أين نحن من الأرصفة التي تحدث عنها المطرب محمد عبدالمطلب
في أغنية «ساكن في حي السيدة»؟!.
في فترات متقاربة.. تنشق الأرض.. في الشوارع الراقية..
وتظهر عربات عملاقة.. يهبط منها عدد هائل من الفلاحين
الذين هجروا الزراعة.. وفي يد كل واحد «مرزبة» من الحديد
المصفح.. وقد يبست منهم الجلود علي العظام.. ويحسبهم
الجهلاء أمواتا!.
ينتشر «نصف الأموات» فوق الأرصفة.. و«هات يا دق»!.
يبدأ الدق.. والتكسير.. وتتصاعد أكوام البلاط القديم.. فوق
أكوام الرمال التي تحمل رائحة القبور.. ويرتبك المرور..
ويضيق الكل بالكل.
طبقة «سلاح» المشاة تتحرك في عرض الشارع.. وتختنق المنطقة
ويستمر هذا الحال عدة أسابيع.. وربما لشهور!!.
وكما أن لكل بداية نهاية.. ينتهي مولد التبليط.. ليكتشف
«المشاة» أن البلاط هو نفس البلاط!.
بلاطة هشة.. استبدلت ببلاطة هشة.. لا تمت بأدني صلة
للبلاطة التي ابتكرها المهندس المصري البارز إبراهيم
عبدالحفيظ.. وهي البلاطة التي تعيش العمر كله.. لأنها
مصنوعة من الجرانيت!!.
ولكن المقاولات أرزاق.. وسبحان مقسم الأرزاق!.
ويتساءل الناس عن سر تكسير الأرصفة.. فلا يلقون إلا الآذان
الصماء.. وتنتشر بين البسطاء منهم الشائعات التي تؤكد أن
الحكومة تبحث عن كنز تحت الأرصفة!.
العفاريت قالت للحكومة إن كنزا من الذهب تحت الأرصفة..
فذهبت أنصاف الموتي تبحث عن الكنز.. ولكل شيء من الأشياء
ميقات.
وظلت الحكومة.. المحورية.. الرائدة علي جميع الأصعدة..
وأزهي العصور.. تبحث عن الكنز.. المدفون تحت أرصفة..
جمهورية مصر العربية لمدة 25 سنة كاملة!.
وكل سنة تتغير أشكال الأرصفة.. من حيث الطول والعرض
والارتفاع.. والحكومة لا تكف عن البحث عن الكنز!.
وكل سنة.. يستمر الحفر والتنقيب.. ولا نعرف ما إذا كانت
الحكومة قد عثرت علي الكنز.. ولكن الذي نعرفه أن الأرصفة
اختفت.
لم يعد في البلد أرصفة!.
كل محافظ يأتي ومعه خطة بشأن الأرصفة.. إلي أن فقدت
الأرصفة.. جلالها واحترامها.. ووجودها.
ولم تعد الطبقة السياسية.. تستخدم الأرصفة.
هي تستخدم السيارات المسدلة الستائر.. باعتبارها من «حريم»
الحكومة!.
سيارات «حريمي» مسدلة الستار.. تتحرك في مواكب.. مدججة
بالأسلحة الرشاشة.. بما يعيد للأذهان أيام هدي شعراوي..
والحرملك!.
كل سيارة مسدلة الستائر.. بداخلها مسئول.. أنيق.. تتدلي
المناديل العطرة بالروائح الفرنسية من جيب جاكتته..
وانقطعت علاقاته بالرصيف.. من زمان.
ولم يعد للأرصفة.. من نصير.. ولا معين.
باتت «ملطشة»!.
وبمرور الأيام اختفت الأرصفة.. ولم يبق منها سوي مرتفعات..
يستطيع المواطن أن يلقي بنفسه من فوقها.. ليس من أجل
الانتحار.. وإنما لزيارة أهله.. وفقا لتصريح الدكتور حاتم
الجبلي.. الذي أكد أن المواطن الذي قفز من شباك مستشفي
النيل.. فعل ذلك لقضاء عيد الأضحي مع أهله.. وليس
للانتحار!.
المواطن يستطيع الانتحار بالقفز من فوق الرصيف.
المهم..
أن هذه المرتفعات التي كانت أرصفة.. هي وسيلة الانتقال
للغالبية العظمي من ضحايا الحزب السرمدي.
هي وسيلة انتقال المواطن البائس وأهله وعياله.. ممن لا
يملكون أجرة تذاكر سيارات «الشرشورة» التي تسقط بهم من فوق
الكباري العلوية!.
هم ملايين المصريين الذين ينسحبون من عششهم عند الفجر من
المرج ومنشية ناصر.. وساقية مكي.. ويتجهون سيرا علي
الأقدام.. نحو أعمالهم.. ومدارسهم.. ومصادر رزقهم.. علي
بعد عشرات الكيلومترات.. سيرا علي الأقدام في بحور
الشوارع.. التي تمرق بها سيارات المواكب.. وعربات الحراسة
المدججة بالمدافع الرشاشة.. لتخويف الملايين العابرة فوق
المرتفعات التي كانت أرصفة.
ملايين المصريين يقطع الواحد منهم عشرات الكيلومترات
يوميا.. علي قدميه للوصول إلي مكان رزقه.
ملايين تتحرك فوق المرتفعات.. لا يشعر بها أحد.
هم «المشاة» في نظام سياسي.. لا يشغله إلا قطع آلاف
الأميال جوا.. كي يأخذ زعماء العالم بالأحضان والقبلات.
أين ذهبت الأرصفة؟!.
من المسئول عن تحويل الأرصفة.. إلي معارض للسيارات.. ومقاه
لتقديم الشيشة.. ومراكز لتجارة المخدرات.. ومقابر لخردة
المقطورات؟!.
من المسئول عن تقديم التراخيص لإقامة المطاعم فوق
الأرصفة؟!.
ونحن هنا لا نتحدث عن البائع الجائل الذي تطارده شرطة
المرافق.. وتصادر بضاعته.. وتخرب بيته.. وتدفعه لاحتراف
الجريمة.
نحن نتحدث عن الإشغالات الثابتة التي سمحت السلطات الرسمية
بها.. مقابل رشاوي.
نتحدث عن عقارات كبار أعضاء الطبقة السياسية التي ابتلعت
الأرصفة.. بعد ضمها بسلطة البلطجة لممتلكات هذه الطبقة.
عشرات الألوف من الفيلات والقصور والعمارات.. لم تعد
أمامها أرصفة.
انضمت الأرصفة.. إلي مساحة الفيلات والشاليهات.. ومتاجر
كبار المسئولين.
نتحدث عن معارض السيارات.. التي تعوق حركة الأطفال فوق
المرتفعات التي كانت أرصفة.. ويمتلكها حفنة من البلطجية.
نحن نتحدث عن المخالفات المستمرة التي تتحدي طبقة
«المشاة».
نتحدث عن الإشغالات الدائمة.. المستفزة.
ومنذ أيام استضاف برنامج «سؤال» الذي تقدمه الإعلامية
اللامعة الدكتورة درية شرف الدين.. اللواء عادل عامر..
مدير إدارة شرطة المرافق.. أي الرجل المسئول عن مطاردة «أم
حنان» التي تجلس خلف مشنتها تبيع الفجل والجرجير علي
الرصيف المواجه لمستشفي هليوبوليس.
بين الفينة والأخري يري المارة «أم حنان» وهي تلطم خديها..
لأن اللواء عادل عامر.. صادر ميزانها.. الذي أوصي به
القرآن الكريم في سورة الرحمن.
أو صادر بضاعتها.. وخرب بيتها.
وقال اللواء عادل عامر إن لدي محافظة القاهرة وحدها أعدادا
هائلة من المخازن الشاسعة.. تضم البضائع التي صادرها رجاله
بما يرضي الله ورسوله.. وفقا للقانون.. وتطهيرا للأرصفة.
كل ذلك لا يهم.
المهم.. أن الدكتورة درية شرف الدين.. سألت اللواء عادل
عامر عن الإشغالات الثابتة فقال.. إن هذه القضية.. ليست
قضية أمنية.. وهذا صحيح.
هي قضية فساد.. لأن الذين يرتكبون المخالفات الثابتة التي
تعرقل حركة طبقة «المشاة».. ليسوا من محدودي الدخل.. ولا
من صغار الموظفين.. ولكنهم من الفئة التي تمتلك النفوذ
والقدرة علي خرق القوانين.. بقوة.. وجسارة.
الفئة التي تستطيع أن تخرج لسانها للحكومة.. وعلي رأي
المثل:
«اللي له ضهر.. ماينضربش علي بطنه»!.
وفي نفس البرنامج.. برنامج «سؤال» الذي تقدمه الدكتورة
درية شرف الدين.. باقتدار وحرفية.. وتواضع.. جلس محافظ
القاهرة.. مبتسما.. ومرددا نفس الاسطوانة التي يعزف عليها
كبار المسئولين الذين يختارهم الحزب السرمدي للالتفاف حول
مشاكل الناس.
عندما قالت الدكتورة درية: إن الأرصفة في مصر تتعرض
للسرقة.. قاطعها السيد المحافظ عبدالعظيم وزير وقال إنها
لا تتعرض للسرقة.. وإنما تتعرض للاغتصاب (!!).
وعندما قالت إن الأرصفة.. مرتفعة.. قال إنه أصدر لأول مرة
في تاريخ المحافظة «كراسة» بها مواصفات كل رصيف.. من حيث
ارتفاعه وطوله وعرضه.. وهي المواصفات التي أعدها من أسماهم
«أهل الذكر»!.
وقال إن هذه «الكراسة» هي التي ستحكم عمل المحافظة في
المرحلة القادمة.. وهي التي ستحكم قواعد «السير» في تخطيط
الأرصفة.
وأن تعليمات «الكراسة» ستسري علي الأرصفة في المستقبل.. أي
بعد أن ينتقل سيادته لمحافظة أخري.. ويعد لها كراسة
جديدة.. تحكم السير في تخطيط الأرصفة. أما الأرصفة الحالية
فقال إن مصر.. ليست من الثراء الفاحش الذي يمكنها من إعادة
رصف جميع الأرصفة.. وهو قول لا يتسم بالدقة.. لأنه يجري
تبليط أرصفة بعض الشوارع في مواعيد متقاربة.. لأن بلاطها
يصنع من مادة.. تدخل في صناعة البسكويت.
أي أن السيد المحافظ.. الذي نكن له كل التقدير.. للنجاح
الذي حققه في دمياط.. استخدم نفس أساليب الدكتور عاطف
عبيد.. عندما كان يتحدث عن تحويل مقالب القمامة إلي حدائق
دولية.. وزراعة مليون فدان من الغابات في الإسماعيلية بعد
تحويل مياه الصرف الصحي إليها.. إلخ.
المشكلة يا سيادة المحافظ.. أكبر من سيادتك.. وأكبر من
المحافظة.. لأنها تتعلق باحترام آدمية المصريين.
فالنظام السياسي الذي يسيطر علي مقادير هذه الأمة منذ 25
سنة.. لم يعترف بما يسمي في العالم كله «مناطق سكنية».
والمناطق السكنية في الدول التي تحترم آدمية شعوبها.. هي
المناطق المخصصة للسكن.. لدور الحضانة.. والمدارس
الابتدائية، ولا يسمح فيها علي الإطلاق بافتتاح محلات
البقالة والسباكة ومكاتب السياحة والتصدير.. ومتاجر
الجزارة والطيور.. والأسماك إلخ.
هي مناطق سكنية مسجلة علي الخرائط ومعروفة للجميع.. ولا
يسمح فيها بالترخيص لمعارض السيارات ومتاجر الفيديو كليب
وغيرها.
هي المناطق التي تنعم بالهدوء.. ليلا ونهارا.. لأنها أماكن
إقامة الشعب العامل.. والتلاميذ الذين يرفعون رءوس الدولة
في المستقبل.. والمبدعين.. والعشاق.. والمسنين.. والشعراء.
هي المناطق التي تخرج منها أصوات الناخبين.. وتشكل الرأي
العام.. وهي التي تختار الحكومة.. والمحافظ.. والعمدة.
المناطق السكنية في الدول الديمقراطية.. تنعم بالأرصفة
التي يقطعها الأطفال في طريقهم لدور الحضانة.. والأمهات
اللاتي يدفعن عربات الأطفال بنعومة فوق أرصفة ملساء.
وهذه المناطق السكنية الهادئة.. لا تفرز الإرهابيين.. ولا
المتطرفين.. ولا يعيش فيها أبناء مدرسة الشيخ زكي سند.. أو
المهندس أحمد الليثي.. ومن علي شاكلتهما.. ممن يثيرون
الأحقاد بين الناس.
في المنطقة السكنية تتفتح عيون الطفل الألماني.. «علي سبيل
المثال».. علي الهدوء المطلق.. وعلي التفكير.. والقراءة..
وعلي الزهور التي تطل من شبابيك كل البيوت.. علي الجمال..
والهدوء.. والولاء للوطن.
فالقضية هنا.. ليست قضية سيادة المحافظ.. و«الكراسة» التي
ابتدعها.. إنما هي قضية نظام سياسي.. يحترم الناس..
ويتعامل معهم كآدميين.. وليس كلاجئين.. وصلوا حديثا من
دارفور.
القضية كبيرة.. ونلاحظ.. مثلا أن البارون امبان عندما خطط
لبناء مصر الجديدة منذ 150 سنة.. اعترف بحق المصريين في
الأحياء السكنية.. كما اعترف بحقهم في إقامة مناطق
تجارية.. قريبة.. ومتاخمة للمناطق السكنية!.
وفي البداية كان التخطيط!.
كانت الفكرة!.
كان احترام آدمية البشر!.
منذ 25 سنة حدث العكس.. ونلاحظ أن غياب التخطيط العمراني
أدي لقيام المئات من الأحياء العشوائية التي لم تدخلها
الكهرباء ولا الصرف الصحي ولا المياه النقية طوال هذه
الحقبة.
ونلاحظ أن جميع المدن الجديدة التي أقيمت خلال ربع القرن
الماضي كانت خالية من أي تخطيط.. يسمح بإقامة الأحياء
السكنية أو حتي المواصلات منها وإليها.
وعكف الحزب السرمدي علي إقامة الأجواء التي تفرز الإهاب
والإرهابيين.
تفرز التطرف والمتطرفين.
واختفت المناطق السكنية من الخريطة المصرية تماما.. كما
اختفت معها الأرصفة.
واختفي معهما الحب العام.. الذي كنا نراه في الحدائق داخل
المناطق السكنية.. بين الأمهات والأبناء.
لم نعد نري الأصابع المتشابكة.. التي يتحرك أصحابها فوق
الأرصفة.. المتسعة.. النظيفة الخالية من المطبات و«الحفر»
وأسلاك الكهرباء التي تقتل الحب في المهد.
ولذلك نقول إن البرنامج الذي قدمته نجمة نادي السينما
الدكتورة درية شرف الدين نجح في نقل صورة واقعية للأحوال
المتردية التي بلغتها الأرصفة.. في مصر.
وهي حالة لا تسمح لمصر أن تكون جاذبة للسياحة.. ولا مؤهلة
لاستضافة المونديال.. ولا حتي أن تكون عاصمة المؤتمرات
الدولية والمهرجانات العالمية.
وهي مكانة تستحقها بلا جدال.. لولا اهتمام القيادة
السياسية بقضايا الخارج أكثر من اهتمامها بالداخل.. طوال
ربع قرن كامل من الزمان.
ومن ثم.. فإن الحل.. ليس في يد المحافظ عبدالعظيم وزير..
الذي استضافه البرنامج ولا في يد اللواء عادل عامر. الحل..
في سياسة عليا.. تعترف بحق المواطن في رصيف آمن.
السخيف في الموضوع.. أن أجدادنا كانوا ينعمون بالأرصفة..
وكان المطرب الشعبي الكبير محمد عبدالمطلب يغني بالمزاج
العالي:
ساكن في حي السيدة.. وحبيبي ساكن في الحسين!.
وعشان أنول كل الرضا!.
«يوماتي» اروح له مرتين!.
وواضح من الكلام أن المطرب الكبير لم يكن يقطع هذه
المسافة.. بالسيارة.. وإلا ما استحق الرضا.
الرضا معناه.. أن عبدالمطلب كان «يطخ» المشوار فوق
الأرصفة.. ومن رصيف لرصيف.
ومعناه أنه كانت هناك أرصفة.. متسعة.. وعريضة.. تسمح بسير
العاشق من السيدة.. لسيدنا الحسين.
ليس مرة واحدة في اليوم.. وإنما - كما يقول عبدالمطلب -
«يوماتي اروح له مرتين» (!!).
كانت الأرصفة تسمح بتواصل القلوب.. وإشاعة الرومانسية..
واحترام المواعيد العاطفية.
كانت الأرصفة.. زمان.. قبل أن يتولي الحزب السرمدي زمام
الأمور.. هي المكان الآمن.. وكانت النصيحة التي ترددها
الأم لأطفالها هي أن «يسيروا علي الرصيف».
الآن تنصح الزوجة.. زوجها.. وهي تودعه علي باب الشقة.. بأن
يبتعد عن الأرصفة.. وتهمس في أذنه:
خليك بعيد عن الرصيف!.
أين نحن الآن من أرصفة.. زمان؟!. كان ياما.. كان!