تمر، هذه الأيام، ذكري انقضاء خمسة وسبعين عاما علي
رحيل جبران خليل جبران، بعد حياة لم تتعد ثمانية وأربعين
عاما (ديسمبر 1883 - أبريل 1931) تاركا لحياتنا الأدبية
والفكرية مجموعة من الآثار المهمة التي أثرت مكتبتنا
العربية بخصيب الإبداع، وألهمت الأجيال الأدبية المتتالية
شرارات من وهج الوجدان وجمرة الفن والأدب.
وفي هذه المناسبة، فإنني لن أتطرق إلي ما تطرق إليه
الكثيرون في الحديث عن حياة جبران وأدبه، وفي تفصيل ظروف
تلك الحياة وخصائص ذلك الأدب.
سأختار منحي مختلفا، وهو أن أحاول الإجابة عن ثلاثة أسئلة
برزت في حوارات النخبة المثقفة، المصرية والعربية، في غضون
السنوات الأخيرة التي ازدهرت فيها سيرة جبران، بين الأوساط
الثقافية العديدة.
السؤال الأول ويدور بين نشاط حقوق الإنسان والمجتمع المدني
هو: هل يمكن أن نجد صلة بين أدب جبران وبين قضايا حقوق
الإنسان؟.
السؤال الثاني ويدور بين التيارات الأدبية الجديدة هو: هل
لجبران تأثير في الأجيال الشعرية المصرية الشابة؟.
السؤال الثالث ويدور بين أوساط النقاد والمهتمين بالعلاقة
بين الجمال والواقع الاجتماعي هو: كيف نعتبر جبران مجددا
في الأدب العربي، بينما كان معظم إنتاجه مكتوبا باللغة
الإنجليزية واللغة - كما نعرف - معيار أول من معايير
التجديد الأدبي؟.
في الإجابة عن السؤال الأول أقول إن الصلة بين أدب جبران
وبين قضايا حقوق الإنسان - العربي والعالمي علي السواء -
هي أوضح من أن نزيدها إيضاحا، فعناوين كتبه تدل بذاتها علي
ذلك أبلغ الدلالة، بدءا من الأجنحة المتكسرة وانتهاء
بحديقة النبي مرورا ب الأرواح المتمردة ورمل وزبد والنبي
والمجنون والعواصف والمواكب وغير ذلك.
لقد عالج جبران قضايا المحرومين في الأرض والفقراء وانعدام
العدالة والإخاء البشري، وتحدث عن وحدة الأديان، وعن حق
العمل والأمن والطعام والحرية.
وقد اقترب جبران من التخوم الصوفية حينما أَنْسَنَ الله
وأَلَّهَ الإنسان، متفقا في ذلك مع مدرسة التصوف
الإسلامية، حينما ضيقت المسافة بين الله والإنسان، وحينما
حذفت الوسطاء بين العبد والرب، لتغدو الصلة بينهما صلة كشف
مباشرة، حتي وإن شابت كل ذلك مسحة رومانتيكية ظاهرة.
ويكفي أن نستمع إليه في النبي يقول عن العطاء:
جميل أن تعطي من يسألك، وأجمل منه أن تعطي من لا يسألك وقد
أدركت عوزه، فالسعي إلي من يتقبل العطاء هو للمعطي أعظم
غبطة من الغبطة بالعطاء ذاته، وهل تستطيع حقا أن تقبض يدك
علي شيء مما تملك؟ وليأتين يوم كل مالك فيه سوف يعطي، فأعط
الآن، يكن لك موسم العطاء، لا لمن يرثك، وما أكثر ما تقول:
لتصبون نفسي إلي العطاء، ولكن لا أعطي إلا لمن يستحق، وليس
ذلك قول الأشجار في بستانك، ولا القطعان في مرعاك، إنها
تعطي لتحيا، لأن المنع سبيل الفناء.
وفي الإجابة عن السؤال الثاني، أري أن تأثير جبران علي
الأجيال الشعرية المصرية تأثير ملحوظ، فمن ناحية، هو واحد
من مدرسة المهجر الشعرية التي حملت - مع مدرستي الديوان
وأبوللو في مصر - عبء الانتقال بالقصيدة العربية من طورها
المدرسي الذي يحاكي الخارج إلي طورها الرومانتكي الذي
يحاكي الذات.
ومعلوم أن هذه المدارس الثلاث هي التي شكلت المرحلة
الانتقالية التي أفضت إلي حركة الشعر الحر في مصر والبلاد
العربية، ومن ناحية ثانية، يعد جبران قنطرة من القناطر
الكبري التي انتقلت بواسطتها الكتابة العربية من التقليد
إلي الحداثة، حيث حلت الرؤية الداخلية محل النظر من خارج،
وحلت الذات محل الجماعة، وحلت خصوصية اللغة محل عموميتها،
وحلت العاطفة محل العقل البارد، وحل الهمس محل الخطابة،
وقد لخص جبران ذلك كله في قوله: لكم لغتكم، ولي لغتي، ومن
ناحية ثالثة، كانت كتبه النثرية المكثفة نبراسا اهتدي به
بعض الشعراء المصريين من مبدعي قصيدة النثر المبكرة، في
العشرينات والثلاثينات، مثل مي زيادة ومصطفي صادق الرافعي
وحسين عفيف ومحمد منير رمزي وإبراهيم شكر الله.
لنقرأ القطعة التالية من رمل وزبد ونقدر كيف يمكن لمثل هذه
الكتابة أن تتسرب إلي الأجيال المواكبة لجبران، والتالية
له، علي السواء:
لا يقدر امرؤ أن يضع حدا فاصلا بين الضرورات والكماليات،
الملائكة وحدهم يقدرون، والملائكة حكماء كاسفو البال، من
يدري فلعل الملائكة هم أفكارنا المطهرة تخفق في الفضاء؟.
وأنا شخصيا أشهد بأن قراءتي لكتاب النبي شكلت انقلابا
جوهريا في صباي الثقافي، ليغدو الكتاب مكونا أساسيا من
مكوناتي الثقافية والشعرية، وربما لا يزال إلهامه ممتدا
معي.
وأخيرا، في الإجابة عن السؤال الثالث، أقول: الأدب فن
لغوي، واللغة فكر وسياق ثقافي واجتماعي، وعلي ذلك فإن
العربي الذي يكتب أدبه بالإنجليزية أو الفرنسية هو أدخل في
الأدب الإنجليزي أو الفرنسي من الأدب العربي، لأن المضمون
العربي وحده لا يجعل الأدب عربيا. الأساس، إذن، هو اللغة.
هذه هي النظرية التي أؤمن بها - كشاعر - مع آخرين، لكن هذه
النظرية ليست محكمة الصواب علي الدوام، فثمة من الكتاب
المبدعين من يصيب هذه النظرية بسهام سديدة، وعلي رأس
هؤلاء: جبران، فلماذا، إذن، اعتبر جبران خليل جبران رأسا
من رءوس التجديد في الأدب العربي الحديث؟.
سأوجز إجابتي فيما يلي:
أ- فيما يتعلق بأدب جبران المكتوب بالعربية، فلا ريب أنه
ساهم في نقل الأدب العربي من التقليدية إلي الرومانتيكية،
علي نحو ما مر بنا من سطور قليلة، وأخص من هذا الأدب شعره
العمودي، وبعض قصصه في الأجنحة المتكسرة والأرواح
المتمردة، كما أن هذا الأدب المكتوب بالعربية مثل دمعة
وابتسامة قد جسد رعشة جديدة في الأساليب العربية علي وصف
فيكتور هيجو لبودلير وفي المضامين الأدبية علي السواء، ففي
هذا الكتاب تمجيد للجمال يضعه في عليين ليس بعد الجمال دين
ولا علم، وفيه تمجيد للعمل المنتج ليس في الدنيا غير
عنصرين: الجمال والحق، الجمال في قلوب المحبين، والحق في
سواعد العاملين حرثا، وفيه احترام للآخر، كل ذلك في أسلوب
فني سعي - كما يقول ثروت عكاشة - إلي تحرير اللغة من قيود
الشكلية، وتجديد الطرائق اللغوية دون الخروج علي قواعد
اللغة، وتبني فنون أدبية حديثة كالشعر المنثور، الذي يجمع
بين الوجدانية والرمزية والتجريد والمثالية المفرطة.
ب- فيما يتعلق بأدب جبران المكتوب بالإنجليزية، فإن فيه -
علي الرغم من لغته الإنجليزية - توجها إلي قيم مجتمعه
العربي بعامة واللبناني بخاصة، ثم إن فيه تواصلا مع
التاريخ العربي، وتمردا علي تخلف التشكيلات الاجتماعية
الثقافية المعرفية في المجتمع العربي، وسعيا إلي إيقاظ
الروح الشرقي، وتحديث عقله ووجدانه، فضلا عن التوجه إلي
دفع البشرية بأسرها إلي الأمام، في صيغ مبتكرة عبر هو نفسه
عنها بقوله: إن عجز الطرق القديمة عن التعبير عن أشيائي
الجديدة جعلني دائب السعي وراء وسائل تعبير جديدة.
جـ- أما أفكاره الإنسانية ورؤاه النظرية فكانت معنية
بواقعه العربي علي رغم إقامته في أمريكا، قاصدة إلي أن
ينزع مجتمعه العربي أقنعة السبات والسكون والخنوع، ليصير
إلي مجتمع الحرية والعدل والمحبة.
وإذا علمنا أن جبران ترجم بنفسه بعض كتبه إلي العربية، وأن
من قاموا غيره بترجمة أعمال له مثل ثروت عكاشة ويوسف الخال
كانوا مترجمين مميزين مبدعين، لم ينقلوا فحوي النص فحسب،
بل نقلوا كذلك الاجتراءات اللغوية والحرية الأسلوبية في
نصوص جبران، تأكدنا أنه من الطبيعي أن تمارس هذه النصوص
طليعتها وتأثيرها في مجري الأدب العربي، علي الرغم من
اللغة الأجنبية التي كتبت بها، وعلي الرغم من نظريتنا
القائلة بأن الأدب هو لغته، بحيث يستحيل تجديد أدب ما بلغة
أدب آخر.
فجبران كاسر النظريات الجامدة، شأنه شأن كل مبدع أصيل
عميق.