رجال «البزنس» والقطاع الخاص يتحركون لفرض مصالحهم ومن يمثلهم
نجل الرئيس وأنصاره.. يحكمون مصر
عبد الستار حتيتة
يخطو جمال مبارك نجل رئيس الجمهورية، خطوات حثيثة نحو
كرسي الحكم في مصر، لكن المشكلة التي يراها عدد من أعضاء
مجلس الشعب، هي أن «جمال» يبدو واثقا من نفسه، وأحيانا
مستخفا بانتقادات الآخرين له، وهو يمضي إلي الأمام علي
درجات الصعود غير عابئ ب «نتائج التوريث المحتملة»!
مفكروا السلطة يعتمد جمال مبارك، في التقدم للإمساك بمقاليد السلطة
علي ثلاثة أجنحة .. الجناح الأول هو مجموعة رجال الأعمال
الذين يبحثون عن منافذ داخل الحكم لزيادة أرباحهم، أما
الجناح الثاني كما يقول أحد أعضاء المجلس الأعلي للسياسات
فهو المجلس القومي للمرأة الذي ترأسه السيدة سوزان مبارك،
ويضم في عضويته جانبا كبيرا ممن يطلق عليهم «مفكرو السلطة
ومنظروها والمروجون لها»!
ويضيف عضو المجلس الأعلي للسياسات والذي طلب عدم ذكر اسمه:
«.. تعتبر الأجهزة الأمنية مؤسسة الرئاسة بما لديها من
إمكانات مهولة وسلطات غير محدودة هي الجناح الثالث المهم
الذي يعتمد عليه جمال مبارك..» في الزحف نحو مقعد الرئيس،
ولم تتلق «الأهالي» أي رد من مكتب نجل رئيس الدولة في
الحزب الوطني للإجابة علي مثل هذه المعلومات.
ونفي الرئيس مبارك في عدة مناسبات سابقة وجود نية لتوريث
ابنه الحكم كما نفي جمال مبارك نفسه ذلك في حديثه لصحيفة
روزاليوسف لكن القرار الذي اتخذه الرئيس الأسبوع الماضي
بتصعيد جمال مبارك من منصبه المتفرد كأمين للسياسات إلي
منصب أكثر تفردا وهو الأمين المساعد للحزب الوطني وأمينا
للسياسات في ذات الوقت جعل نوابا في البرلمان يصفون ذلك
بأنه مؤشر علي أن كل الأمور سوف تؤدي إلي التوريث.
التقدم بالقانون النائب في مجلس الشعب محمد عبد العليم داود كان لديه
منذ وقت مبكر شعور مثل زملائه النواب بأن جمال مبارك سوف
يتولي منصبا مهما في الفترة القادمة، وقال عن التصعيد
الأخير لنجل الرئيس: «هذه خطوة ليتولي بعد ذلك منصب الأمين
العام للحزب الوطني، تمهيدا لترشيحه لرئاسة الجمهورية»
وينتمي داود لحزب الوفد، وقال إن ما يحدث داخل الحزب
الوطني هو شأن خاص به ولا نتدخل فيه لكن الرأي العام
المصري يرصد منذ عدة سنوات تقدم جمال مبارك نحو منصب رئيس
الجمهورية القادم.
ويمكن ل «جمال مبارك» أن يصل إلي منصب رئيس الجمهورية، وأن
يقال أن ذلك يحدث «بدون توريث» .. وهذا هو المخطط الذي بدأ
يتضح أمام أعين أعضاء مجلس الشعب في الفترة الأخيرة، أو
بالضبط بعد تعديل المادة 76 من الدستور وما لحقها من نتائج
في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، يشرح نائب من النواب
المستقلين لزميله في البهو الفرعوني «وهو الكافيتريا
الخاصة بمجلس الشعب» قائلا: إذا جرت انتخابات رئاسية في أي
وقت قادم فإن الحزب الوحيد الذي يملك النصاب القانوني
لتقديم مرشح للرئاسة هو الحزب الوطني، وأنه يمكن حينذاك أن
يرشح جمال نفسه لمنصب الرئيس.
مهما كانت طريقة التصعيد لنجل رئيس الجمهورية فإنها لا
تعدو كونها توريثا من داخل ثوب الحزب الوطني في رأي العديد
من أعضاء مجلس الشعب . خاصة أن شغل المناصب داخل أمانات
الحزب يتم بالتعيين وليس بالانتخاب، والنائب المستقل حسين
إبراهيم من النواب الذين يخشون من أن يكون التصعيد بداية
لعملية التوريث، بل يذهب نواب آخرون إلي القول إن
«التوريث» قد تم بالفعل لأن جمال مبارك أصبح هو الذي يدير
الجانب الأكبر من شئون الدولة خاصة في الفترة الأخيرة وأن
الخطوة التي يسعي إليها رجال جمال مبارك هي إضفاء
المشروعية «حتي لو كانت شكلية» علي تقلده منصب الرئيس خلفا
لوالده، في أقرب انتخابات رئاسية سواء أجريت في موعدها في
عام 2011 أو خلال العامين القادمين وهو الاحتمال الأرجح!
مساندة رجال الأعمال لكن من هم أولئك الرجال الغامضون الذين يدفعون بنجل
رئيس الجمهورية إلي الأمام .. إلي مقعد الرئاسة .. إن
القطاع الأول منهم ينتمي لرجال الأعمال وهؤلاء يقدرهم
البعض بحوالي 230 من الكبار الذين سيطروا في السنوات العشر
الأخيرة علي أسواق المال والأعمال سواء من خلال أموالهم
الخاصة، أو من خلال الشركات الأجنبية التي يديرون
توكيلاتها في مصر .. ومنها توكيلات سيارات وسجائر ومنتجات
غذائية وصناعية وغيرها .. بالإضافة إلي تملكهم لأسهم في
بعض فروع البنوك الأجنبية .. والشخصيات التي اقتربت من ابن
رئيس الدولة في أواخر التسعينيات تمكنت في العامين
الأخيرين من دخول مجلس الشعب والشوري، وتقلد مناصب تنفيذية
مهمة، بل أصبح عدد منهم وزراء في حكومة الدكتور أحمد نظيف!
ويبدو أن نجل رئيس الدولة قد اعتمد علي نوعية من رجال
الأعمال النهمين .. أو «الذين لا يشبعون» حسب وصف نائب في
مجلس الشعب، وصعد جمال مبارك في صحبة عدد من رجال الأعمال
عند إنشاء جمعية جيل المستقبل في عام 1998 وهي جمعية تتخذ
من الدعوة إلي اقتصاد السوق منهجا لها . ثم صعد «جمال» مع
ذات الصحبة عند استحداث أمانة السياسات في عام 2002 وهي
الأمانة التي وضعت في الأعوام الأخيرة غالبية مشروعات
القوانين التي أقرها مجلس الشعب، بما فيها قانون إعفاء
كبار رجال الأعمال الهاربين بمليارات البنوك إلي الخارج من
الأحكام التي صدرت ضدهم تحت زعم «التصالح» وفي عام 2006
صعد نجل رئيس الدولة ليتولي منصبا مهما هو منصب الأمين
المساعد مع احتفاظه بأمانة السياسات!
تبديد الثروات ومعظم رجال الأعمال وأصحاب التوكيلات والشركات الذين
يسبحون في فلك الحكم .. «أو يسبح في فلكهم» كما يعتقد
البعض تحولوا إلي مادة اتهام في العديد من مضابط مجلس
الشعب من أول الاتهام بتبديد ثروات الشعب «أي القطاع العام
وحصص الدولة في الشركات المشتركة وغيرها» إلي الاتهام
بالارتماء في أحضان العدو الصهيوني من خلال اتفاقات بيع
الغاز والكويز والكهرباء .. إلخ
ومن الشخصيات التي صعدت مع جمال مبارك منذ تأسيس جمعية جيل
المستقبل فأمانة السياسات هناك المهندس رشيد محمد رشيد
وزير الصناعة والتجارة، وأحمد المغربي وزير الإسكان،
والدكتور محمود محيي الدين وزير الاستثمار، ومحمد لطفي
منصور وزير النقل، الذي كان يحرص علي دعوة جمال مبارك
لاجتماعات غرفة التجارة الأمريكية حين كان رئيسا لها..
بالإضافة إلي أحمد عز الذي تطور به الأمر من مجرد عضو في
جمعية جيل المستقبل وأمانة السياسات إلي مسئول عن حملات
دعاية الحزب الوطني لانتخاب رئيس الجمهورية، والانتخابات
البرلمانية الأخيرة .. وتمكن «عز» من خلال رئاسته للجنة
الخطة والموازنة بمجلس الشعب طوال السنوات الخمس الأخيرة
من الترويج ل «فكر» مجموعة جمال مبارك سواء كان ذلك
بالدعوة إلي تقليص الدعم أو الدعوة لخصخصة الهيئات
الاقتصادية، أو غيرها مما تضمنته التقارير البرلمانية.
خطة مجاعة وتبدو عملية الإحلال والتجديد داخل الحزب الوطني وهي
تسير من خلال خطة محكمة، سواء علي مستوي الأمانة العامة
التي جرت الأسبوع الماضي أو علي مستوي أمانات المحافظات
خلال هذه الأيام كما يشير أحد نواب الحزب بمجلس الشعب حيث
يفسر طريقة الإحلال والتجديد بأنها تعتمد علي استبعاد عدد
محدود، وعلي فترات من الجيل القديم، ومن غير أنصار جمال
مبارك وإدخال عدد كبير من أنصار نجل الرئيس وخرج من عضوية
الأمانة العامة في التغيير الأخير نحو 8 أشخاص أشهرهم
السيد راشد رئيس اتحاد عمال مصر ومؤمنة كامل أمينة المرأة
وكان عدد أعضاء الأمانة العامة لا يزيد علي 25 عضوا، وزاد
في الأسبوع الماضي ليصل إلي 29 عضوا، منهم 15 من أعضاء
أمانة السياسات ومجلسها الأعلي وأبرزهم رشيد محمد رشيد
وزير الصناعة والتجارة والمستشار محمد الدكروري وسعيد
الألفي وغيرهم.
طموح غير مشروع إن الغالبية العظمي من أعضاء الأمانة العامة للحزب
الوطني أصبحت تتكون من أشخاص يحفظون عن ظهر قلب التقارير
التي أعدتها حفنة من رجال البزنس عن ضرورة التوسع في
الخصخصة، وطرح إدارة المشروعات الاستراتيجية للقطاع الخاص،
«ومفيش مانع قطاع خاص أجنبي» حسب تعبير لأحد نواب البرلمان
والذي يري أن جمال مبارك ومجموعة رجال الأعمال ومنظري
الاقتصاد الحر، لا يعرفون في الحقيقة المتطلبات الفعلية
لدولة كبيرة ومحورية مثل مصر ولا علاقة لهم بتطلعات شعبها
.. أو كما قال عضو مجلس الشعب طلعت السادات: «مادام جمال
مبارك بعيدا عن شعب مصر ولا يعرف مطالبه الضرورية فإن أي
تصعيد له داخل الحزب الوطني، هو أمر نهايته محتومة .. وهذه
النهاية هي الرفض الشعبي له» وأضاف السادات قائلا: «إن
تصعيد جمال مبارك هو طموح غير مشروع في السلطة، وعدم
المشروعية ترجع إلي عدم وجود تكافؤ للفرص بين جمال وباقي
شباب مصر».
وإذا كان قطاع رجال الأعمال المساند لجمال مبارك يملك
الأموال اللازمة للإنفاق ويحصل علي أضعافها من خلال تسلله
داخل السلطتين التشريعية والتنفيذية، فإن القطاع التنظيري
والإعلامي يسهم هو الآخر في تهيئة الرأي العام للقبول
بترقي جمال مبارك في المناصب، من أول أمانة السياسات حتي
الأمين المساعد للحزب الوطني وما سيأتي من مناصب في
المستقبل .. ولا يعتقد أحد ممن تحدثت إليهم «الأهالي» أن
ضم نحو 190 من الكوادر الإعلامية والثقافية والفكرية
والتنفيذية إلي هيئات مكاتب اللجان العشرة بالمجلس القومي
للمرأة أمر غير مقصود بل يري نواب في البرلمان يشغلون
مناصب في تلك اللجان أن التوجه العام هنا «أي في اللجان
التابعة للمجلس القومي للمرأة» هو ذات التوجه هناك «أي في
أمانة السياسات ومجموعة جمال مبارك» وربما لهذا السبب
استعان رجال نجل الرئيس بعناصر من المجلس القومي للمرأة
للاستحواذ علي العديد من المقاعد داخل السلطة التشريعية
وداخل السلطة التنفيذية .. ومن أبرز الوجوه التي انتجها
المجلس القومي للمرأة، وصعدت لمساندة جمال مبارك وزير
الإعلام أنس الفقي ووزير الاستثمار محمود محيي الدين وماجد
الشربيني العضو في الأمانة العامة الجديدة للحزب الوطني،
وغيرهم ممن تم تعيينهم في الأعوام الأخيرة أعضاء في مجلسي
الشعب والشوري والمجلس القومي لحقوق الإنسان وتحصل
اجتماعات جمال مبارك ومؤتمرات المجلس الأعلي للسياسات علي
نصيب وافر من التغطية الإعلامية .. لما ظهر واضحا إضافة
بعد رياضي في التسويق لشخصية نجل الرئيس من خلال تسليط
الأضواء علي زياراته لتدريبات المنتخب القومي ومتابعته
لمباريات الفريق المصري في مباريات الأمم الإفريقية
الحالية.
ويمثل المجلس القومي للمرأة رافداً مهما لجماعة جمال مبارك
خاصة في الفترة المقبلة .. حسب المعلومات المتوافرة.
القطاع الأهم لكن القطاع المهم الذي يستند إليه جمال مبارك في
الصعود إلي مقعد الحكم هو «الأجهزة الأمنية مؤسسة الرئاسة»
ذاتها إلي جانب هيمنة رجال «جمال» علي باقي الأجهزة
الأمنية المهمة في الدولة، وحسب روايات لنواب في مجلس
الشعب «لم يتم التأكد من صحتها» فإن جمال مبارك اعتاد في
العامين الأخيرين بالذات التشاور في القضايا الأمنية
الداخلية والإقليمية مع شخصيات كبيرة وأن «المشكلة هي أن
وجهة نظر جمال مبارك في بعض الأمور يتم التعامل معها
باعتبارها أوامر واجبة التنفيذ .. وهذا سبب لنا حرجا مع
الرئيس "مبارك" أكثر من مرة» وفقا لما ذكره عضو بارز في
أمانة السياسات في مناقشة أجرتها معه "الأهالي" في أروقة
مجلس الشعب وطلب عدم ذكر اسمه، لكن نواباً من المستقلين في
البرلمان يذهبون إلي أبعد من ذلك قائلين إن قيادات أمنية
وسيادية «تتلقي بالفعل أوامر من جمال مبارك، ومنهم حبيب
العادلي وزير الداخلية وهذا سر بقاء الوزير في منصبه حتي
الآن علي الرغم من الإخفاقات الأمنية المتكررة في الفترة
الأخيرة.
ويعمل رجال جمال مبارك وكأنهم يريدون تحقيق كل المكاسب في
مدة وجيزة والتفوا علي طلب رئيس الدولة استطلاع نواب الشعب
في تعديل الدستور .. ويوجد أكثر من 50% من أعضاء أمانة
مكتب مجلس الشعب يدينون بالولاء لنجل الرئيس وهم الذين
سيحددون مصير التعديلات الدستورية المطلوبة، ومن خلال
وثيقة استطلاع الرأي التي حصلت عليها "الأهالي" ونشرت
تفاصيلها الأسبوع الماضي، فإن التوجه القادم لتعديل مواد
الدستور لن يخرج عن "مقاس" جمال مبارك كرئيس للدولة محتمل
مستقبلاً، و"مقاس" أنصاره الذين يريدون دستورا جديدا ل
«البزنس» والقطاع الخاص.