بجرة قلم اختفي ملايين المرضي المصابين بالالتهاب
الكبدي بفيروس «سي»!
حدث ذلك بقرار وزاري أصدره وزير الصحة السابق الدكتور محمد
عوض تاج الدين وبذلك أعفي وزارته من الدخول في معركة مع
مرض شرس هو الالتهاب الكبدي الوبائي بفيروس «سي»!
وإذا كان القرار الوزاري قد أراح العاملين في وزارة الصحة
.. إلا أنه في نفس الوقت زاد من ضراوة المرض .. وضاعف عذاب
المرضي خلال مواجهتهم للفيروس أثناء مراحل التشخيص أو
العلاج.
ثم زادت حدة الكارثة مع إهمال مواجهة المرض فزاد معدل حدوث
المضاعفات بحيث وصل عدد حالات الالتهاب الكبدي الوبائي
التي انتهت بحدوث سرطان الكبد إلي مائة وخمسين ألف حالة؟!!
خطأ حكومي قديم .. بكل بساطة .. لا تجد وزارة الصحة أي حرج وهي تعلن
دائما أن الالتهاب الكبدي الوبائي بفيروس «سي» بدأ من خلال
عيادات الوزارة المنتشرة في مدن و قري مصر والتي كانت
تعالج البلهارسيا بحقن معينة .. وعن طريق استعمال سرنجة
واحدة كان الحقن يتم للعشرات .. هكذا بدون أي تعقيم ..
وبذلك انتقل الفيروس من مريض إلي آخر ليصل في نهاية الأمر
إلي مئات الألوف من المرضي..
ومن المثير أن هذا الخطأ الحكومي استمر حتي عام 1980!!
وهكذا تعترف وزارة الصحة في تقاريرها ونتائج أبحاثها أن
مسئوليتها كانت كاملة وواضحة في تحويل أجساد المصريين إلي
أكبر مستنقع عالمي لفيروس «سي».
وإذا كانت بداية الإهمال الحكومي من خلال هذا التسيب في
نقل العدوي من مريض إلي آخر فإن هذا الإهمال استمر ولكن في
صور مختلفة:
لقد تركت وزارة الصحة مريض الالتهاب الكبدي الوبائي بفيروس
«سي» ضائعا بلا حماية للمواطن السليم من انتقال العدوي
وبلا رعاية للمريض حتي يتأكد من التشخيص .. وبلا مساعدة في
علاج المريض..
إن ضياع المريض بدأ بإهمال مساعدته علي تشخيص حالته .. ومن
هنا كانت الظاهرة المؤسفة لحالة المصاب بالعدوي ..
فالمرحلة الأولي تكون بانتقال العدوي .. بحيث يظهر ذلك
واضحا من خلال التحليل..
والتحليل بالنسبة لمريض الالتهاب الكبدي الوبائي هو العذاب
بعينه..
لقد تحول هذا التحليل إلي وسيلة لجمع المال بالنسبة لمعامل
التحاليل التي لا تجد من يحاسبها سواء خلال أدائها لعملها
أو للمبالغ التي تطلبها نظير القيام بالتحليل المطلوب.
وهكذا .. لم يكن غريبا أن تتطور الحالات إلي الأسوأ ..
نعم .. لم يكن غريبا أن يصاب الكبد بالعدوي ويتم إهمال
التشخيص والعلاج ليصاب المريض بالالتهاب المزمن في الكبد.
ويستمر الخطأ .. ويزداد الإهمال ليحدث التليف في الكبد.
ولأن الوعي متأخر .. والرقابة معدومة .. نجد أن الكبد
المتليف قد ظهرت فيه الأورام السرطانية..
وفي دراسة حديثة .. تأكد أن عدد حالات سرطان الكبد الناتجة
أصلا عن الالتهاب الكبدي بفيروس «سي» ستتعدي المائة وخمسين
ألف حالة !!
وهذه النسبة هي أعلي نسبة في العالم!!
درس من جنوب إفريقيا وهنا من المفيد أن نسترجع بسرعة موقف حكومات دول أخري
من أخطاء طبية حدثت بها ..
هناك مثلا الحكم الذي صدر في فرنسا بالسجن علي الطبيب
المسئول عن قطاع الدم في وزارة الصحة الفرنسية واسمه
سولينان.
لقد صدر الحكم بحبسه لأنه تقاعس لمدة عدة أشهر ولم يستعمل
اختبارات اكتشاف الإيدز!!
وفي انجلترا تمت محاسبة السير أرثر بلوم الذي أصدر قرارا
خاطئا لتنظيم عمليات استخدام مشتقات الدم.
بل وفي ليبيا .. لقد صدر الحكم بالإعدام علي ممرضات أهملن
في تعقيم الأدوات الجراحية ..
إن كل هذه النماذج توضح إحساس وزارة الصحة في كل بلد من
هذه البلدان بالمسئولية..
أما عندنا في مصر .. فإننا نحكي قصة انتشار فيروس «سي» في
العيادات الحكومية وكأنها قصة مسلية ..
ويزداد الأمر قسوة عندما تترك الوزارة المواطن الذي أصابته
نتيجة لإهمالها بدون رعاية .. أو علاج ..
ثم تكون الطامة الكبري .. عندما تخفي الوزارة وجود هذا
العدد الهائل من الحالات!!
لقد كانت هجرة العمال من مصر للعمل في الدول المحيطة وراء
اكتشاف حجم المشكلة..
لقد عرفت مصر ظاهرة إعادة ترحيل العمال المصريين بعد
وصولهم إلي الدول المحيطة عند اكتشاف إصابتهم بفيروس «سي»
.. وتحول الحصول علي شهادة بخلو العامل من هذه العدوي إلي
تجارة رابحة لبعض معامل التحاليل .. ثم تطور الأمر ليعاد
عمل التحليل بعد الوصول إلي الدولة التي تطلب هؤلاء
العمال..
وهنا فقط بدأت ملامح الأزمة تتضح .. وظهر للجميع حجم
المشكلة ..
وبالرغم من وضوح الموقف وجد بعض المسئولين الحل في إنكار
وجود المرض أصلاً!!
يحدث ذلك وأمامنا مثال لما حدث في جنوب إفريقيا .. حيث تم
الإعلان بكل وضوح عن وجود وباء الإيدز وبذلك تضاعفت
المساعدات العالمية وزادت فرص نجاح مقاومة المرض!
الوزير الجديد والمشكلة القديمة .. والآن .. هل يستمر
الخطأ؟!
هل يستمر علاج الالتهاب الكبدي بفيروس «سي» بإنكار وجوده
أصلاً؟!
إن أمام الوزير الجديد أرقاما متناقضة قدمها وزراء سبق لهم
الجلوس في نفس مكانه ..
لقد كانت دراسة الوزير إسماعيل سلام إنذارا صارخا علي
انتشار هذا المرض بمعدلات مرتفعة وصلت إلي 50% في بعض
المدن والقري ..
وفجأة .. جاءت أرقام الوزير عوض تاج الدين لتؤكد عكس ذلك
.. يحدث ذلك بالرغم من أن كل دراسة من هذه الدراسات أجريت
في نفس عيادات وزارة الصحة !!
والآن جاء دور الدكتور حاتم الجبلي الوزير الجديد.
هل يفتح ملف الالتهاب الكبدي الوبائي بفيروس «سي» ويبحث عن
الحقيقة .. ويواجه الواقع ؟
أم أنه سيهرب من مواجهة هذه الكارثة مؤكدا عدم وجودها
أصلا؟!!
إن فيروس «سي» هو الخطر الأكبر الذي يهدد كيان المجتمع
المصري .. فهو الخطر المدمر لصحة المواطن .. وإنتاجه .. بل
والاقتصاد القومي أيضا.