة في أمر الحرب وقد ضم
هذا المجلس أيضا عديدا من الأقباط من أبرزهم يعقوب سامي
وكيل الداخلية، وبطرس غالي وكيل الحقانية، وعريان تادرس
وكيل المالية (الوقائع المصرية - 23 يوليو 1882).
ولما كان المراقب الإنجليزي للمالية مستر كولفن قد استولي
علي ما في خزينة الدولة من أموال ونقلها إلي الأسطول
الإنجليزي فقد وجه أحمد عرابي نداء إلي المصريين للتبرع
لسد احتياجات الثورة وإدارة شئون البلاد، وتتضمن وثائق
الثورة العرابية قوائم بأسماء المتبرعين وقيمة تبرعاتهم..
وتقرأ فيها أسماء مثل ميخائيل أثناسيوس وأخيه حنا من
المنيا وقد تبرعا بثلاثمائة أردب من القمح والفول، كما
تبرع رفلة خزام من ناحية قلوصنا بمديرية المنيا بثلاثمائة
قنطار من خشب السنط، وتبارت العائلات القبطية أمثال..
عبدالنور أقلاديوس بجرجا ويوسف عبدالعال بملوي وغيرهما في
تقديم تبرعات مالية وعينية (لمزيد من الأسماء راجع: سليم
خليل نقاش - مصر للمصريين - ج2).
.. وتبقي مصر دوما قادرة علي أن تتوحد في الزمن الصعب.
ولكن وإذ تزداد أيامنا صعوبة فإننا نجد أنفسنا ونحن نتراجع
أمام فلول التعصب، وإذ ينزوي الفهم المتسامح للدين تنزوي
معه قوي الوحدة الوطنية وطاقاتها.
لكن مصر كانت ولم تزل وستظل بحاجة إلي وحدتها الوطنية..
وليس أمامنا جميعا سوي أن نلبي نداءها.. وأن نعمل جميعا من
أجمل تمتين وحدتنا الوطنية بالفعل وبالممارسة وليس بالقول
المعسول المتسم بالموالسة.
مصر تحتاج إلينا فلنرفع رايات الوحدة الوطنية.. ولنعمل من
أجلها.. نعمل قولا وفعلا وممارسة.. وهذا أقل ما تحتاجه مصر
منا، فهل نبخل علي مصر بما تريد وبما تحتاج؟.