ما «صنف» هذا الموت الذي يتربص بالصعايدة أينما حلوا
وترحلوا بحثا عن لقمة طرية وهربا من عيشة القديد؟
غرقا أو حرقاً، برا أو بحرا لا يموت الصعايدة الأشداء إلا
في كوارث من نفس العينة الشديدة0 تتفحم الجثث أو تذيبها
أسماك القرش في جوفها، بينما يواصل المسئولون التحقيق في
ملابسات الحادث0 حين يصغر مقاس الكارثة بما لا يليق
بالصعايدة، يتم تعويض الحجم بعمق سوداوي مناسب، كأن يقتل
«مجنون» عشرة منهم ويبقر بطونهم ويجتث أعضاءهم يحرم
الصعايدة، حتي من موت بطعم الترف، كأن تسقط بهم طائرة
أثناء عودة من دولة أوربية0 ذكر مواطن من كفر بهنسا (بني
مزار) أن شقيقه ناجي - مدرس رياضيات بالدمام- كان سيعود
الثلاثاء الماضي علي طائرة مصر للطيران، لكنه أعاد
التذكرة، ليستقل الباخرة، حتي يتمكن من حمل القفف والحقائب
التي اعطاه إياه زملاء الغربة والمرار، ليوصلها إلي ذويهم0
أجهزة الإحصاء التي ذكرت عدد السيارات والناقلات التي كانت
علي ظهر السفينة، لن تحصي أبداً كم برويطة0 (عربة حديدية
يد بعجلة واحدة وقاعدتي ارتكاز خلفيتين) جلبها الركاب معهم
لتعين أهاليهم علي الشقاء والعتالة هنا0 أكاد أقول ما من
مسافر علي هذا الخط أو أي خط من السعودية إلي سفاجا، إلا
وعاد بصحبته برويطة وكف فأس (لأن الحديد أصلي؟!)وعدة
بطاطين - ماركة 3 تفاحات- ويكاد من يري العائدين بالبطاطين
يظن أن أهلها يعيشون في سيبريا0 يبحث الصعايدة عن نعومة
الوبر (ضد خشونة الحياة) وعن لون ورسومات مبهجة، في واقع
كالح كئيب0 إن البطاطين إلي الصعيدي في ليلة الخميس أو
الاثنين،كالجاتوه، الذي تغوص فيه الأسنان، لأكله العيش
الشمس الملبد، كم سيدة كانت تنتظر مجهزة ذكر البط وعدة
الشاي والفرشة الطرية التي سحبتها من صندوق خشبي عتيق،
انتظارا لأحضان تطقطق العظام ، ولا تجود بها الحياة، إلا
كل عامين أو ثلاثة، ينسي الصعيدي طبيعته البيولوجية وتخمد
طاقته الجنسية والروحية، في مزارع العمل العبودي بالغربة،
كل ذلك من أجل أن يعود ليرفع عامودين أو يصب سقفا، أو يرفع
دشا فوق سطح البيت، راية انتصار، ولو فقيرة، وعلي زمن
القهر والغياب عن العالم0 يتحمل الصعيدي غلب الدنيا
والاخرة، من أجل 700 - 800 ريال، ويعيش عيشة الأراذل، طمعا
في مستودع راحة أخير، يعلي فيه بنيان عمارة في شارع فيصل
أو في ضواحي الإسكندرية، يجلس ويمدد قدميه علي دكة أمامها
في العصاري، حافيا، ليدخن ذات المعسل، ويذهب به الحلم
أحيانا حد انتظار علاقة حرام- وهو المتدين الخجول- بثرية
تطفي شهوته إلي الخروج من الفقر والإذلال0 كم مرة سنشاهد
هؤلاء الرجال، حملة الزقليات (العصي) المتلفحين بالشيلان
الصوف حزاني في انتظار الجثث ويمسحون نصف دمعة انسابت إلي
فتحة الأنف بأكمامهم؟
تعلن الجهات الرسمية الأسماء، فهل لها أن تعلن الأعمار
ليعرف الناس لماذا يخرج شباب في عمر ال 25 -30 سنة، عبر كل
هذه الموجات ليعملوا في «الفاعل» بينما حكومات بلدهم تتحدث
عن خطط مهولة للتنمية والتشغيل والصادرات وأسواق المال؟ ما
هذه الخطفة لتلك الأعمار، وما حدود خدع الرحيل المباغت
الصاعق تلك؟
وهل ينجو الصعايدة من المعاش المبكر، ليذهبوا باقدامهم
المشققة إلي وديان الموت المبكر؟ كم منهم كان يختبر شرائط
الحذيفي ويس وآمين الدشناوي في الكاسيت الجديد علي سطح
المركب حين شب الحريق؟0 لماذا عزت معجزات فلق البحر، في
هذا الزمن، يحفظ العائدون علي متن مثل هذه المراكب كل
التفاصيل: لون قطعة الموكيت التي أمام الحمام- رائحة صابون
التواليت - خرخشة ماء الطارد (الكومبنيشن)-مفتاح جدع
الكرسي- طعم شاي الوجبة ويحتفظون جميعهم بالمنديل المعطر
ليدهشوا به ابناء البيئة الطاردة المتعفنة00 ابناءهم0 من
الذي يروي الآن تفاصيل الراحلين في الظلام ودياجير البحر
من أبناء الشمس والجبل هؤلاء؟ نقل فارس خضر عن معددين
قولهم : راحوا رجال يطمنوا الخايف، وبقيوا رجال زي الهالوك
(نبات طفيلي متسلق) هايف، فهل مازال في حنجرة المعددة متسع
لاستيعاب الوافدين الجدد؟
أبحث عن الروابط غير المنظورة بين ضحايا البيجوهات
الاتوبيسات والميكروباصات (في ترعة الإبراهيمية) والجرارات
التي تنقلب باطفال قطف الياسمين والسفاين والقطورة
(القطارات) ابحث وقل هل مازال هناك ما يضحك في النكتة التي
تقول : أن صعيديا سار في الصحراء فسقطت عليه بلكونة0 كأنما
كان الصعيد يبحث عن عدل ما حين استضاف مجموعة من خيرة
مثقفي ومسرحيي بحري، ليعيشوا تجربة الموت حرقا خلف أبواب
مغلقة في بني سويف0 ليس لدي الصعايدة الآن اوزوريس لتبحث
عن الجثث التي جرفها التيار إلي شواطئ الغربة والتيه،
وتجمع اشلاءها، كان الحالمون منا منذ عقدين يسمون البحر
الأحمر «بحيرة عربية» وبالغ المتطرفون منهم، فقالوا إنه
لمصر، كبحيرة قارون فما كل هذا الإهمال في أمن وتأمين فناء
الدار ونافورة هويتنا العربية (البحر)0
كتب علي هذا البلد ألا تدوم له فرحة إن وجدت، وأن تتوالد
أحزانه من زواجها المشئوم بالفساد والبيروقراطية والبلادة
والتخلف والعقم0 حين ارتفعت أعلام مصر، في مدرجات الاستاد
وفي شوارع مدينة نصر والمهندسين، بعد مباراة الكونغو، سقط
ذراعي بجانبي دون أن أدري، وأنا أحاول أن ارفعه لأشارك
العلم وألوح لبهجة أخيرة0 الصعايدة المشدودون إلي مارد
الجبل والضود الشارد وأنوار عبد الناصر والطهطاوي وطه حسين
لماذا ينساقون وراء نداهة الموت هكذا في العماء؟ ......يا
غلبي!