من حسن حظ الدكتور أحمد نظيف أنه ألقي بيان الحكومة في عز
انشغال الشارع المصري بأخبار الكرة ومباريات كأس الأمم
الإفريقية .. وأصداء الفرحة الغامرة بالفوز علي منتخب
الكوت ديفوار .. والاستعدادات لمواجهة منتخب الكونغو .. ثم
فرحة الفوز علي هذا المنتخب الصعب!
مضي بيان الحكومة في صمت ولامبالاة .. وهو نفس المصير الذي
واجهته التغييرات في الحزب الوطني والتي لم يحدث فيها أي
جديد .. وإنما فقط تحويل المقاعد لنفس الوجوه ونفس
الاتجاهات!!
خبطتان في الرأس توجع .. بيان الحكومة التقليدي ..
وتغييرات اللاتغييرات في الحزب الوطني .. وشكرا للكورة
التي أنقذتنا من تداعيات اليأس والإحباط فيما يحدث!!
فرغم سابق خبرتنا مع صدمات التغيير الذي لا يتحقق .. إلا
أنه كان هناك بصيص من الأمل للإصلاح .. وشوق حقيقي لوقفة
شجاعة تعترف بسلسلة الأخطاء التي أرهقتنا وأطبقت علي
أنفاسنا هما وكمدا وشوقا أكبر لإعلان عن صحوة شاملة لتصحيح
الأوضاع وإحياء الهمم وفك أسر الأحلام،
ولكن .. يبدو أنه لا فائدة .. ويبقي الحال علي ما هو عليه
وتكاد رءوسنا تنفجر من الغيظ، ونحن نتساءل عن سر هذا
الإصرار علي الخطأ .. هل هو نوع من العناد باعتبار أنهم هم
السادة الأقوي والأكثر فهما وإدراكا لمصالحنا ومستقبلنا؟
.. وإذا كان هذا هو فهمهم، فما هي بوادر الإشارات للإصلاح
والتغيير؟ وإلي متي ننتظر؟
أغلب الظن أن الذين بيدهم مقاليد الأمور .. قد فقدوا
الاتصال بنبض الشارع .. واختلت في نظرهم قياسات الرأي
العام .. ولم يعد يسمعون صوت الجماهير .. أو يقرأون نزيف
الآهات في شكاوي المطحونين.
هم في واد .. ونحن في واد آخر ..
هم في واد من الأوراق والوعود البراقة .. ونحن في واد من
الآلام والأوجاع التي تنهشنا يوميا..
ولهذا لم يكن غريبا .. أن يكرر الدكتور أحمد نظيف في بيان
الحكومة نفس الزهو والفرح بإنجازات يراها قد تمت .. ويكرر
أيضا نفس الوعود بتوفير فرص العمل وتحسين الدخول وبناء
المساكن الجديدة وتشديد العناية بالرعاية الصحة.
ومع التسليم بصدق أرقام وإحصائيات ما تم إنجازه .. وصدق
الوعود بالتحسين والرعاية .. يبقي السؤال قائما ومزعجا ..
لماذا يشعر غالبية الشعب بضنك العيش ومرارة الفساد وقسوة
الظلم والتفرقة بين ما يحصل عليه الأغنياء لكي يزدادوا
ثراء وتوحشا .. وبين ما يحصل عليه الفقراء وهم الأغلبية ..
من فتات الموائد .. ومن الإهمال البشع .. واختناق الحياة
..
هذه الفجوة الشاسعة بين أرقام الإنجاز .. وصعوبة الحياة
اليومية . ما هي أسبابها ووسائل تلافيها؟! لم يقدم لنا
بيان الحكومة أي إجابة شافية .. وصادقة؟
كان واضحا أن الحكومة في بيان رئيس وزرائها تعطي كل الثقة
وكل الأمل في دور القطاع الخاص ومساهمات رجال الأعمال ..
ولكن لم يذكر البيان أي إشارة لتدعيم دور الدولة في الحفاظ
علي ممتلكات الدولة ومؤسسات الدولة في التعليم والصحة، وفي
الصناعة والزراعة .. بل هناك إشارات واضحة في بيان الحكومة
للإسراع بقطار الخصخصة ليطوي مصانع قائمة بها ألوف العمال
ومازالت قادرة علي تلبية قطاع مهم من احتياجات السوق
بأسعار في متناول الكثيرين .. ولكن هوجة «الخصخصة» تحاصرها
بسبب ديون تراكمات لفساد في الإدارة .. وغياب الرقابة ..
وسطوة المحسوبيات لإرضاء بعض أصحاب النفوذ والقرار.
وأمام عجز الدولة في الإصلاح الإداري .. كان القرار
بالتخلص منها بالبيع السريع .. حتي ولو كان ثمن البيع لا
يتجاوز ثمن الأرض المقام عليها هذا المصنع أو ذاك .. ولا
يحسب ما عليه من آلات ومعدات .. ولا يراعي العاملين به
وأصحاب الخبرات الذين أفنوا حياتهم بين الآلات .. فالبيع
لابد أن يتم .. وجزاء العاملين هو الخروج إلي طوابير
البطالة تحت صيغة «المعاش المبكر» وهو في حقيقته بوابة
للندم والعجز بعد أن تتسرب النقود من بين أيديهم .. ويتعذر
الحصول علي عمل بديل!
ولهذا يعيش أبناء القطاع العام بمؤسساته وشركاته في رعب
وخوف من قطاع الخصخصة الذي يندفع إليهم ليطوي حياتهم
ومستقبلهم .. ولا حياة لمن تنادي .. فلا صوت يعلو فوق صوت
«الخصخصة»!
وقد كان المطلوب من دور الدولة أن تدعم فاعلية هيئة
التصنيع لتحديث الصناعة وتنفيذ برامج التطوير .. والعمل
علي إعادة تشغيل ما يقرب من ثلاثة آلاف مصنع أغلقت أبوابها
وجمد نشاطها.
فهذه الثروة الصناعية من الأدعي حمايتها ورعايتها .. وليس
التفريط فيها بالبيع بثمن بخس، ولأصحاب رءوس أموال يهمهم
أولا وقبل كل شيء تحقيق المكاسب حتي ولو كان إنتاج هذه
المصانع لا يلبي احتياجات وقدرات المواطن العادي .. وإنما
موجه أصلا لأصحاب الدخول العالية.
وهو نفس الاتجاه في الخصخصة بإنشاء المدارس والجامعات
الخاصة .. وإنشاء مراكز العلاج والمستشفيات الاستثمارية ..
والمحرم دخولها للفقراء ومحدودي الدخل .. وهم أغلبية الشعب
المصري.
فهل يستقيم دور الدولة؟ وهل نصدق الوعود والخطط بحماية غير
القادرين؟
وكما هي العادة في بيانات الحكومة علي مر السنين الماضية
.. يأتي بيان حكومة د. نظيف بوعود بناء 30 ألف وحدة سكنية
بالمدن الجديدة بتكلفة استثمارية قدرها 5،3 مليار جنيه
«وما أكثر مليارات الحكومة»!
ويتزامن هذا الوعد في نفس التوقيت الذي أعلن فيه الجهاز
المركزي للمحاسبات تقريرا خطيرا حول أزمة الإسكان في
المحافظات «نشرته جريدة الأخبار في 29/1/2005» بأن الدولة
وفرت الاستثمارات لبناء الإسكان المنخفض التكاليف في 15
محافظة فقط بينما لم توفرها لباقي المحافظات وعددها 11
محافظة!!
وحتي المحافظات التي خصصت لها الاستثمارات لم تستطع 12
محافظة سوي تنفيذ 37% من حجم العمل المستهدف في المواعيد
المحددة، مما أدي إلي تأخير الاستفادة منها لمحدودي الدخل
لمدة تزيد علي ثلاث سنوات!!.
وأشار التقرير إلي أهم أسباب هذا التأخير .. ومنها تأخر
طرح بعض المشروعات الجديدة وطول الفترة التي تستغرقها
إجراءات الإسناد «أي المسئولية هنا علي الجهاز الإداري
للدولة».
ومن الأسباب أيضا طرح بعض المشروعات قبل تدبير المواقع
وإزالة الإشغالات والتعديات التي عليها وعدم كفاية
الدراسات الخاصة بأبحاث التربة «أي المسئولية هنا علي
الجهاز الإداري للدولة».
ومن الأسباب أيضا .. تأخر استخراج تراخيص البناء .. وتأخر
توصيل المرافق .. وعدم صرف المستحقات للمقاولين بأعمال
البناء «أي الأخطاء كلها يتحملها الجهاز الإداري للدولة»!
ومن هذا التقرير الرسمي .. يتضح أن ما وعدت به الدولة
وخصصت له الاستثمارات .. لا يتحقق علي أرض الواقع إلا بعد
طلوع الروح بسبب تكاسل وإهمال المتابعة والرقابة من الدولة
نفسها..!
والخلاصة .. أن الكلام شيء .. والواقع شيء آخر..
ويحاول بيان الحكومة أن يمرر علينا خدعة أرقام حجم البطالة
في مصر.. إذ حسبها أن الحكومة وفرت 980 ألف فرصة عمل خلال
18 شهرا منذ تولي د. نظيف مسئولية الحكومة .. ومازال باقيا
مليونان يبحثون عن عمل..
وهنا ضج نواب مجلس الشعب الذين كانوا يسمعون البيان.. فهم
يعرفون أن الرقم غير واقعي .. فضحك د. نظيف وابتلع
الاحتجاج ضاحكا وهو يقول «مين يزود»!
لقد كشف النواب هذه الخدعة .. كما كشفها كل الذين سمعوا أو
قرأوا بيان الحكومة .. لأن المعلومات المتداولة تقدر حجم
البطالة في مصر ما بين 5 - 6 ملايين فرد.
والرقم الحقيقي غير معلن .. وإنما تفضحه أحدث دراسة
اجتماعية أكدت وجود أكثر من 8 ملايين شاب وفتاة لم يتزوجوا
برغم تجاوزهم عمر ال 35 عاما!!
ونسبة الفتيات العوانس وصلت إلي 5 ملايين فتاة.
وأرجعت الدراسة ارتفاع هذه النسبة بسبب غول البطالة التي
يعاني منها الشباب .. وقلة الشقق السكنية وارتفاع أسعارها.
أي أن هناك جيلا كاملا من الشباب تم نسف أحلامهم بالزواج
والاستقرار بتكوين أسرة!وهذا يكفي لكي لا نصدق بيانات
الحكومة!
وشكرا للكورة التي جعلتنا لا ننتبه تماما .. ولا نهتم
ببيان د. نظيف .. أو بتغييرات الحزب الوطني!.