بحكمة صافية وتواضع مذهل قدم مهاتير محمد إلي جمع من
رجال الأعمال والصناعة في مصر خلاصة تجربة بلاده في
التنمية، فقال: إن أساسها هو إدارة حوار مع عمال الصيد
والزراعة النشاطين اللذين كانا سائدين ومع المجتمع المتعدد
الإثنيات والأعراق، حيث قلنا لهم: نريد أن نعمل سويا،
ونمضي معا أوقات ترفيه سعيدة، ونعيش جميعا في سلام؛ وأن
نعالج بإتزان وبسرعة كل ما من شأنه أن يصرفنا عن التركيز
في قضايانا الاقتصادية والاجتماعية، وأضاف مهاتير: كان من
الضروري أن نقنع الناس بما يجب أن نقوم به ولماذا نقوم به
والأولويات التي نعمل عليها، والأهم إقناعهم - بالحجة
والواقع - إن ما يتم وما سيتم في صالحهم، وقد سمحنا
بالتظاهر والاعتصامات جنبا إلي جنب، مع الحوار مع اتحادات
العمال والنقابات، وقلنا لرؤساء الشركات في نفس الوقت:
بدلا من أن نعاقب العمال لماذا لا نطور الصناعة وبالتالي
نرفع الرواتب فتمتنع الإضرابات؟!، وخلال الإضرابات كنا
نناقش مع العمال تأثيرها علي التكلفة وبالتالي تقليلها
لتنافسية منتجات بلادهم، وعندما جاءت شركات أجنبية لتغري
البعض بمرتبات كبيرة، وتشجع مطالبات بأجور أعلي، كانت
الثقة بيننا قد وصلت إلي حد أننا أقنعنا العمال بأن
الخواجات يخمونهم وأنهم يتحدثون عن أجور أكبر حتي تزيد
التكلفة عندنا فنعجز عن أن ننافسهم وقد صدق العمال ما
قلناه، وفي المقابل كان لدينا التزام قوي بعدم زيادة
الأسعار دون مبرر مقبول للحفاظ علي مستوي حياة الناس، وحين
شرح مهاتير الكيفية التي أصبح بها العمال التقليديون،
عمالا مهرة في صناعات معقدة، انتهي إلي القول بأنه: ما من
شيء اسمه عدم القدرة علي عمل شيء!. والطريف أن مهاتير قال:
إن الحكومة كانت تحرص علي تشجيع الناس علي عبور المانش
وتسلق قمة إفرست والتزلج علي الجليد «مناخ ماليزيا حار»
والعدو لمئات الكيلومترات حتي يعرفوا أن بإمكانهم أن
يقوموا بما يقوم به أي شخص في أي مناخ أو ظروف.
وبطبيعة الحال فإن مهاتير تحدث عن دور التعليم الجيد
والتدريب والتكنولوجيا والخبرة الأجنبية، وتطرق حتي إلي ما
يمكن أن يكون محل خلاف مثل إشارته إلي أن رجال الأعمال لا
يحبون تغيير الحكومات سريعا، وأن التغيير قد تكون له سمة
ديمقراطية، لكنه لا يخدم تنمية يلزمها تخطيط علي مدي أطول
«30 سنة في تجربتهم»، كما تحدث عن الترابيزة الواحدة -
بعيدا عن الصراع الحزبي والمواجهات - التي دار حولها
النقاش بين كل أطراف العملية الاقتصادية والسياسية
والاجتماعية «وهو ما يمكن وصفه بالشمولية» لكنه كان صادقا
في كل ما قاله ومؤمنا به، كما أنه أكد علي إطلاق حرية
التفكير والابتكار الغريب ،إن جميع التغطيات الإعلامية
لندوة مهاتير - والتي كان دعا إليها ومركز تحديث الصناعة -
قد تجاهلت هذا الطابع الفريد للعلاقة بين الحكومة والعمال،
وحين سألت مسئولا مصريا كبيرا عن مدي اهتمام الحكومة
المصرية بهذا النوع من الاتصال: قال بغض النظر عن المستوي
الذي هي عليه في اتصالها بأطراف الإنتاج، إلا أن خبرة
الحياة العملية تقول إنه يجب أبدا ألا ترضي عن مستواك في
هذا الجانب الذي نناقشه وغيره.