ما يجري في أروقة حزب «الوفد الجديد» من انقسام بين الرئيس
«القانوني» الأستاذ الدكتور نعمان جمعة والتيار الذي سمي
نفسه ب «الإصلاحي»، والذي يبدو فيه غلبة المجموعة الثانية،
في حاجة إلي محاولة للتشخيص التاريخي، خاصة أن أغلب رصيد
الحزب، منذ أن عاد للحياة بعد حكم قضائي شهير، قد استمده
من ماضيه بين الثورتين 1919 و1952، مما بدا في أنه قد
احتفظ بذات الاسم، وإن كان قد أضاف إليه «الجديد» وفقا
لأحكام القانون، وليس تعبيرا عن نوايا حقيقية أن يكون
الاسم علي مسمي، وهو ما تفهمه جمهور المصريين المعنيين
بالشأن السياسي، وقبلوه، بل ورحبوا به وقتئذ، خاصة وقد كان
منهم بقايا الجيل الذي عاش فترة الشعبية الجارفة للحزب
العريق، وكان لايزال يحتفظ في ذاكرته الجمعية بكثير من
أمجاد الوفد «القديم»!!.
بعودة الحزب الكبير تصور كثيرون أن التاريخ في طريقه إلي
أن «يعيد» نفسه، وهي مقولة يرددها عديد من هواة الكتابة
التاريخية أو ممن ليست لهم صلة بهذه الكتابة، فالعبارة
تقفز إلي أذهانهم بمجرد أن يعاينوا واقعة يكون لها شبيه في
ذاكرتهم الجمعية، بغض النظر عن الظروف التي تكون قد جرت
فيها تلك الواقعة، هذا علي الرغم من أن الحقيقة العلمية
تنفي تلك المقولة، فالتاريخ «لا يكرر نفسه».
يقول دارسو علم الأجناس إن الفارق الأساسي بين الإنسان
وسائر المخلوقات أن له ذاكرة تعي تجربته الطويلة، بمعني
آخر أن له «تاريخا» ممتدا، ويزيدونها تفسيرا بأنه يحتفظ
بوعاء التجربة البشرية، مما صنع تمايزه.. فهو لا «يكرر»
خطأ وقع فيه، وإذا حدث وكرره مرة أو عدة مرات فهو لا يلبث
أن يقلع عنه علي عكس سائر المخلوقات التي تحركها غرائزها
لا عقولها، وتعيد أخطاءها منذ بدء الخليقة، ثم إنه يستثمر
كل تجربة بناءة خاضها مما مكنه من صناعة التقدم عن تلك
المخلوقات، الأكثر من ذلك أن البعض اتخذ مقياسا لتقدم
الشعوب المرحة بعدم وقوعها في هذا الخطأ.. التكرار الذي لا
يعلم أحدا!.
نعود إلي المستبشرين برجوع الوفد إلي الحياة السياسية عام
1977 بعد الانخراط في التجربة الحزبية الجديدة، وإن بدت
منقوصة، وقد ظهر هذا الاستبشار في مجموعة من الحقائق:
1- الانضمام بأعداد كبيرة إلي عضوية الحزب العائد، ولعل
ازدحام قاعة نقابة المحامين بالبشر يوم خطبة الأستاذ فؤاد
سراج الدين التي أعلن فيها عودة الحزب تشي بجانب من هذا
الإقبال، وقد راود الكثيرين وقتئذ الأمل بأن تؤدي هذه
العودة إلي إحياء لون من الديمقراطية التي تقوم علي حزبين
كبيرين يتداولان فيما بينهما السلطة، الوطني الديمقراطي
والوفد، علي نسق الديمقراطية الأنجلو - سكسونية التي تقوم
علي تداول السلطة بين حزبين كبيرين.
2- قوي من هذا الأمل أن هؤلاء قد عزوا العداء بين الحزب
التاريخي القديم وبين ثورة يوليو إلي أسباب شخصية.. عزوه
إلي شخص عبدالناصر الذي تملكته الرغبة في الاستئثار
بالسلطة، مما تجسد في الضربات الموجعة التي أنزلها بزعامة
الحزب العريق سواء بسجن زعاماته أو بمصادرة أراضي كبار
الملاك منهم، علي رأسهم فؤاد سراج الدين نفسه، وأن هذه
الأسباب قد أخذت في التآكل بعد اتباع الرئيس السادات سياسة
الانفتاح الاقتصادي، وهي السياسة التي قبلها رجال الأحزاب
القديمة، علي رأسهم الوفد، مما أدي إلي عودة الطيور
المهاجرة من منافيهم الاختيارية.
3- تأكد هذا التصور في الانتخابات التي جرت بعد عودة الحزب
إلي الحياة، خاصة في عهد الرئيس مبارك حين نجح في تكوين
أكبر كتلة برلمانية في مواجهة حزب الحكومة، الوطني
الديمقراطي، وعلي الرغم من كل تلك المظاهر التي أوحت بصحة
القول بأن «التاريخ يعيد نفسه»، فإنه لم يمض وقت طويل إلا
وثبت بطلان هذا القول!!.
بدت أول مظاهر الاختلاف طبيعة زعامة الحزب العائد التي لم
يكن يجسدها يقينا فؤاد باشا، فقد كان الوفد يمثل طول تاريخ
أقرب إلي «الجبهة الوطنية» التي تعمل علي تحقيق أماني
الأمة، وإن كان قد تولي توجيهه بالأساس عدد من أبناء
الطبقة الوسطي، خاصة من شريحة المحامين، هذا فضلا عن قطاع
عريض من متوسطي وكبار ملاك الأراضي الزراعية، وقد انتمي
رؤساؤه الثلاثة السابقون علي فؤاد سراج الدين إلي المجموعة
الأولي، سعد زغلول الذي تدرج من مقعد المحامي الأهلي إلي
الوزارة ومنها إلي وكالة الجمعية التشريعية وأخيرا زعامة
الأمة، وهو نفس ما جري لمصطفي النحاس باشا، ويمكن أن نضم
إليهما كلا من مكرم عبيد ومحمود فهمي النقراشي والدكتور
أحمد ماهر.
ما حدث في منتصف الأربعينيات أن تولي أحد أبناء كبار
الملاك منصب «السكرتير العام» بالحزب الذي اصطلح علي
تسميته وقتئذ ب «حزب الأغلبية» مما يمكن القول معه، خاصة
بعد أن كان النحاس باشا، قد تخلي عن أغلب صلاحياته، بحكم
السن، إلي الشاب الصاعد فؤاد سراج الدين، وبدا أن الوفد قد
وقع منذئذ في حجر هذه الطبقة، وهي طبقة اختلفت كثيرا في
أدائها السياسي عن أبناء الطبقة الوسطي، فبينما حكمت هذه
الأخيرة المباديء الوطنية تأثرت الرئاسة الجديدة بمفهومها
بأن «الغاية تبرر الوسيلة»، وأن طريقها إلي ذلك يمر عبر
الصفقات وليس النضال.
وإذا كان هناك الكثير مما يؤكد هذه الرؤية فإننا نختار
منها علي الأقل موقفين للباشا سراج الدين، الموقف الأول:
وكان قبل ثورة يوليو، وقد بدا في الصفقة التي عقدها الرجل
مع القصر ليسمح بعودة الوفد إلي الوزارة، وعلي حد رواية
حسن باشا يوسف وكيل الديوان الملكي وقتئذ لكاتب هذه
السطور، أن سراج الدين قد ذهب إليه أواخر 1949 وقال له
بالحرف الواحد «إحنا تعبنا يا باشا»، والسبب أنهم قد خرجوا
من الحكم في أكتوبر عام 1944 وبقوا بعيدا عن السلطة لما
يزيد علي خمس سنوات.. المهم اتفق الطرفان علي العودة، ولكن
بعد تقليم أظافر الحزب الوطني الكبير.
الموقف الثاني حدث في عهد «الوفد الجديد» عندما تحالف في
أول انتخابات خاضها مع «الإخوان المسلمين» وكون معهم جبهة
داخل مجلس الشعب، الأمر الذي اختلف فيه مع تاريخه الطويل،
مما كان محل انتقادات شديدة، من الأقباط وحدهم الذين نظروا
دائما للوفد باعتباره حزب الوحدة الوطنية صاحب شعار «الدين
لله والوطن للجميع»، ومن المثقفين الذين اعتبروه دائما
الحزب الكبير ذا الاتجاهات العلمانية، وقد حاول فؤاد باشا
تبرير هذا الموقف بحجج غير مقنعة.
من جانب آخر فقد عاد رئيس الحزب الجديد بقناعات قديمة،
منها ما تصوره أن هناك عائلات بعينها بل ومدنا بذاتها تدين
بالولاء للوفد، ولم يكن يتصور أن ربع القرن الذي مضي بين
حل الحزب الكبير وعودته قد غيرت كثيرا من الخريطة
الاجتماعية للمصريين، والأهم من ذلك أنها قد غيرت أكثر من
قناعات أغلبهم.
لعل ذلك يفسر ما لاحظه بعض المراقبين من انعكاس الآية علي
عهد فؤاد باشا نفسه، فالبداية القوية أخذت في التآكل ولم
يعد وفد عام 1977 بعد عودته هو نفس الوفد يوم رحيله.
وبالتالي لا يمكن القول إن الرئيس الجديد، الدكتور نعمان
جمعة أستاذ القانون الكبير، قد ورث زعامة نفس الحزب الذي
عاد إلي الحياة، ولم يكن وراء الرجل من التاريخ في الحركة
الوطنية ما كان وراء زعماء الوفد الأوائل بمن فيهم سراج
الدين باشا نفسه، فالظروف التي صنعت مكانة هؤلاء لم يعد
لها وجود.
كان علي أستاذ القانون أن يعتمد علي قواعد ضعيفة بالقياس
لسابقيه.. منها تلك العلاقة الناجمة عن ملازمته للباشا في
أخريات حياته، ومنها قبول الآخرين له خوفا من تشرذم الحزب،
ومنها بالطبع مكانته العلمية، هذا فضلا عن عدم وجود
الشخصية التي تتطلع إلي احتلال المقعد الذي شغر برحيل سراج
الدين، خاصة بعد الوفاة المبكرة للدكتور عبدالحميد حشيش.
في السنوات التالية أخذت الظروف التي أتاحت الفرصة لجمعة
احتلال المقعد الذي تعاقب عليه سعد زغلول ومصطفي النحاس
وفؤاد سراج الدين في التآكل، فالوهج الذي ظل يحيط بالزعماء
الكبار الذين سبقوه، أو من يصطلح البعض بتوصيفه الكاريزما،
لم يتوافر له بحكم اختلاف الظروف، فالنضال ضد الإنجليز قد
انتهي برحيلهم، ومقاومة عبدالناصر قد توقفت برحيله
وبالتخلي عن أغلب سياساته، ولم يعد هناك من يناضل من أجله
الرئيس الجديد ويصنع جاذبيته الشعبية، حتي إنه كثيرا ما
كان يصطنع مثل هذه السياسات بانتهاز أي مناسبة خاصة
بعبدالناصر، لتقيم الصحيفة الناطقة باسم الحزب «جنازة
سنوية» تشبع فيها لطما، وهي الجنازات التي لا تصنع
زعامة!!.
في تلك السنوات أيضا بدأت تظهر شخصيات جديدة خاصة من أبناء
الأسر القديمة تناطح الرئيس في مكانته، وكان هؤلاء ممن
نجحوا في دخول مجلس الشعب، واتخذوا من المواقف ما لم
يستطعه الدكتور نعمان من خارجه، من أبرزهم الأستاذ منير
فخري عبدالنور وهو واحد من أبرز الذين قادوا «حركة
الإصلاح»، وقد نجح هؤلاء في اكتساب مكانة في الشارع
المصري، وعند الوفديين بالطبع.
وكانت انتخابات الرئاسة «ثالثة الأثافي»، فقد تراجع
الدكتور نعمان جمعة عن الاتفاق الذي كان قد توصل إليه مع
سائر الأحزاب الحقيقية، التجمع والناصري، وقرر خوض المعركة
ضد الرئيس مبارك.